بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سلالة الحرير والدم: الصندوق الأسود لنفوذ العلجيات والمماليك في بلاط باردو

2026-02-26 645 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
1
سلالة الحرير والدم: الصندوق الأسود لنفوذ العلجيات والمماليك في بلاط باردو
لم تكن العلجية مجرد جارية للمتعة الحسية بل كانت نظام تشغيل سياسي كامل صُمم لعزل الحاكم عن شعبه وتحويل الإيالة إلى إقطاعية خاصة تدار بالدسائس والروائح العطرية والديون القاتلة.
منذ اللحظة التي استقرت فيها أقدام الأتراك في تونس عام1574بدأت تتشكل بنية سلطوية هجينة تقوم على الارتياب من العنصر المحلي فاستبدل البايات العصبية الخلدونية الوطنية بعصبية الغرباء ليصبح الحرملك هو البرلمان الحقيقي وتصبح قبة الهوى هي ديوان القرار الأعلى الذي يقرر من يُشنق ومن يُعين وزيراً ومن يُمنح صكوك النهب العام .
نحن أمام تاريخ مسكوت عنه، تاريخ دولة الستائر التي قادت تونس من أوج قوتها البحرية إلى ذل الحماية الفرنسية في 1881تحت إشراف مباشر من شبكة العلجيات اللواتي كن يمثلن القنصليات الداخلية للقوى الأوروبية داخل مخدع الباي.
الحقيقة التي يهرب منها المؤرخون الرسميون هي أن الدولة الحسينية ومن قبلها المرادية تأسست على عقيدة
الاستلاب البيولوجي حيث كان الباي ينشأ بين أحضان مرضعات علوج ووصيفات إيطاليات أو شركسيات مما خلق حاكماً منبتاً عن تربته يتكلم لغة هجينة ويفكر بعقلية النزيل لا صاحب الأرض.
ولعل المثال الأبرز والأكثر وقاحة في هذا الصدد هو أسطورة «لالا قمر» تلك الجارية التي اختصرت في مخدعها تاريخ تونس لثلاثة عهود متتالية.
ولدت قمر عام 1862 في بيئة الحريم السلطاني وجُلبت لتكون صمام أمان لنفوذ معين فاستطاعت بذكاء حاد وببروتوكول السرايا أن تتزوج من محمد الصادق باي ثم من علي باي ثم من الناصر باي في عملية تثبيت ملكية لنفوذ الحريم على العرش التونسي فكانت هي الحاكم الفعلي الذي يوزع المناصب ويمنح العطايا.
وبينما كانت تونس تئن تحت وطأة قرض 1863
الكارثي كانت أموال الشعب تُهدر لبناء قصر السعادة بالمرسى ليكون صرحاً يخلد سطوة امرأة لم تكن تعرف من تونس سوى ما تراه من خلف زجاج عربتها الفاخرة وهي أول امرأة تقتني سيارة مرسيدس في تونس في مفارقة مريرة تعكس حجم الفجوة بين بذخ العلجيات وبؤس الفلاحين الذين كانوا يُجلدون في دواوير الكاف وسليانة لجمع المجبى.
لكن العلجية لم تكن تعمل وحدها بل كانت الرأس المدبر لمثلث شيطاني يضمهما مع المماليك والقناصل الأجانب فالمملوك الذي جُلب طفلاً من اليونان أو القوقاز مثل مصطفى خزندار وجد في العلجية حليفاً طبيعياً فكلاهما غريب عن المجتمع وكلاهما يرى في تونس غنيمة تجب تصفيتها قبل رحيل الحاكم أو موته وهذا ما يفسر كيف استطاع خزندار هذا الأخطبوط اليوناني الأصل أن يظل وزيراً أكبر لأكثر من ثلاثين عاماً نهب خلالها خزينة الدولة وهرب الملايين إلى بنوك باريس وليفورنو مستنداً إلى حماية الحرملك ورضا لالا البية.
الدقام الدقيق للأرقام يخبرنا أن تونس اقترضت في عام 1863 مبلغ 35 مليون فرنك لم يدخل منها إلى خزينة
الدولة فعلياً سوى 5.4 مليون فرنك بينما تبخرت البقية في جيوب السماسرة والمماليك والوصيفات.
وعندما انتفض الشعب في 1864 بقيادة علي بن غذاهم لم يجد الباي غضاضة في استشارة عرافات القصر وجواريه اللواتي أشرن عليه بقمع الثورة واستخدام المال المنهوب لشراء ذمم شيوخ القبائل في أكبر عملية خيانة وطنية موثقة أدت في النهاية إلى إفلاس الدولة وتسليم رقبتها لـ الكومسيون المالي الدولي في 1869.
الصندوق الأسود للبلاط التونسي يكشف أيضاً عن دور العلجيات في التجسس لصالح القوى الاستعمارية
فالسفارة الفرنسية في دار المقيم كانت تدرك أن الطريق إلى توقيع الاتفاقيات الترابية يمر عبر المجوهرات التي تُهدى لزوجات الباي ووصيفاتهن ولعل قضية جزيرة بانتليريا (بنت الرياح) تظل الجرح الأكثر غوارة في الذاكرة السيادية
فرغم محاولات التجميل التاريخي إلا أن الشواهد تؤكد أن التخلي عن هذه الجزيرة الاستراتيجية لصالح إيطاليا لم يكن مجرد قرار دبلوماسي بل كان نتيجة مقايضة في غرف النوم السياسية حيث تداخلت ديون الباي الشخصية ونزواته مع مطالب القناصل لتفقد تونس رئتها البحرية في لحظة
سكر سياسي جماعي أصاب النخبة الحاكمة.
وما كان لمصطفى بن إسماعيل ذاك الشاب الذي تسلق جراح البلاد ليصبح سيد باردو المطلق بفضل قربه المشبوه من الصادق باي إلا أن يكون النسخة الذكورية من العلجية حيث استخدم السحر الأسود والشعوذة لتعطيل عقل الباي ومنعه من سماع صوت المصلحين مثل خير الدين باشا الذي حاول بناء دولة المؤسسات والقانون لكن دولة الحريم كانت أقوى لأنها كانت تمتلك مفاتيح الغرائز والولاءات العرقية العابرة للحدود.
إننا أمام سيكولوجية استبداد فريدة من نوعها حيث يتحول القصر إلى مخور سياسي تدار فيه مصائر البلاد بالهمس والغمز وحيث يصبح الخصيان هم الرسل بين عالم الحريم وعالم الإدارة مما أدى إلى نشوء جيل من الأمراء الهجناء الذين لا يشعرون بأي انتماء لثقافة الشعب أو لغته فكان من الطبيعي أن يسقط الصادق باي في فخ روستان عام 1881ويوقع معاهدة الحماية وهو يرتعد خوفاً لا على وطنه بل على حرمه وامتيازاته الشخصية.
الاحتلال الفرنسي لم يكن غزوًا مفاجئًا بل كان استلاماً وتسليماً لشركة مفلسة أدارها العلج والمملوك لقرنين من الزمن.
تونس لم تُحتل عسكرياً فقط بل بيعت بالتقسيط المريح في مزاد الشهوات والديون فالصندوق الأسود يكشف أن العلجية كانت هي السجان والمملوك هو الجلاد والباي هو الضحية المستلبة بينما كان الشعب هو الممول الوحيد لهذه السهرة الطويلة من البذخ والدماء.
إن الثروات المنهوبة هي اللعنة التي لا تزال تلاحق بنية الدولة التونسية حيث تأسست ثقافة النهب والهروب كعقيدة لدى بعض النخب التي لا تزال ترى في تونس إيالة لا وطناً وفي ميزانيتها غنيمة لا أمانة.
هذا هو تشريحي للسلالة الهجينة التي حكمت تونس وهي صرخة لكل من يريد أن يفهم لماذا تعثرت محاولات الإصلاح ولماذا نجح الاستعمار.
نجح لأن الداخل كان منخوراً ولأن الغرف المظلمة كانت أقوى من المجالس الدستورية ولأن العلجية كانت تملك مفتاح قلب الحاكم بينما كان الشعب لا يملك حتى ثمن خبزه إنها حكاية سلالة الحرير والدم التي جعلت من تونس أضحية في عيد ميلاد الإمبريالية ويبقى التاريخ هو الشاهد الوحيد الذي لا يرتشي ولا ينسى.
هذه ليست محاكمة أخلاقية لأشخاص بقدر ما هي تشريح لبنية حكم حين تنفصل عن مجتمعها وتستعيض عن الثقة بالارتياب وعن الكفاءة بالولاء وعن الشفافية بالغرف المغلقة. فالأوطان لا تسقط في لحظة بل تتآكل ببطء وحين يأتي الخارج ليضع يده عليها يكون الداخل قد أنهك نفسه بنفسه.
الأستاذ عماد عيساوي

التعليقات والردود

1
عمار
2026-02-27
الحضور الأجنبي في تونس لا يخرج عن كونه تاريخا أسود ظلاميا، المقال دقيق ومثير

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال