أخطر ما في الحرب الدائرة الآن أنها كشفت ضحالتنا الفكرية واستلابنا العاطفي! ولست أتحدث عن تعال أتهم به، ولا عن غلو لا دليل عليه؛ بل إليك الأدلة يا أخي العزيز:
-العقل الراشد يحدد معيار الولاء والعداء ويلتزمه؛ فإن كان الدين، فإن وقوفه ينبغي أن يكون مع من يشاركه الدين والمذهب لا من يخالفه. ولكن الحاصل الآن لدى كثير ممن يدلون بآرائهم بشأن الحرب يعتمدون الدين معيارا إذا تعلق الأمر بمواجهة أمريكا الصليبية والكيان الصه.يوني، ولا يعتمدونه مطلقا إذا تعلق الأمر بالخلاف بين المذهبين: الشيعي في صورته الصفوية، والسني في صورته المغيبة ، فتراهم يهونون من شأن الانحراف العقدي الهائل لدى هذا النوع من التشيع، ويحملون السنة كل خطايا الأنظمة العربية الفاسدة، مع علمهم أن السنة بريئة منهم. ويجدون لذة مازوخية عجيبة في القول: "وما فعل أهل السنة؟" "وماذا فعلت الدول السنية؟" "إن ما فعلته إيران الشيعية من دك حصون الصه.اينة لم تفعله أية دولة سنية!"
ولو كان لهم عقل يزنون به (بكسر الزاي)، لما استحضروا هذه المقارنة؛ فهم يعلمون أن الأنظمة السنية لا تمثل السنة، وهم يعلمون أن أهل السنة الحقيقيين قد أبلوا البلاء الحسن في كل المعارك ضد العدو، وهم يعلمون أن شيعة العراق وسوريا والكويت والبحرين والسعودية وأذربيحان لم يفعلوا شيئا لنصرة فلسطين، بل إن أذربيجان الشيعية نظاما وشعبا متحالفة مع الكيان الخبيث!
أما إذا كان المعيار هو الظلم والإجرام؛ فكل من أوغل في العدوان والإجرام في دماء الأبرياء من المسلمين فهو عدو لنا، يستحق منا العداء والبراء والحقد، فينبغي أن ننظر في الوقائع لاسيما القريبة عهدا. ويمكننا حينها أن نتخذ الإحصاء منهجا، فنحسب كم قتلت أمريكا وكم قتل الكيان وكم قتلت إيران من الأبرياء المسلمين على مدى قرن أو نصف قرن. فإن نصحنا ناصح بنسيان جرائم إيران فلا بد أن نسأله: على أي أساس؟ وهل ينبغي أيضا أن ننسى جرائم فرنسا في الجزائر ، وجرائم أمريكا في أماكن عدة، وجرائم الصها.ينة في فلسطين خاصة؟ وسيجيب: لا، هؤلاء أعداء وجوديون، أما إيران فعدو داخلي مؤقت. وسنسأله: وكيف تفرق بين الوجودي والمؤقت: أبالتاريخ، أم بالدين عموما، أم بالنصوص الدينية تحديدا؟
أما بالتاريخ فتاريخ الصفويين أسود في معاداة أهل السنة والتربص بهم وخيانة دولتهم، والتحالف مع أعدائهم، والولوغ الهمجي في دمائهم، وليس إجرامهم في العراق وسوريا عنا ببعيد.
وأما بالدين فليس كل صاحب دين مختلف عن ديننا هو عدو وجودي لنا؛ فاليابان مثلا، ودول أمريكا اللاتينية أيضا، ليست عدوا وجوديا لنا، رغم اختلافها الكبير عنا في الديانة.
أما بالنصوص الدينية، فإن في نصوص الصفويين الدينية ما في النصوص اليه.ودية من التحريض علينا، والتقرب إلى الله بمعاداتنا ولعننا والتربص بنا للثأر منا على ذنب لم نرتكبه!
فبماذا إذن نميز بين الوجودي والحدودي أو المؤقت؟ هل يعلم هؤلاء أن خامنئي لم يتوقف عن الإجرام في حق الشعب السوري حتى بعد تحرره من إجرامه وإجرام بشار، إذ حرض عند قيام تمرد الساحل على أن يتمرد السوري على دولته الجديدة! فماذا لو استطاع هؤلاء المحرضون أن يستجيبوا لتحريضه؟ أحرب أهلية أخرى تسفك ما تبقى في السوريين من دماء؟
-العقل المنصف الراشد يزن بميزان واحد. لماذا هذه الإشادة المبالغ فيها بالحضارة الفارسية والعقل الفارسي؟ هل المسألة عرقية وقومية؟ لماذا تنكرون على العربي الفخر بعروبته وأمجادها، وعلى الأمازيغي الفخر بأمازيغيته وأبطالها، وعلى التركي الفخر بقوميته ومشاريعها، فإذا تعلق الأمر بإيران تدفقت ألسنتكم بالثناء على حضارتها الموغلة في العراقة، وعلى عقلها المتوقد ذكاء وهمة وصمودا، وعددتم لنا علماءها الذين زانوا الحضارة الإسلامية بعظيم علومهم ومعارفهم وآدابهم، متجاهلين أن الإسلام هو الذي بث فيهم تلك الروح العبقرية كما بث مثلها في العرب والأتراك والأكراد والأمازيغ؟!
-العقل الراشد لا يقدم الدول أو يؤخرها بحسب حظها من التطور العلمي والتقني، بل حظها من القيم الإنسانية. وإني لأسمع من أهل الرأي منا من يشيد بإيران، ويفخر بها، بسبب ما بلغته من تطور في العلم والصناعة والتقنية لم تبلغه الدول العربية،
ويجعل ذلك محفزا على حب إيران، والثقة فيها، والولاء لها، والفخر بها.. ولو كان هذا المعيار سليما، وميزانه مستقيما، لذكر أن العدو الصه.يوني يملك من التطور العلمي والتقني والصناعي أضعاف ما تملكه إيران، أما أمريكا فحدث ولا حرج. فهل علينا أن نعجب بهذين العدوين، ونثني عليهما، ونفخر بهما؟!
-العقل المنصف الراشد ينظر إلى الأمور في صورتها المجملة، ولا يقتطع من الصورة جزءا ويبني عليه.
أرى في كثير من منشورات أهل الرأي ثناء على السياسة الإيرانية، وشجاعة القادة الإيرانيين. وكثير منهم استعرض متباهيا فرحا صورة بضعة قادة خرجوا أمس في مسيرات مع الشعب دون خوف من قصف العدو!
هل العقل الراشد يقبل التضخيم لهذا التصرف الاستعراضي الذي لا يدل على شيء سوى إمداد الشعب الإيراني بشحنة نفسية عاطفية يحافظ بها على ثقته في دولته، ويعوض بها عن فراغ نفسي هائل من أثر الفقد والخراب والانهيار؟
العقل الراشد يتساءل: كيف استطاع العدو أن يقتل في الدقائق الأولى من الحرب ما يقارب الخمسين قائدا كبيرا على رأسهم المرشد الأعلى؟
والعقل الراشد يتساءل: لماذا لم يظهر المرشد الأعلى الجديد ما دام الظهور يدل على صمود وشجاعة وتحد؟
والعقل الراشد يقول: ليس من الشجاعة أن تظهر في وسط الشعب، وأنت تعلم أن استهدافك ضمن كتلة مدنية يضر العدو أكثر مما ينفعه.
-العقل الراشد لا يقدس أحدا. يبجل من يستحق التبجيل، نعم؛ ولكنه لا يغالي، ولا ينسى الجانب الآخر من الصورة.
كثير من أهل الرأي باتوا مفتونين اليوم بعلي لاريجاني. وآخر فتنتهم به أنه لم يكن موافقا على الدخول المباشر في الحرب السورية.
حسنا، هذا خبر طيب!
إذن، فالدخول في الحرب السورية كان خطأ سياسيا فادحا وقع فيه عقل سياسي فارسي جبار، وجريمة فظيعة تورط فيها قادة مسلمون حسينيون أطهار!
ما دام لاريجاني العظيم قد تورع عنها، وأنتم تثنون على تورعه، فلماذا لا تنقمون على الذي ولغ فيها، وتجرمونه وتغضون من شأنه؟
قرأت لبعضهم: لقد كان عدم الدخول في الحرب السورية قرار معظم القادة، ولكن المرشد الأعلى هو من قرر الدخول، وما كان لهم سوى طاعته!
لماذا إذن تمجدون المرشد الأعلى، وتعرضون الصور التي تدل على زهده وورعه وسماحته؟ هل من الزهد والورع والسماحة الدخول في حرب لا ضرورة لها ولا مشروعية، وإزهاق أرواح مئات الآلاف من المسلمين؟!
-العقل الراشد ينظر في الحصيلة الإجمالية لمسار طويل. فما هي الحصيلة الباهرة للثورة الإسلامية الإيرانية بعد ما يقارب نصف قرن؟
من الواضح أن النجاح النسبي الذي تحقق في العقود الأربعة الأولى قد آل إلى انهيار شامل.
العراق الذي تحالفت إيران مع أمريكا للسطو عليه، بلد هش محطم عاجز واقع تحت الوصاية الأمريكية.
الحزب الذي زرعته إيران في لبنان فقد سمعته الطيبة لدى أكثرية العرب وأكثرية المسلمين، ثم تلقى ضربة قاصمة يستبعد أن ينهض بعدها.
سوريا التي كانت حلم قادة إيران وعنوان دهائهم ونجاحهم وتمددهم خرجوا منها خاسئين مدحورين، وقد شوهوا سمعتهم تماما، وأهدروا فيها مئات الملايير!
أهذه هي السياسة الإيرانية الذكية والعقل الإيراني العظيم؟!
يا أيها المنبهرون بإيران، لمجرد أنها ردت على العدوان بقصف يسرنا أنه أصاب العدو، ويؤسفنا أنه تعدى على مصالح الشعوب العربية وعمق الشرح: استخدموا عقولكم قليلا، فقد أمركم الله باستخدامها.
أ.د. عبد الملك بومنجل
ضحالة واستلاب!
2026-03-14
112 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال