بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

عدوى التهارش السياسي في الديموقراطيات المعطلة

2024-12-15 1045 قراءة مقالات رأي د - المنجي الكعبي
تعيش‭ ‬فرنسا‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬نزاعات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬فصولها‭ ‬منذ‭ ‬أشهر‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وتحديدا‭ ‬منذ‭ ‬انبثاق‭ ‬نجم‭ ‬ماكرون‭ ‬على‭ ‬الرئاسة‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬السياسي‭ ‬التقليدي‭ ‬للأحزاب‭.‬

والخطأ‭ ‬ليس‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬الأحزاب‭ ‬القائمة‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬تهالك‭ ‬النسيج‭ ‬السياسي‭ ‬لعقود‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يتشرب‭ ‬بالكافي‭ ‬من‭ ‬تغيرات‭ ‬الأحوال‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ليستجيب‭ ‬للواقع‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬ديمقراطيا‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬انتخابات‭ ‬وأخرى‭. ‬فإصرار‭ ‬ماكرون‭ ‬واليمين‭ ‬المنقسم‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬لحسابات‭ ‬مصلحية‭ ‬ضيقة‭ ‬وضعه‭ ‬في‭ ‬وضْع‭ ‬العربة‭ ‬أمام‭ ‬الحصان‭ ‬لا‭ ‬خلفه‭ ‬كما‭ ‬تقضي‭ ‬طبيعة‭ ‬الأشياء‭. ‬فلم‭ ‬يتحرك‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬الحل‭ ‬فجعل‭ ‬يتقلب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬وعلى‭ ‬ذلك‭ ‬دون‭ ‬نتيجة‭ ‬إلا‭ ‬كسب‭ ‬الوقت‭ ‬لإنهاء‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭ ‬بسلام‭ ‬أو‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر‭ ‬لسمعته‭ ‬كأسوأ‭ ‬رئيس‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الجمهورية‭ ‬الخامسة‭.‬

فبدل‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬باللعبة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬تبيّنتْ‭ ‬لكل‭ ‬ذي‭ ‬عينين‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬الأخيرة‭ ‬للتشريعية‭ ‬التي‭ ‬حلّ‭ ‬ما‭ ‬قبلها‭ ‬ليعود‭ ‬إلى‭ ‬المربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬انسداد‭ ‬الأفق‭. ‬فلسان‭ ‬ميشال‭ ‬بارنيه‭ ‬الوزير‭ ‬الأول‭ ‬المسقوط‭ ‬أخيرا‭ ‬لم‭ ‬يكفّ‭ ‬عن‭ ‬ترديد‭ ‬أنه‭ ‬أمام‭ ‬أزمة‭ ‬خطرة‭ ‬لا‭ ‬سابق‭ ‬لها‭ ‬وأنه‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬أن‭ ‬يصدّق‭ ‬أنه‭ ‬لثاني‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬تنصيبه‭ ‬بات‭ ‬أقرب‭ ‬للفشل‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬ولحظة‭ ‬لاحقة‭.‬

وخلَفُه‭ ‬الجديد‭ ‬فرنسوا‭ ‬بايرو‭ ‬لم‭ ‬يزد‭ ‬عليه‭ ‬إلا‭ ‬بأدبياته‭ ‬المعروفة‭ ‬بوصفه‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الشعب‭ ‬وبين‭ ‬حكامه‭ ‬بحائط‭ ‬زجاج،‭ ‬وتمثيله‭ ‬للصعوبات‭ ‬التي‭ ‬أمامنا‭ ‬بالهملايا‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬التزامه‭ ‬بعدم‭ ‬إخفاء‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬إهمال‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬ترك‭ ‬شيء‭ ‬جانبا‭! ‬فماذا‭ ‬بقي‭ ‬له‭ ‬كسياسي‭ ‬ليكافح‭ ‬خصومه‭ ‬ومنافسيه‭ ‬والمتزايدين‭ ‬عليه؟‭ ‬فهل‭ ‬قول‭ ‬الحق‭ ‬وغمس‭ ‬القلم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دواة‭ ‬هو‭ ‬المرتجى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حاكم‭ ‬لمرضاة‭ ‬الجميع؟‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬أخْذ‭ ‬الحق‭ ‬من‭ ‬الظالم‭ ‬للمظلوم‭ ‬والنّصَفة‭ ‬للمعتدى‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬المعتدين‭ ‬وإقامة‭ ‬العدل‭ ‬على‭ ‬الجميع‭. ‬وليس‭ ‬أمامه‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬غير‭ ‬مجتمع‭ ‬فاقد‭ ‬للصلة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬محكوميه،‭ ‬وليس‭ ‬غير‭ ‬تطبيق‭ ‬الإرادة‭ ‬التي‭ ‬عبّر‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬انتخاباته‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وهي‭ ‬الإذعان‭ ‬لواقع‭ ‬الأمر‭ ‬وتقليد‭ ‬السلطة‭ ‬لمن‭ ‬يتولاها‭ ‬ديمقراطيا‭ ‬لا‭ ‬مكارونيا‭ ‬كما‭ ‬يشاء‭ ‬سيده‭ ‬في‭ ‬الإيليزي‭. ‬لأن‭ ‬التجربة‭ ‬السابقة‭ ‬إذا‭ ‬تكررت‭ ‬زادت‭ ‬الطين‭ ‬بلة‭.‬وزادت‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي،‭ ‬لأن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬المعطّلة‭ ‬إذا‭ ‬عوّضت‭ ‬بالتوافُقْراطية‭ ‬المصطنعة‭ ‬بين‭ ‬الإيليزي‭ ‬وماتنيون‭ ‬لم‭ ‬تثمر‭ ‬إلا‭ ‬توقع‭ ‬الانقلاب‭ ‬عليهما‭ ‬دستوريا‭ ‬أو‭ ‬نابليونيا‭. ‬وفرنسا‭ ‬متعودة‭ ‬على‭ ‬الاثنين‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬ديمقراطيتها‭ ‬التي‭ ‬أكلت‭ ‬عليها‭ ‬الأحزاب‭ ‬وشربت‭ ‬مثالا‭ ‬يحتذى‭ ‬خارج‭ ‬المسدّس‭ ‬الأم‭ ‬والمستعمرات‭ ‬القديمة‭ ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬البحار‭ ‬المستقلة‭ ‬والتي‭ ‬في‭ ‬التبعية‭ ‬الفرنكوفونية‭.‬

ولأول‭ ‬مرة‭ ‬تجد‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬عِبْرتها‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭ ‬بفرنسا‭ ‬لأنها‭ ‬استطاعت‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭ ‬بالتجربة‭ ‬والخبرة‭ ‬تغيير‭ ‬أمرها‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أحسن‭ ‬وأقوم‭ ‬سبيلا‭. ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬شعوبَ‭ ‬المحاكاة‭ ‬والتقليد‭ ‬الأعمى‭ ‬للديمقراطية‭ ‬الأوروبية‭ ‬وهذا‭ ‬بعض‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬الاستعمار‭ ‬والتمسك‭ ‬بمقومات‭ ‬الاستقلال‭ ‬والذاتية‭ ‬الوطنية‭.‬

لقد‭ ‬تنازل‭ ‬بايرو‭ ‬في‭ ‬الرئاسية‭ ‬السابقة‭ ‬للانضمام‭ ‬كرئيس‭ ‬‭"‬الحركة‭ ‬الديمقراطية‭"‬‭ (‬حزبه‭ ‬MoDem‭) ‬لماكرون‭ ‬والآن‭ ‬كأن‭ ‬ماكرون‭ ‬‏أراد‭ ‬أن‭ ‬يردّ‭ ‬جميله‭. ‬وأنا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬كيف‭ ‬سيكون‭ ‬عند‭ ‬حسن‭ ‬ظن‭ ‬الفرنسيين‭ ‬به‭ ‬الذين‭ ‬يحترمون‭ ‬ماضيه‭ ‬ويقدرون‭ ‬شخصيته‭ ‬واستقامته‭ ‬الدينية‭ ‬والجمهورية‭ ‬‏ومواقفه‭ ‬الصائبة‭ ‬والمعتدلة‭ (‬أيام‭ ‬وزارته‭ ‬للتربية‭) ‬من‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسلمين‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ (‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬المنشور‭ ‬الشهير‭ ‬للسماح‭ ‬بحمل‭ ‬الحجاب‭ ‬في‭ ‬المعاهد‭ ‬والرموز‭ ‬الدينية‭ ‬لا‭ ‬التظاهر‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬التجمعات‭) ‬ولعله‭ ‬بهذا‭ ‬الاعتبار‭ ‬سيكون‭ ‬أكبر‭ ‬حليف‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬مهامه‭ ‬الدقيقة‭ ‬لمعالجة‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬السليم‭ ‬الذي‭ ‬حادت‭ ‬عنه‭ ‬الحكومات‭ ‬السابقة‭ ‬هو‭ ‬حزب‭ ‬فرنسا‭ ‬الأبية‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬جان‭ ‬لوك‭ ‬ميلونشون‭ ‬ويتزعم‭ ‬‭"‬الجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬الجديدة‭" ‬NFP‭ ‬للتقارب‭ ‬الضمني‭ ‬بين‭ ‬خطوط‭ ‬برنامجهم‭ ‬وبرنامجه‭ ‬أو‭ ‬عامة‭ ‬توجهاته‭ ‬المعروفة‭.‬

وأي‭ ‬تعطيل‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬بحجب‭ ‬الثقة‭ ‬منه‭ ‬سوف‭ ‬لا‭ ‬يزيده‭ ‬إلا‭ ‬رصيدا‭ ‬جديدا‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬به‭ ‬والشعبية‭ ‬في‭ ‬القاعدة‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬أصبح‭ ‬للمسلمين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬نصيب‭ ‬كبير‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬تنامي‭ ‬اللاسامية‭ ‬بسبب‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬ولا‭ ‬تزيده‭ ‬إلا‭ ‬وجاهة‭ ‬لدى‭ ‬الأحزاب‭ ‬أو‭ ‬التجمعات‭ ‬البرلمانية‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬ودعمته،‭ ‬وستكون‭ ‬حظوظه‭ ‬الرئاسية‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬إذا‭ ‬نجح‭ ‬أقوى‭ ‬وأقوى‭ ‬إزاء‭ ‬خصومه‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬والتوجه‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والديني‭ ‬خصوصا‭ ‬لحسن‭ ‬رأيه‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬غالبيتهم‭ ‬في‭ ‬نظره‭ ‬يميزون‭ ‬بين‭ ‬الواجب‭ ‬الديني‭ ‬وبين‭ ‬الواجب‭ ‬الجمهوري‭ ‬لأفرادهم‭ ‬وجماعتهم‭ ‬دون‭ ‬خلط‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬احترام‭ ‬الحرية‭ ‬واللائكية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

ولا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬خصمه‭ ‬في‭ ‬السياسيين‭ ‬هو‭ ‬ساركوزي‭ ‬لخلافه‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المعلم‭ ‬بالمدرسة‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬على‭ ‬القيم‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬الدين‭!‬

فهل‭ ‬نكون‭ ‬أمام‭ ‬انتهاء‭ ‬أزمة‭ ‬الإسلام‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬الموجهة‭ ‬لحربه‭ ‬‏وحجبه‭ ‬عن‭ ‬الجماهير‭ ‬المتعطشة‭ ‬لمباديه‭ ‬وقيمه‭ ‬الصحيحة؟‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أفرغت‭ ‬الفلسفات‭ ‬البراغماتية‭ ‬وأشباهها‭ ‬سمومها‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الغربي‭ ‬الأوروبي‭ ‬ولم‭ ‬تفرز‭ ‬إلا‭ ‬الجشع‭ ‬والحروب‭.‬

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال