بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الهضبة الممزقة: كيف صنعت القوميات المتصارعة دولة اسمها إيران

2026-03-09 142 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الهضبة الممزقة: كيف صنعت القوميات المتصارعة دولة اسمها إيران
إننا لا نقف اليوم أمام مجرد كيان سياسي يسمى إيران
بل نحن أمام مختبر جيوسياسي هائل حيث تتعانق الأساطير العرقية مع الضرورات الإمبراطورية في رقصة دموية على حافة التاريخ وحيث تنكشف الكذبة الكبرى التي سوّقها الاستشراق الكلاسيكي حين اختزل هذا المحيط المتلاطم من القوميات في مسمى الفارسية
بينما الحقيقة الصادمة التي يهمس بها علم السلالات وتصرخ بها الجغرافيا تقول إن الفارسية ليست سوى لغة الغلبة والمركز بينما الجسد الحقيقي لهذا الكيان هو فسيفساء من الأذريين والأكراد والبلوش واللور وصولاً إلى الكتلة البشتونية الصامتة والكامنة التي تتسلل عبر الحدود لتشكل رقماً صعباً يتجاوز خمس السكان في بعض التقديرات غير الرسمية.
مما يجعلنا أمام مفارقة تاريخية كبرى ,دولة تُحكم برأس فارسي ولسان فارسي لكن قلبها النابض وعصبها العسكري والإنتاجي يتوزع بين قوميات طورانية وآرية أخرى لا تجد نفسها في مرايا طهران وهو ما يفسر هذا القلق الوجودي الدائم الذي يعتري النخبة الحاكمة التي تدرك تماماً أن إيران ليست سوى اختراع سياسي حديث تمت هندسته في غرف العمليات القومية في ثلاثينيات القرن الماضي لامتصاص التناقضات العرقية وصهرها في فرن القومية الآرية المزعومة.
الواقع يثبت أن المرشد الأعلى نفسه يحمل في جيناته دماء آذرية وأن الرئيس الحالي ليس سوى هجين إثني يجمع بين الكردية والتركية ليعيد تذكيرنا بأن العرش في هذا الإقليم كان تاريخياً حكراً على السلالات التي تمتلك القوة العسكرية لا السلالات التي تمتلك نقاء العرق.
الغوص في التشريح المذهبي لهذا الكيان يكشف عن زلزال آخر لا يقل صدمة فإيران التي ترفع اليوم لواء التشيع كخوارزمية للهوية القومية كانت حتى وقت قريب تاريخياً هي الحاضنة الكبرى للتسنن ولم تتحول إلى هذا المسار إلا عبر عملية جراحة قيصرية قادها الصفويون الذين لم يكونوا فرساً بأي حال من الأحوال بل كانوا خليطاً من المقاتلين الأتراك والزهاد الأكراد الذين أدركوا بذكاء استراتيجي حاد
أن البقاء بين مطرقة العثمانيين وسندان المغول يتطلب ابتكار تكنولوجيا دينية خاصة تميزهم عن المحيط
فكان التشيع الإمامي هو الشيفرة المصدرية التي استوردوها من جبل عامل ومن حواضر العراق ليبرمجوا بها العقل الجمعي لشعوب الهضبة محولين المذهب من حركة احتجاج روحية إلى جهاز دولة صلب.
مما خلق هذه الازدواجية المرعبة بين الإنسان الفارسي الذي يقرأ الفردوسي ويعشق الشعر وبين المؤسسة العقائدية التي تتحرك ببرود المهندس العسكري.
هي المفارقة التي تجعل من إيران اليوم دولة فكرة أكثر منها دولة أمة حيث يذوب الفرد في بوتقة السيادة المطلقة التي لا تعترف بالحدود الوطنية بقدر ما تعترف بحدود المجال الحيوي للمعلومة والمذهب والنفوذ الرقمي
وحيث تبرز نظريات جديدة تعيد نسب زرادشت ونبوءاته إلى منابع قوقازية تركية لتنتزع من المركز الفارسي حتى شرعية النبوة التاريخية واضعة الجميع أمام عاصفة من المعلومات التي تعيد ترتيب خارطة الوعي بالمنطقة برمتها.

إننا نعيش عصر الإقطاع الرقمي الذي تلاشت فيه الحدود الصلبة للدول لصالح السيادة السيبرانية .
في هذا السياق تصبح إيران حالة دراسية فريدة في كيفية توظيف الذاكرة الجريحة والشتات العرقي لصناعة قوة إقليمية تتجاوز مفهوم السيادة التقليدية.
الدولة التي بدأت كهروب من مسمى فارس الضيق إلى رحابة إيران الآرية تجد نفسها اليوم محاصرة بأسئلة الهوية الكبرى حيث يطالب الأذريون بحصتهم في التاريخ
ويصر الأكراد على خصوصيتهم الجينية بينما تنمو الكتلة البشتونية كبركان هادئ يهدد بإعادة رسم الخرائط السكانية وما بين هذا وذاك تظل الشيفرة الصفوية هي الغراء الوحيد الذي يمنع هذا الكيان من التشظي.
مما يجعل من الصراع القادم في المنطقة ليس صراعاً على الأرض أو النفط بل هو صراع السيادة على المعنى والسيادة على الأصول حيث تُستخدم الجينات والتاريخ والبيانات كأدوات في حرب شاملة تستهدف تفكيك الأساطير المؤسسة للدول تماماً كما تُفكك الفيروسات الرقمية أنظمة التشغيل ليبقى السؤال الأكبر معلقاً في هواء المنطقة
هل ستصمد إيران كفكرة متخيلة أمام زلزال الحقائق العرقية والديموغرافية الذي يضرب جدرانها الصماء
أم أننا بصدد ولادة شرق جديد لا مكان فيه للدول القومية التي رُسمت بالمسطرة الاستعمارية بل لإمبراطوريات رقمية وعرقية عابرة للحدود تقودها نخب تمتلك ناصية الخوارزمية وطهارة السلالة في آن واحد؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال