في الخطاب السياسي العربي تتكرر عبارة تبدو للوهلة الأولى إيجابية: «الشعب فاهم». ترفعها السلطة لتؤكد أنها تحكم باسم إرادة الجماهير، وترددها المعارضة لتقول إن الجماهير تدرك فساد الحكم. غير أن هذه العبارة، في كثير من الأحيان، ليست توصيفًا للواقع بقدر ما هي قناع لغوي يخفي مأزقًا أعمق: مأزق الوعي في المجتمعات التي عاشت طويلًا تحت ضغط الاستبداد والهزائم التاريخية.
فالشعب ليس كتلة واحدة واعية دائمًا أو جاهلة دائمًا. المجتمع تركيب معقد من الوعي واللاوعي، من القيم والمصالح، من المثال والواقع. لكن حين تتراكم الهزائم ويتراجع الإحساس بالقدرة على التغيير، قد ينشأ ما يمكن تسميته عقدة النقص الجماعية؛ وهي حالة نفسية اجتماعية يصبح فيها المجتمع عاجزًا عن الارتقاء إلى مستوى القيم التي يؤمن بها نظريًا، فيلجأ – من حيث لا يشعر – إلى تخفيض قيمة تلك القيم حتى لا يشعر بالعجز أمامها.
هذه الظاهرة يمكن ملاحظتها في التاريخ الإنساني عمومًا، لكنها تظهر بوضوح أكبر في المجتمعات التي عاشت زمنًا طويلًا تحت الاستبداد أو التبعية. فالإنسان الذي يعيش طويلًا في بيئة لا يشعر فيها بقدرته على التأثير يتعلم تدريجيًا فن التكيف مع الواقع بدل تغييره. ومع الوقت يتحول التكيف إلى ثقافة اجتماعية كاملة، حيث يصبح السؤال الأساسي ليس: كيف نغيّر الواقع؟ بل: كيف نتعايش معه بأقل قدر من الألم؟
في مثل هذا المناخ يظهر تناقض عميق: المجتمع يتحدث عن القيم الكبرى—العدل، والكرامة، والنزاهة—لكنه في الواقع العملي قد ينظر بشك أو سخرية إلى من يحاول تجسيد تلك القيم فعليًا. فوجود الإنسان المبدئي لا يزعج المجتمع لأنه قوي، بل لأنه يذكّر الآخرين بما فقدوه أو بما لم يحققوه.
وهنا تظهر آلية نفسية معروفة في علم النفس الاجتماعي: عندما يعجز الإنسان عن الوصول إلى معيار أخلاقي مرتفع، قد يحاول تقليل قيمة ذلك المعيار نفسه. ليس لأنه يرفضه نظريًا، بل لأنه يريد حماية توازنه النفسي من الشعور بالتقصير. وعلى مستوى الجماعات، يمكن أن تتحول هذه الآلية إلى ظاهرة ثقافية كاملة: بدل أن يرتفع المجتمع إلى مستوى القيم، يحاول خفض سقف القيم حتى يصبح الجميع في المستوى نفسه.
هذه الفكرة قريبة من التحليل الذي قدمه المفكر الإيراني علي شريعتي حين تحدث عن المجتمعات التي تفقد قدرتها على إنتاج الوعي. فقد رأى أن أخطر أشكال السيطرة ليس القمع المباشر، بل تحويل الإنسان إلى كائن يتكيف مع القهر ويبرره. يقول شريعتي في إحدى أفكاره الشهيرة:
«أخطر أنواع الاستبداد هو الاستبداد الذي يغيّر وعي الإنسان حتى يقبل وضعه بوصفه قدرًا.»
في هذه الحالة لا يعود الاستبداد مجرد نظام سياسي، بل يصبح بنية ذهنية وثقافية يعيش داخلها المجتمع نفسه.
وقد أدرك التراث الإسلامي هذه الحقيقة بوضوح مبكر. فقد قال ابن تيمية عبارته الشهيرة:
«كما تكونون يولّى عليكم.»
ليست هذه العبارة مجرد حكمة أخلاقية، بل تشخيص اجتماعي عميق. فالنظام السياسي، في كثير من الأحيان، ليس إلا انعكاسًا لبنية القيم السائدة في المجتمع. فإذا ضعف الوعي وضعفت المسؤولية العامة، يصبح من الطبيعي أن تنتج تلك البيئة سلطة تشبهها.
أما الإمام الغزالي فقد تناول العلاقة بين فساد المجتمع وفساد النخب حين قال:
«فساد الرعية من فساد الملوك، وفساد الملوك من فساد العلماء.»
وهو تحليل يكشف أن الانحطاط ليس ظاهرة أحادية الاتجاه، بل هو سلسلة متصلة من التفاعلات بين السلطة والنخبة والمجتمع.
وفي الفكر الإسلامي المعاصر، أشار راشد الغنوشي في كتاباته عن الحرية والديمقراطية إلى أن التحول السياسي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون تحول ثقافي يرسخ قيم المسؤولية والوعي. فالديمقراطية ليست مجرد آلية انتخابية، بل ثقافة مجتمعية تقوم على احترام القانون والمساءلة والنقد.
لكن المشكلة في المجتمعات المأزومة أنها قد تطور مع الوقت نوعًا من المناعة ضد النقد الذاتي. فبدل أن ترى في النقد فرصة للإصلاح، قد تعتبره تهديدًا أو تشكيكًا في الهوية. وهنا تتحول الثقافة العامة إلى ما يشبه الدفاع النفسي الجماعي: كل صوت يحاول كشف الخلل يُتهم بالمبالغة أو التشاؤم أو حتى الخيانة.
ومن هنا نفهم لماذا يصبح الإنسان الصادق أو المبدئي غريبًا أحيانًا في بيئته. ليس لأنه يمثل خطرًا حقيقيًا، بل لأنه يذكّر الآخرين بحقيقة يحاولون نسيانها: أن الانحطاط ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة اختيارات بشرية يمكن تغييرها.
إن أخطر مراحل الانحطاط الحضاري ليست حين يضعف المجتمع اقتصاديًا أو عسكريًا، بل حين يفقد القدرة على رؤية نفسه بصدق. فالمجتمعات التي تنهض هي تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائها، بينما المجتمعات التي ترفض النقد الذاتي تميل إلى تحويل النقد إلى عدو.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه ليس:
هل الشعب فاهم أم لا؟
بل السؤال الأعمق هو:
هل يملك المجتمع الشجاعة الأخلاقية لمواجهة ذاته؟
فالوعي ليس شعارًا يُرفع في الخطابات السياسية، بل هو عملية طويلة من التربية والثقافة والنقد. وعندما يتحول المواطن من مجرد متلقٍ للشعارات إلى فاعل قادر على مساءلة السلطة والمجتمع معًا، عندها فقط يمكن أن تصبح عبارة «الشعب فاهم» حقيقة اجتماعية وليست مجرد أسطورة سياسية.
إن المجتمعات لا تنهض لأنها تردد القيم، بل لأنها تحوّل تلك القيم إلى ممارسة يومية. وعندما يصل المجتمع إلى لحظة يصبح فيها الإنسان المبدئي موضع احترام لا موضع سخرية، عندها يمكن القول إن الوعي قد بدأ فعلاً في التكوّن.
أما قبل ذلك، فستظل الشعارات كثيرة…
لكن الحقيقة المؤلمة ستبقى أن أصعب معركة ليست مع الاستبداد وحده، بل مع الاستسلام الداخلي الذي يسمح له بالبقاء.
أسطورة «الشعب فاهم»: حين يتحول المجتمع إلى حارس لانحطاطه
2026-03-14
82 قراءة
مقالات رأي
حسام سعايدية
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال