و الآن ننتقل سريعا إلى المحور الثاني و الحديث فنيا عن التجربة :
يقول أستاذنا الدكتور الطاهر مكي في كتابه " الشعر العربي روائعه و مدخل لقراءته " الشعر الخالد حقا هو الذي يجد القارئ نفسه فيه ،و يراه تعبيرا عما يجول بخاطره من أفكار و ما يعتمل في أعماقه من أحاسيس ". انتهى
و شعر رفعت المرصفي من هذا النوع الذي تجد فيه شيئا من ذاتك و فيضا من عاطفتك و خفقات قلبك و شيئا من معاناة نفسك ، و كأنه يكتب ما يجول بنفسك ، و إبداع رفعت المرصفي لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى ما هو أعمق فهو في مجمل أعماله يعبر عن آلام و آمال المواطن العربي بل الإنسان بصفة عامة .
إن المتأمل في المنتج الشعري لرفعت المرصفي يجد أنه لا ينتمي إلى مذهب معين أو مدرسة شعرية بعينها فنتاجه الشعري يشهد بالتعددية المذهبية من رومانسية و كلاسيكية و واقعية و رمزية و سريانية .
و إذا ألقينا نظرة عروضية على شعر رفعت المرصفي فنجد أنه من عشاق بحر الكامل فهو من أكثر البحور التي نظم عليها قصائده هو و بحر المتدارك يأتي بعدهما في الترتيب البسيط ثم الرجز ثم المتقارب ثم الرمل ثم الوافر ، و هناك بعض البحور أهملها رفعت المرصفي منها بحر الطويل و الهزج و الخفيف و المديد و السريع و المنسرح .
و رفعت المرصفي لم يكن بدعا من الشعراء المحدثين في تفضيله لبحر الكامل لأنه من البحور التي يستمتع بها جمهور الشعر فتفعيلاته تروق و تطرب الأذن فعندما نقول : متكامل و جمال وجهك فاتن && متفاعلن متفاعلن متفاعلن .
و يقول الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه موسيقى الشعر " فإذا وصف القدماء بحر الرجز بأنه مطية الشعراء ، يمكننا الآن و نحن مطمئنون أن نصف الكامل بأنه مطية الشعراء المحدثين " .
مجمل أعمال رفعت المر صفي تتوزع بين الاتجاه الوجداني و الاتجاه الوطني و القومي و الاتجاه الإسلامي ، و نجده الاتجاه الغالب عنده هو الكتابة بالفصحى و مع ذلك لم يهمل اللغة العامية بل كتب حوالي أربعة دواوين بالعامية كانت في غاية الروعة و الجمال و لا تقل عن جودته في الفصحى و هي ديوان زمان الطيبين و روايح من زمان الطيبين و لسه مستنيكي ، و فضفضة أخيرة للبحر ، و جمع رفعت المرصفي بين النوعين دليل على تحققه و تمكنه من أدواته و أنه يمتلك موهبة فذة .
و من الصعب أن نغوص في تجربة مثل تجربة رفعت المرصفي على امتدادها زمنيا و عمقها فنيا ، فسأكتفي بإلقاء إشارات عابرة لعلها تبرز لنا شيئا ، فالديوان الأهم فنيا و الذي يعتبر نقلة نوعية في تجربة رفعت المرصفي هو ديوان للعشق رائحة البحر و هو ديوان صادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة أقليم القاهرة الكبرى فرع ثقافة القليوبية سنة 2003م
انتقل فيه رفعت المرصفي من القصيدة البيتية و قصيدة التفعيلة إلى الشعر الحر بقصيدة الومضة، و قصيدة الومضة هي قصيدة التكثيف الشديد و التلميح الأشد حيث تكون فيها مساحة المصرح به أقل بكثير من مساحة المسكوت عنه ، و تعتبر قصيدة الومضة قصيدة المثقفين ، و هي قصيدة النضج و اكتمال المعين الشعري لشاعرها ؛ لأن من يتصدى لكتابة هذه القصيدة يجب أن يتخرج أولا من كل المدارس الشعرية المختلفة قديمها و حديثها بدءا من مدرسة الشعر العمودي و حتى ما يسمى الآن بقصيدة النثر .
و يقول الدكتور محمد سيد إسماعيل : في هذا الديوان نجح رفعت المرصفي في تحقيق الوحدة الموضوعية ليس على مستوى القصيدة فحسب بل على مستوى الديوان بكامله ، و ذلك من خلال توظيفه لرمزية البحر فالديوان مقسم إلى مجموعتين كبيرتين : ( قصائد قصيرة إلى البحر ) و ( قصائد من البحر ) و القسم الأول ينتهي بثلاث قصائد مهداة إلى الدكتور أحمد زويل ، أما القسم الثاني فينتهي بقصيدة رثاء مهداة إلى روح الشاعر المرحوم عبد الهادي سرحان بعنوان مواراة يقول فيها :
قالوا لي.. أنك مت / قلت .. هراء
الموت لبعض الناس بقاء
لملمت نفسك كيف شئت
و وريت سهلا فاسترحت
و هذه القصيدة تشير إلى ملمح إنساني عميق في شخصية رفعت المرصفي يلمسه و يشعر به كل من يتعامل مع الشاعر و هو الوفاء
و بالعودة إلى للعشق رائحة البحر و تقسيم هذا الديوان يشير إلى أننا أمام تصميم دقيق لتوزيع القصائد و كأننا في رحلة لها بداية و لها نهاية بدأت بالتوجه إلى البحر و انتهت بالعودة منه . و لنأخذ نموذجا من هذا الديوان المهم
قبل البداية
أعترف الآن بأنك
كنت على حق
و بأن مبادئ سقراط
تاهت في الأرض
و بأن زمان المعجزة
الكبرى
لن يرجع ثانية قط
أعترف الآن بأنك ...
و بأني
لم نولد بعد
فهذه الدفقة مفعمة بالرمزية و التوظيف الدلالي للمفردات، فكلمة الأرض تؤكد معنى التيه و التوهان ، و كلمة سقراط ترمز إلى الحكمة و الفلسفة المتمثلة في بطل النص أو الشاعر .
لا يستطيع أن يتحدث أحد عن تجربة رفعت المرصفي دون أن يقف مشدوها و منتبها أمام هذا الديوان .
النموذج الآخر الذي أعتبره نموذجا لعمق ونضج التجربة الفنية عند رفعت المرصفي هو ديوان " هديل و أوجاع " و هو ديوان مهم بالنسبة لي لأنني شرفت بكتابة رؤية نقدية أولى لهذا الديوان ، و هي أولى للديوان و أولى لي أنا أيضا .
هذا الديوان يعتبر نموذجا لتجربة المرصفي ففي هذا الديوان تقريبا تناول فيه كل الموضوعات التي تناولها في تجربته كلها فنجد فيه شعر رثاء و حب و شعر وطني و شعر قومي عروبي و إسلامي و فيه شعر عمودي و فيه قصيدة الومضة و يظهر هذا جليا من عناوين قصائده التي سنذكرها بعد قليل
و بالنظر إلى ديوان هديل و أوجاع نلاحظ أنه مقسم إلى ثلاثة محاور ( هديل – أوجاع - دمعات )
المحور الأول الهديل : يضم اثنتي عشرة قصيدة : هديل – ليلاي قبسك قد أتاك بلا جواد – يا قلب لك العتبى – حنين – يا وجهها رفقا بالمشيب – ملامح أخرى للحلم – لا تخافي – أميرة القلب – يا أحلى من العيد – عمان جئنا – و عادت الكويت – يا سيد الأبطال .
المحور الثاني أوجاع : يضم خمس قصائد : غضب – جنون – عصفور – غربة – شوق .
المحور الثالث دمعات : يضم عشرين قصيدة بين دمعات خاصة و دمعات عامة وطنية و قومية و إسلامية : دمعة – عار – وجع – شمس – لا تسأليني عن الأوجاع – معذرة يا سوريا – معذرة يا غزة – استغاثة –– رسول الله معذرة – صديقية – عمرية – عثمانية – علوية - يا رب عبدك واقف بالباب - و غيرها .
و مع نموذج من هذا الديوان : يا رب عبدك واقف بالباب
يا رب عبدك واقف بالباب
و ذنوبه تكتال ملء كتاب
يا رب عبدك عائد من غربة
يرجو الدخول برحمة الوهاب
النفس خجلى و الحياء يلفها
و الروح تسبح في ربا التواب
هل غير بابك يا كريم يضمنا
فافتح لنا يا رب بالترحاب .
و مع نموذج آخر : حنين
يا قلب رغم عنادها ... نشتاق
و الشوق موج هادر حراق
النبض أوشك أن يجاهر باسمها
و الدمع خلف صموده رقراق
ما أروع الأحلام إن كانت بها
يشدو لها فوق المذاق مذاق
نستطيع أن نقول أن هذا الديوان كتالوج مصغر لتجربة رفعت المرصفي .
---------------
يتبع...
تجربة الشاعر المصري رفعت المرصفي و أثر صالونه الثقافي على الحياة الأدبية 2/3
2024-10-03
4300 قراءة
مقالات بحوث
طارق خفاجي
هذا المقال يعود تاريخه إلى أكثر من
سنة واحدة
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال