بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المستقبل السعيد

2024-08-29 1184 قراءة مقالات رأي د - المنجي الكعبي
من‭ ‬الملك‭ ‬الوراثي‭ ‬إلى‭ ‬الرئاسة‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬الجمهورية‭ ‬الحقيقية‏‭..‬

البورقيبية‭ ‬وحّدت‭ ‬تونس‭ ‬واستقلّ‭ ‬بها‭ ‬صاحبها‭ ‬عما‭ ‬دونها‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الماضي‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬حمى‭ ‬فرنسا‭ ‬والعالم‭ ‬الغربي‭ ‬الإمبريالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬بزعامته‭ ‬الفردية‭ ‬وإيديولوجيته‭ ‬القومية،‭ ‬مستغلا‭ ‬إلى‭ ‬الأقصى‭ ‬إرثها‭ ‬العربي‭ ‬الإسلامي‭ ‬لتوحيد‭ ‬القوم‭ ‬في‭ ‬شخصه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينمي‭ ‬ذاك‭ ‬الإرث‭ ‬إلا‭ ‬لخدمة‭ ‬نزوعه‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬باسمه‭ ‬وحده‭ ‬وللبورقيبيين‭ ‬من‭ ‬شاكلته‭ ‬ولو‭ ‬فنيت‭ ‬في‭ ‬حبّه‭ ‬دون‭ ‬الخالق‭ ‬ورسوله‭.‬

فأفرخ‭ ‬في‭ ‬الأوّل‭ ‬أحد‭ ‬بلدياته‭ ‬ليخلفه‭ ‬بالدستور‭ ‬حيا‭ ‬وميتا‭ ‬ثم‭ ‬نكث‭ ‬عنه‭ ‬‏إلى‭ ‬عسكري‭ ‬ينجيه‭ ‬في‭ ‬شيخوخته‭ ‬الممتدة‭ ‬بقوة‭ ‬العسكر‭ ‬والسلاح‭ ‬الأمني‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الانقلابيين‭ ‬القوميين‭ ‬والإسلاميين‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬عجزه‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬أدوات‭ ‬السلطة‭ ‬لقمعهم‭ ‬كالسابق‭ ‬فقلده‭ ‬إياها‭ ‬كأحد‭ ‬أبناء‭ ‬صنيعته‭ ‬من‭ ‬جنرالات‭ ‬فرنسا‭ ‬الحنيّة‭ ‬على‭ ‬ماضيها‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬تسميته‭ ‬أيام‭ ‬الكفاح‭ ‬الوطني‭ ‬بالفرنسي‭ ‬الكبير‭ ‬لخطه‭ ‬السياسي‭ ‬قبل‭ ‬الاستقلال‭ ‬وبعده‭ ‬ضد‭ ‬الخصوم‭ ‬القوميين‭ ‬والدينيين‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬الذين‭ ‬استصفاهم‭ ‬للفوز‭ ‬دونهم‭ ‬بمعركة‭ ‬التحرير‭ ‬وقلْب‭ ‬الملك‭ ‬الوراثي‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬العرش‭ ‬ليتقلد‭ ‬دون‭ ‬غيره‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬لفترة‭ ‬أولى‭ ‬ثم‭ ‬لتصبح‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‭ ‬دون‭ ‬منافس‭ ‬أو‭ ‬معارض‭ ‬إلا‭ ‬ظلّه‭. ‬

فأبطأت‭ ‬الثورة‭ ‬لتطيح‭ ‬بسليل‭ ‬البورقيبية‭ ‬الأول‭ ‬بسبب‭ ‬الحكم‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬عمّر‭ ‬فيه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشريتين،‭ ‬وتولّى‭ ‬الحكم‭ ‬بعده‭ ‬كالثأر‭ ‬منه‭ ‬سِنْخ‭ ‬متبقّ‭ ‬من‭ ‬المعارضين‭ ‬الإسلاميين‭ ‬الأقدمين‭ ‬لتخرج‭ ‬من‭ ‬أيديهم‭ ‬سريعا‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬والانتكاسات‭ ‬حتى‭ ‬سقطوا‭ ‬في‭ ‬جبّ‭ ‬عميق‭ ‬يوم‭ ‬أن‭ ‬قضى‭ ‬عليهم‭ ‬بالانفكاك‭ ‬عنهم‭ ‬البورقيبيّ‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬السلسلة‭ ‬الاستقلالية‭ ‬البورقيبية‭ ‬الذي‭ ‬افتك‭ ‬منهم‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬وفاته،‭ ‬فلم‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬انتقلت‭ ‬الدولة‭ ‬بعده‭ ‬إلى‭ ‬فردية‭ ‬مترشح‭ ‬وحيد‭ ‬مستقل‭ ‬غريب‭ ‬عن‭ ‬الأحزاب‭ ‬والماضي‭ ‬السياسي‭ ‬إلا‭ ‬نظريا‭ ‬فترنّحت‭ ‬الدولة‭ ‬تحت‭ ‬حكومته‭ ‬لتتولاها‭ ‬بورقيبية‭ ‬ثالثة‭ ‬كعارضة‭ ‬وقتية‭ ‬لم‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬انتقلت‭ ‬بعدها‭ ‬كالثأر‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬ابن‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬شيوخ‭ ‬القوميين‭ ‬القدماء‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬بورقيبة‭ ‬كالإسلاميين‭ ‬بعدهم‭.‬

فهل‭ ‬الدولة‭ ‬قد‭ ‬تحصّلت‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬أو‭ ‬تحصّنت‭ ‬بيد‭ ‬لن‭ ‬تلفت‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬صاحب‭ ‬ثأر‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬أقوى‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬باسم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وإرادة‭ ‬الشعب‭ ‬المعبر‭ ‬عنها‭ ‬بصناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬واحترام‭ ‬الدستور؟

أم‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬مراحل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬قطعها‭ ‬‏لتجاوز‭ ‬مخلفات‭ ‬الاستعمار‭ ‬ومُقَبّلات‭ ‬الاستقلال؟

كل‭ ‬الأمراض‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬الفاسد‭ ‬والعقد‭ ‬السياسية‭ ‬والانحرافات‭ ‬بمصالح‭ ‬الدولة‭ ‬لحساب‭ ‬المصلحة‭ ‬الخاصة‭ ‬والأنانيات‭ ‬الفردية‭ ‬أساسه‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬والأخلاق‭ ‬وحسن‭ ‬السلوك‭ ‬وفوق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الدين‭ ‬القويم،‭ ‬والدولة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يسودها‭ ‬العدل‭ ‬والنظام‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬لها‭ ‬قائمة‭ ‬ولا‭ ‬يدوم‭ ‬فيها‭ ‬عمران‭.‬

------
م‭ ‬ك

تونس‭ ‬في‭ ‬‮١٨‬‭ ‬صفر‭ ‬‮١٤٤٦‬‭ ‬ه‍‍‭ ‬‭/ ‬‮٢٤‬‭ ‬أغسطس‭ ‬آب‭ ‬‮٢٠٢٤‬م

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال