بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

نبوة (5): الإسلام يسود المشهد السياسي في فرنسا

2024-05-29 1379 قراءة مقالات رأي د - المنجي الكعبي
ما‭ ‬انفك‭ ‬السيد‭ ‬جوردان‭ ‬بارديلا‭ ‬القيادي‭ ‬الفرنسي‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ (‬التجمّع‭ ‬الوطني‭) ‬RN‭ ‬يهاجم‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬ويشملهم‭ ‬بالطرد‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬المهاجرين‭ ‬ويوصيهم‭ ‬وصية‭ ‬الغريم‭ ‬لغريمه‭ ‬ما‭ ‬داموا‭ ‬يختارون‭ ‬دينهم‭ ‬على‭ ‬الجمهورية‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يرحلوا‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬دينهم‭!‬

‏والغريب‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬بارديلا‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬أحد‭ ‬أبناء‭ ‬مهاجرين‭ ‬إيطاليين‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬شبابه‭ ‬الأول‭ ‬يرمي‭ ‬حزب‭ ‬لوبان‭ ‬الأب‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬بمعاداة‭ ‬اليهود‭ (‬باللاسامية‭) ‬ربما‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أصله‭. ‬

وتشاء‭ ‬الظروف‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬بشبه‭ ‬مصاهرة‭ ‬في‭ ‬عائلة‭ ‬لوبان‭ ‬تجعله‭ ‬مؤهلا‭ ‬أكثر‭ ‬لتولى‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يرميه‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬له‭ ‬شهير‭ - ‬كما‭ ‬قلنا‭ - ‬بمعاداة‭ ‬السامية‭ ‬وأصبح‭ ‬يتنصل‭ ‬منه‭ ‬بذكاء‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬المصاهرة‭ ‬العارضة‭ ‬مع‭ ‬حفيدة‭ ‬لوبان‭ ‬الجد‭ ‬ابنة‭ ‬أخت‭ ‬مارين‭ ‬الرئيسة‭ ‬للحزب‭ ‬والمرشحة‭ ‬المحتملة‭ ‬مقبلا‭ ‬للرئاسية‭ ‬القادمة‭. ‬

ولذلك‭ ‬انصب‭ ‬تركيزه‭ ‬في‭ ‬تصريحاته‭ ‬الجديدة‭ ‬بعد‭ ‬انضمامه‭ ‬لهذا‭ ‬الحزب‭ ‬ليوفّر‭ ‬له‭ ‬رافدا‭ ‬قويا‭ ‬بموالاة‭ ‬اليهود‭ ‬الفرنسيين،‭ ‬مكايدة‭ ‬للمسلمين‭ ‬والمهاجرين‭ ‬عامة‭ ‬الذين‭ ‬تستقطب‭ ‬أصواتهم‭ ‬عادة‭ ‬التيارات‭ ‬اليسارية‭ ‬واليمين‭ ‬المعتدل‭.‬

‏ويكون‭ ‬الحزب‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬حاول‭ ‬قبله‭ ‬استقطابه‭ ‬المترشح‭ ‬إيريك‭ ‬زمور‭ ‬اليهودي‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬السابقة‭ ‬بتعلة‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬تياره‭ ‬في‭ ‬معاداة‭ ‬المهاجرين‭ ‬والإسلام‭ ‬وتيار‭ ‬حزب‭ ‬لوبان‭ ‬المتخلص‭ ‬بقيادة‭ ‬رئيسته‭ ‬مارين‭ ‬لوبان‭ ‬من‭ ‬نزعته‭ ‬القديمة‭ ‬بمعاداة‭ ‬اليهود،‭ ‬ومضى‭ ‬زمور‭ ‬في‭ ‬التقرب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬تسليم‭ ‬قيادة‭ ‬حزبه‭ ‬الجديد‭ ‬‮«‬الاسترداد‮»‬‭(‬الريكونكيستن‭) ‬إلى‭ ‬السياسية‭ ‬المخضرمة‭ ‬ماريون‭ ‬ماريشال‭ ‬حفيدة‭ ‬لوبان‭ ‬الأب‭ ‬وخالة‭ ‬مارين‭ ‬لوبان‭. ‬فيكون‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ - ‬يا‭ ‬لسخرية‭ ‬القدر‭ - ‬قد‭ ‬قلب‭ ‬عداءه‭ ‬لليهود‭ ‬إلى‭ ‬عداء‭ ‬سافر‭ ‬للعرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬لأغراض‭ ‬انتخابية‭ ‬انتهازية‭. ‬

جوردان‭ ‬زعيمه‭ ‬الجديد‭ ‬ملفت‭ ‬بتعليقه‭ ‬أخيرا‭ ‬على‭ ‬لباس‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الإسلاميين‭ ‬كما‭ ‬ظهر‭ ‬به‭ ‬النجم‭ ‬الرياضي‭ ‬الجزائري‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬كريم‭ ‬بنزيما‭ ‬بأنه‭ ‬على‭ ‬أمثاله‭ ‬أن‭ ‬يرجعوا‭ ‬إلى‭ ‬بلدانهم‭ ‬الأصلية‭ ‬أولى‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬مضايقتنا‭ ‬بشريعتهم‭ ‬وحجابهم‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭!‬

فالمسلم‭ ‬الفرنسي‭ ‬لا‭ ‬يتخفى‭ ‬مثله‭ ‬عن‭ ‬هويته‭ ‬الأصلية‭ ‬‏كسائر‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬إيطاليا‭ ‬وبولونيا‭ ‬والمجر‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬شرقي‭ ‬أوروبا‭ ‬أيام‭ ‬النازية‭.‬

وملامح‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬اسمه‭ ‬تفضحه‭ ‬رغم‭ ‬تصحيفه‭ ‬فهو‭ ‬‮«‬برضاء‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬‏ومنه‭ ‬‮«‬برضه‮»‬‭ ‬و«برضك‮»‬‭ ‬في‭ ‬المصرية‭ (‬الضاد،‭ ‬المصريون‭ ‬ينطقونها‭ ‬كالدال‭ ‬المفخمة‭ ‬وهو‭ ‬النطق‭ ‬الفصيح‭) ‬أي‭ ‬برضاك‭ ‬في‭ ‬المحاورات‭ ‬الجارية‭ ‬بين‭ ‬اثنين‭ ‬مجاملة،‭ ‬كعطال‭ ‬‮«‬عطاء‭ ‬الله‭ ‬‏و«جاء‭ ‬به‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬ومنه‭ ‬ألكسندر‭ ‬بينالا‭ ‬الحارس‭ ‬الشخصي‭ ‬السابق‭ ‬لماكرون‭ ‬صاحب‭ ‬الفضيحة‭. ‬فبارديلا‭ ‬بنفس‭ ‬الوزن‭ ‬والمعنى‭ ‬مثله،‭ ‬‏لأن‭ ‬الله‭ ‬تضاف‭ ‬للاسم‭ ‬في‭ ‬اللقب‭ ‬‏‭ ‬عند‭ ‬اليهود‭ ‬وعند‭ ‬المسلمين‭. ‬واسمه‭ ‬على‭ ‬تهجئته‭ ‬بلغة‭ ‬الانتداب‭ ‬البريطاني‭ ‬هو‭ ‬نهر‭ ‬الأردن‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬المقدسة‭ ‬فلسطين‭.‬

‏والناخبون‭ ‬الفرنسيون‭ ‬المسلمون‭ ‬أو‭ ‬الموالون‭ ‬للمسلمين‭ ‬المنتصرون‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬المقبلة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬فاز‭ ‬بأصواتهم‭ ‬أمثال‭ ‬زمور‭ ‬أو‭ ‬مارين‭ ‬لوبان‭ ‬أو‭ ‬بارديلا‭ ‬‏فإن‭ ‬تصويتهم‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬مستقبلا‭ ‬لفائدة‭ ‬فرنسا‭ ‬المعادية‭ ‬لليهودية‭ ‬والصهيونية‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬فرنسا‭ ‬المؤمنة‭ ‬بأن‭ ‬الإسلام‭ ‬‏أفضل‭ ‬شريعة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتعايش‭ ‬تحت‭ ‬سقفها‭ ‬المسيحيون‭ ‬واليهود‭ ‬كأهل‭ ‬ذمة‭ ‬كسالف‭ ‬العهد‭ ‬في‭ ‬الأندلس،‭ ‬‏لأن‭ ‬الأمور‭ ‬إذا‭ ‬بلغت‭ ‬الحد‭ ‬انقلبت‭ ‬إلى‭ ‬الضد‭. ‬

فنبوّة‭ ‬الإسلام‭ ‬تقوى‭ ‬بالمحاربة‭ ‬وتتقدم‭ ‬بالجهاد‭.‬

‏نبوة‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحاضر‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬القريب‭ ‬بما‭ ‬واجه‭ ‬معتنقيه‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬الاستعمار‭ ‬والإمبريالية‭. ‬

فالديني‭ ‬أصبح‭ ‬يسود‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وتجد‭ ‬الطبقة‭ ‬المستنيرة‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬حلا‭ ‬لمشاكل‭ ‬المجتمع‭ ‬والأزمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬يتخبط‭ ‬فيها‭. ‬‏وسيؤرخ‭ ‬بالأفغاني‭ ‬وعبده‭ ‬وغيرهما‭ ‬من‭ ‬المصلحين‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬ولقاءاتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬والدينية‭ ‬والحضارية‭ ‬التي‭ ‬عقدوها‭ ‬مع‭ ‬نظرائهم‭ ‬وأقرانهم‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬النور‭ ‬والحرية‭ ‬على‭ ‬عهدهم‭ ‬رغم‭ ‬الاستعمار‭ ‬وظلاله‭ ‬الاستبدادية‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬والعالم‭ ‬عموما‭.‬

جوردان‭ ‬هذا‭ ‬المتقلّب‭ ‬كالمثري‭ ‬النبيل‭ ‬في‭ ‬رواية‭ (‬مسيو‭ ‬جوردان‭) ‬للكاتب‭ ‬الفرنسي‭ ‬الساخر‭ ‬موليير،‭ ‬ولا‭ ‬تنفعه‭ ‬الرُّفقة‭ ‬بالشقيقة‭ ‬الكبرى‭ ‬لماري‭ ‬لوبان‭ ‬لتحقيق‭ ‬توجّهه‭ ‬الجديد‭ ‬للحزب‭ ‬لدحر‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬فرنسا‭ ‬أكثر‭ ‬سماحة‭ ‬منه‭ ‬وتفتحا‭ ‬على‭ ‬الآخر‭. ‬فلا‭ ‬خاب‭ ‬سعيه‭ ! ‬ولا‭ ‬نبخل‭ ‬عليه‭ ‬بالدعاء‭ ‬لأن‭ ‬سعي‭ ‬أمثاله‭ ‬قبله‭ ‬كان‭ ‬مدحوراً‭.‬

بارديلا‭ ! ‬لا‭ ‬نبخل‭ ‬عليك‭ ‬بالدعاء‭ ‬لأنك‭ ‬ستُحيي‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬قومةَ‭ ‬التحدّي‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬بهكذا‭ ‬مواقف‭ ‬مترشحا‭ ‬للبرلمان‭ ‬الأوروبي‭.‬

------------------

تونس‭ ‬في‭ ‬‮٢٠‬‭ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬الحجة‭ ‬‮١٤٤٥‬‭ ‬ه‍‍‍‭ / ‬‮٢٨‬‭ ‬مايو‭ ‬‮٢٠٢٤‬م‭ ‬

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال