بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

«المثقف الرسالي: من تحصيل المعرفة إلى بناء مشروع أمة».

2026-03-14 94 قراءة مقالات رأي حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إنّ الهدف الحقيقي من التعليم لا يقتصر على تحصيل المعرفة وتكديس المعلومات، بل يتجاوز ذلك إلى ترسيخ المبدأ واكتساب القدرة على التمييز بين الحق والباطل. فالمعرفة، إذا انفصلت عن القيم، قد تتحول إلى مجرد أداة تقنية أو وسيلة في خدمة الباطل. ولذلك يصبح التعليم في جوهره عملية بناء للوعي الأخلاقي والنقدي الذي يمكّن الإنسان من فهم الواقع ومقاومة الانحراف فيه. فالعلم الحقيقي لا يصنع إنسانًا حافظًا للمعلومات فحسب، بل يصنع إنسانًا صاحب موقف.
ومن هذا المنطلق، فإن غاية الإنسان المثقف من تحصيل المعرفة لا ينبغي أن تقف عند حدود كسب العيش، بل أن يتحول إلى مشروع فكرة يحمل رؤية ويسهم في بناء مشروع حضاري أوسع. غير أن المثقف غالبًا ما يواجه ضغطًا اجتماعيًا من العامة والعائلة التي تنتظر منه أن يحقق الازدهار المادي فقط، بينما يكون هو قد انشغل بالبحث عن الازدهار القيمي وبإصلاح الوعي. وهنا تتجلى الفجوة بين نظرة المجتمع النفعية للعلم ونظرة المثقف الرسالية له.
وقد عبّر عن هذا المعنى المفكر علي شريعتي حين قال:
«المثقف هو الإنسان الواعي بذاته وبعصره، والمسؤول عن توجيه المجتمع نحو الحقيقة».
كما يؤكد في موضع آخر أن «المثقف ليس من يحمل المعرفة فحسب، بل من يشعر بمسؤولية تغيير الواقع».
وفي السياق نفسه، يرى راشد الغنوشي أن العلم مرتبط بمسؤولية حضارية، حيث يقول:
«الأمة لا تنهض بالعلم وحده، بل بالعلم الذي يتحول إلى وعي ومسؤولية في خدمة الحرية والعدل».
وفي طرحه لفكرة النهضة يؤكد أن «المثقف الحقيقي هو الذي يجعل من علمه أداة لتحرير الإنسان لا مجرد وسيلة للترقي الاجتماعي».
أما في التراث الإسلامي، فقد شدد أبو حامد الغزالي على الارتباط العميق بين العلم والعمل، إذ يقول:
«العلم بلا عمل جنون، والعمل بلا علم لا يكون».
كما يقول أيضًا: «العلم شجرة والعمل ثمرة، فمن طلب العلم للعمل فقد نجا».
وفي الاتجاه نفسه يربط ابن تيمية بين العلم والعدل، حيث يقول:
«العدل أساس العمران، والله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة».
كما يؤكد أن «العلم إمام والعمل تابعه»، في إشارة إلى أن المعرفة ينبغي أن تقود إلى إصلاح الواقع وإقامة الحق.
وهكذا يتضح أن المثقف الحقيقي، في ضوء هذه الرؤى الفكرية، ليس مجرد صاحب شهادة أو باحث عن النجاح المادي، بل حامل رسالة فكرية وأخلاقية. إنه إنسان تحوّل من مجرد كاسب للعيش إلى مشروع فكرة، يسعى بعلمه إلى كشف الحقائق وبناء الوعي العام، حتى وإن اصطدم بتوقعات المجتمع الذي لم يدرك بعد أن الدور الحقيقي للمثقف يتجاوز حدود المنفعة الفردية إلى الإسهام في بناء مشروع أمة رائدة وصالحة

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال