بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الدولة الفاحشة: حين تنتهك السلطة رموزها وتكسر مستقبل أبنائها

2026-03-14 99 قراءة مقالات رأي حسام سعايدية
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست الفاحشة دائمًا فعلاً أخلاقيًا فرديًا كما تُصوَّر في المعنى الشائع، بل قد تتحول إلى حالة سياسية وأخلاقية تمارسها السلطة حين تنتهك القيم التي تدّعي حمايتها، وتعتدي على رموز الأمة وتاريخها ومستقبل أبنائها. عندها يمكن الحديث مجازًا عن “الدولة الفاحشة”؛ أي الدولة التي تمارس نوعًا من الانتهاك المعنوي والرمزي ضد مجتمعها ورجاله المصلحين، فتقصيهم أو تشوّههم أو تدفعهم إلى الهامش.
في التاريخ التونسي الحديث يمكن قراءة هذا المعنى عبر مسار طويل من التوتر بين السلطة والرموز الفكرية والسياسية. فمنذ زمن الشيخ عبد العزيز الثعالبي ، أحد أبرز رواد الحركة الوطنية والإصلاح الديني والسياسي في تونس، ظهرت بوادر هذا التوتر. فقد كان الثعالبي يمثل مشروعًا إصلاحيًا يجمع بين الوعي الديني والنهضة الفكرية والوعي الوطني، إلا أن مسيرته عرفت محاولات تهميش وتشويه، وكأن الدولة أو القوى المتحكمة فيها لا تحتمل وجود رموز فكرية مستقلة قادرة على التأثير في المجتمع.
ويتكرر المشهد بصورة أكثر مأساوية مع شخصية مثل صالح بن يوسف . فقد كان الرجل أحد أبرز قادة الحركة الوطنية، لكن الصراع السياسي بعد الاستقلال أدى إلى إقصائه ثم اغتياله في المنفى. وهنا يتجلى أحد وجوه “الدولة الفاحشة”: الدولة التي تتخلص من أبنائها المختلفين بدل أن تستوعب اختلافهم.
ومع مرور الزمن لم يتوقف هذا النمط. فقد عرفت تونس فترات طويلة من الصراع بين السلطة والتيارات الفكرية والسياسية المختلفة، ومن بينها التيار الإسلامي الذي ارتبط باسم راشد الغنوشي . سواء اتفق المرء مع أفكاره أو اختلف معها، فإن مسيرته تعكس أيضًا علاقة متوترة بين السلطة والمعارضة الفكرية، حيث تتداخل السياسة بالأمن، ويتحول الخلاف الفكري أحيانًا إلى صراع وجودي.
غير أن أخطر مظاهر هذه “الدولة الفاحشة” لا يقتصر على الصراع مع الرموز السياسية، بل يمتد إلى تدمير طموح الأجيال. فكم من شاب متعلم وجد نفسه عاطلًا عن العمل سنوات طويلة، ليس لأنه عاجز أو غير كفء، بل لأن المنظومة القائمة لا تكافئ الكفاءة بقدر ما تكافئ الولاء. وهنا يتحول الإقصاء من حالة سياسية إلى واقع اجتماعي يومي يطال آلاف الشباب.
إن الشاب المثقف، الذي يحمل مشروعًا فكريًا أو رسالة أخلاقية، غالبًا ما يجد نفسه خارج معادلة النفوذ. وفي مجتمع تسوده المحسوبية والزبونية، يصبح المثقف الرسالي غريبًا في وطنه؛ لأنه يرفض الانخراط في شبكات المصالح الضيقة، فيُدفع إلى الهامش أو البطالة أو الهجرة.
وهكذا تتشكل ملامح “الدولة الفاحشة”:
دولة تنتهك رموزها بدل أن تكرمهم.
دولة تقصي المختلف بدل أن تحاوره.
دولة تضيع فيها طاقات الشباب لأنهم فقط مستقيمون أو مستقلون فكريًا.
لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن المجتمعات لا تبقى أسيرة هذه الحالة إلى الأبد. فكل دولة تُقصي العقول وتُحارب الكفاءة إنما تضعف نفسها من الداخل، لأن نهضة الأمم لا تقوم إلا على الحرية والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية.
إن الخروج من منطق “الدولة الفاحشة” لا يكون بتغيير الأشخاص فقط، بل بتغيير الثقافة السياسية نفسها: ثقافة الاعتراف بالاختلاف، واحترام الرموز الوطنية، وفتح المجال أمام الشباب المبدع والمثقف ليشارك في بناء المستقبل.
فالدولة التي تحترم أبناءها ورموزها هي وحدها القادرة على أن تتحول من دولة تخشى العقول إلى دولة تصنع النهضة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال