بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

البيروني والكلام المرذول أو البيروني على غير ما يفهم ويليق به تحت بعض الأقلام

2024-05-22 1389 قراءة مقالات فكر د - المنجي الكعبي
ليسمح‭ ‬لنا‭ ‬أبو‭ ‬الريحان‭ ‬باستعارة‭ ‬عنوان‭ ‬كتابه‭ ‬الأشهر‭ ‬‮«‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬للهند‭ ‬من‭ ‬مقولة‭ ‬مقبولة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬أو‭ ‬مرذولة‮»‬‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التعديل‭ ‬للغرض‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬عليه‭ ‬حاجتنا‭ ‬إليه‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الأقلام‭ ‬التونسية‭ ‬التي‭ ‬تناولته‭ ‬أخيرا‭ ‬بفهم‭ - ‬تعالى‭ ‬فهمه‭ - ‬يتنقّص‭ ‬منه‭ ‬غرورا‭ ‬بموقعها‭ ‬من‭ ‬علمه‭ ‬وبيانه‭ ‬وحيائه‭ ‬ولسانه‭.‬

‭(‬‮١‬‭)‬

أولا‭ ‬لماذا‭ ‬ونحن‭ ‬أمام‭ ‬كتاب‭ ‬ضخم‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬الهند‭ ‬الأشهر‭ ‬نفتقد‭ ‬كل‭ ‬حديث‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬الأرقام‭ ‬الهندية‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬باسمه‭ ‬وباسم‭ ‬الخوارزمي‭ ‬قبله‭ ‬وكلاهما‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬الإسلام‭. ‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬أشكالا‭ ‬رسومية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لغة‭ ‬بحسب‭ ‬عبقرية‭ ‬كل‭ ‬خط‭ ‬فيها،‭ ‬وكلها‭ ‬هندية‭ ‬الأصل‭ ‬والتي‭ ‬اشتهرت‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بالأرقام‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬ظهرت‭ ‬عندهم‭ ‬بالأندلس‭ ‬في‭ ‬رحلتها‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬الإسلام‭ ‬إلى‭ ‬غربه‭. ‬وبقيت‭ ‬باسم‭ ‬الأرقام‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬دخلت‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬تونس‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬صفتها‭ ‬العربية‭ (‬الهندية‭ ‬الأصل‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭) ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رسمها‭ ‬الفرنسي‭ (‬الأوروبي‭) ‬للرمزية‭ ‬وموافقتها‭ ‬حروف‭ ‬لغة‭ ‬الاحتلال‭ ‬السائدة‭.‬

فلما‭ ‬استقلت‭ ‬تونس‭ ‬واشتدت‭ ‬الدعوة‭ ‬للتعريب‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬الأرقام‭ ‬تنادت‭ ‬الأصوات‭ ‬الفرنكوفونية‭ ‬المعززة‭ ‬بالتأثير‭ ‬الاستعماري‭ ‬المتخلف‭ ‬في‭ ‬تسيير‭ ‬دواليب‭ ‬الإدارة‭ ‬إلى‭ ‬المغالطة‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بالمسمى‭ ‬الفرنسي‭ ‬للأرقام‭ ‬وإسقاط‭ ‬مقابلتها‭ ‬العربية‭ ‬المسماة‭ ‬عند‭ ‬الفرنسيين‭ ‬بالهندية‭ ‬بدعوى‭ ‬التونسة‭ ‬وهي‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬تبعية‭ ‬سابقة‭. ‬ففازوا‭ ‬باللفظ‭ ‬والكتابة‭ ‬للأرقام‭ (‬الفرنسية‭) ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭ ‬في‭ ‬مواجهتهم‭ ‬للعروبية‭ ‬والتعريب‭ ‬تحسبا‭ ‬للتيارات‭ ‬الوحدوية‭ ‬بالمشرق‭. ‬

فلا‭ ‬أدري‭ ‬لماذا‭ ‬أغفل‭ ‬صاحب‭ ‬كتاب‭ ‬البيروني‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬التعريب‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬حروف‭ ‬وأرقام‭. ‬ما‭ ‬دام‭ ‬نقح‭ ‬كتابه‭ ‬ليضيف‭ ‬إليه‭ ‬الأسف‭ ‬على‭ ‬تحطيم‭ ‬الإرهابيين‭ ‬لصنم‭ ‬باميان،‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬البيروني‭ ‬التي‭ ‬ذكرها؟‭ ‬وسنأتي‭ ‬اليها‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬نقطة‭ ‬من‭ ‬نقط‭ ‬ثلاث‭ ‬توقفنا‭ ‬عندها‭ ‬معه‭.‬



‭(‬‮٢‬‭)‬

القول‭ ‬المشهور‭ ‬المنسوب‭ ‬للبيروني‭: ‬لأهجى‭ ‬بالعربية‭ ‬أحب‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أمدح‭ ‬بالفارسية‭ ‬صيغته‭ ‬الواردة‭ ‬لفظا‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬نقلا‭ ‬من‭ ‬المصدر‭ : ‬‮«‬الهجو‭ ‬بالعربية‭ ‬أحبّ‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬المدح‭ ‬بالفارسية‭.‬‮»‬‭ ‬

والفرق‭ ‬بين‭ ‬التركيبين‭ ‬أوضح‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نتوهم‭ ‬فيه‭ ‬سوء‭ ‬تقدير‭ ‬صاحبه‭ ‬للغات‭ ‬حتى‭ ‬نتجنّد‭ ‬للدفاع‭ ‬عنها،‭ ‬بتعلة‭ ‬تجاوزه‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬تفضيل‭ ‬لغة‭ ‬على‭ ‬لغة‭.‬

فمن‭ ‬حق‭ ‬المتكلم‭ ‬أن‭ ‬يقدّم‭ ‬على‭ ‬لهجته‭ ‬الدارجة‭ ‬أو‭ ‬لغته‭ ‬الأم‭ ‬لغةَ‭ ‬دينه‭ ‬ونبيّها‭ ‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭. ‬ويقرّر‭ ‬بصورة‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬حلاوتها‭ ‬القرآنية‭ ‬في‭ ‬سمعه‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المفاضلة‭ ‬لا‭ ‬تقديم‭ ‬لغة‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬في‭ ‬المطلق‭ ‬وهو‭ ‬الأعرف‭ ‬بأنها‭ ‬كلها‭ ‬لغات‭ ‬بشرية‭ ‬إلا‭ ‬التي‭ ‬ميّزها‭ ‬الله‭ ‬بإعجازه‭ ‬تبقى‭ ‬الأفضل‭.‬

لا‭ ‬‏أن‭ ‬نقول‭ ‬لأن‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬عصره‭ ‬تقدّمت‭ ‬على‭ ‬غيرها‭ ‬بمصطلحات‭ ‬الحضارة‭ ‬أربعة‭ ‬قرون‭ ‬قبله‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬الإسلام،‭ ‬فنكون‭ ‬وإياه‭ ‬كحامل‭ ‬التمر‭ ‬إلى‭ ‬هجر‭.‬

وعيوب‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬عددها‭ ‬البيروني‭ ‬عرضا‭ ‬ليست‭ ‬عيوبا‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬عند‭ ‬الكاتبين‭ ‬والنساخ،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬منها‭ ‬لغة‭ ‬كالعربية‭ ‬تتميز‭ ‬بالإيجاز‭ ‬والاختصار،‭ ‬فتكون‭ ‬أصعب‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬القراء‭ ‬غير‭ ‬المتمكنين‭ ‬دون‭ ‬بعض‭. ‬والأخطاء‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اللغات‭ ‬ولا‭ ‬يعالجها‭ ‬إلا‭ ‬التصحيح‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المعارضة‭ ‬والمقابلة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اللغات،‭ ‬قالها‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬‏بوضوح‭ ‬فلا‭ ‬تخصيص‭ ‬لقوله‭ ‬بلغة‭ ‬دون‭ ‬لغة‭.‬

ويكاد‭ ‬يصدق‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تقرأ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفهم،‭ ‬إذ‭ ‬التهجّي‭ ‬الصحيح‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬القارئ‭ ‬ميزة‭ ‬لفهمها‭ ‬دون‭ ‬تعليم‭ ‬سابق‭ ‬وحصول‭ ‬ملكة‭ ‬كافية‭ ‬بالتلقين‭ ‬أو‭ ‬بالاصطناع‭. ‬

وشكواه‭ ‬مقصورة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬النساخ‭ ‬لأسماء‭ ‬الأدوية‭ ‬في‭ ‬اليونانية‭ ‬وفي‭ ‬علم‭ ‬الممالك‭ ‬والمسالك‭ ‬دون‭ ‬إعجام‭ ‬وحركات‭. ‬وليس‭ ‬في‭ ‬المطلق‭ ‬كما‭ ‬أدرجت‭ ‬في‭ ‬سياقه‭ ‬هذه‭ ‬المعايب‭ ‬للعربية،‭ ‬حتى‭ ‬تَقوّلنا‭ ‬عليه‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬هذه‭ ‬العيوب‭ ‬مبررات‭ ‬للانصراف‭ ‬إلى‭ ‬الفارسية،‭ ‬لمجرد‭ ‬قوله‭ ‬‮«‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نثق‭ ‬بها‭ ‬ولا‭ ‬نأمن‭ ‬التغاير‭ ‬في‭ ‬في‭ ‬نُسخها‮»‬‭. ‬ولذلك‭ ‬أوصى‭ ‬بالمقابلة‭ ‬بين‭ ‬المخطوطات‭ ‬المختلفة‭ ‬للتصحيح‭.‬

أما‭ ‬مفاضلته‭ ‬بين‭ ‬اللغتين‭ ‬العربية‭ ‬والفارسية‭ ‬في‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬‏فأنا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬دخيل‭ ‬ولها‭ ‬متكلف‭ ‬والهجو‭ ‬بالعربية‭ ‬أحبّ‭ ‬إلي‭ ‬من‭ ‬المدح‭ ‬بالفارسية‭ ‬وسيعرف‭ ‬مصداق‭ ‬قولي‭ ‬من‭ ‬تأمّل‭ ‬كتاب‭ ‬علم‭ ‬قد‭ ‬نقل‭ ‬إلى‭ ‬إلى‭ ‬الفارسية،‭ ‬قد‭ ‬ذهب‭ ‬رونقه‭ ‬وكسف‭ ‬باله‭ ‬وأسودّ‭ ‬وجهه‭ ‬وزال‭ ‬الانتفاع‭ ‬به‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬إلا‭ ‬للأخبار‭ ‬الكسروية‭ ‬والأسمار‭ ‬الليلية‭.‬‮»‬

هذا‭ ‬القول‭ ‬الذي‭ ‬تَلفّظه‭ ‬الباروني‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬بهذه‭ ‬الصيغة‭ ‬نقله‭ ‬بعضهم‭ ‬معدلا‭ ‬والله‭ ‬أعلم‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬نسخة‭ ‬وجده‭ ‬بصيغة‭ ‬المتكلم‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ (‬لأهجى‭ ‬بالعربية‭ ‬أحبّ‭ ‬إلي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أمدح‭ ‬بالفارسية‭). ‬والأمر‭ ‬مختلف‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭. ‬وما‭ ‬أظنه‭ ‬يخفى‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يقرر‭ ‬أمرا‭ ‬مثيرا‭ ‬للتنابز‭ ‬بين‭ ‬اللغات،‭ ‬وليس‭ ‬القصد‭ ‬برجل‭ ‬عالم‭ ‬مثله‭ ‬متعدد‭ ‬اللغات‭ ‬والثقافات‭ ‬الإثارة‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬موجه‭ ‬لبيان‭ ‬حظ‭ ‬اللغات‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬فن‭ ‬من‭ ‬الفنون‭ ‬أو‭ ‬اختصاص‭ ‬من‭ ‬الاختصاصات‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬تطورها،‭ ‬فهو‭ ‬يريد‭ ‬مطلق‭ ‬الهجو‭ ‬والمدح‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬التمثيل‭ ‬لأن‭ ‬أحدهما‭ ‬محبوب‭ ‬والآخر‭ ‬مذموم،‭ ‬بدليل‭ ‬ما‭ ‬نسبه‭ ‬للفارسية‭ ‬من‭ ‬تفرد‭ ‬بأشياء‭ ‬تصلح‭ ‬بها‭ ‬بمقابل‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬بما‭ ‬هي‭ ‬لغة‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس‭ ‬والحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أحقّ‭ ‬بأن‭ ‬يُعتنى‭ ‬بها‭ ‬وتفضّل‭ ‬على‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬اللغات‭ ‬التى‭ ‬أصبحت‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬ميادين‭ ‬أو‭ ‬فنون‭ ‬كما‭ ‬تقتصر‭ ‬اللغات‭ ‬الأم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أساطير‭ ‬وقصص‭ ‬شعبية‭ ‬من‭ ‬الفولكلور‭ ‬وما‭ ‬في‭ ‬معناه‭. ‬ولذلك‭ ‬جاءت‭ ‬كلمته‭ ‬لتمييز‭ ‬اللغة‭ ‬الفارسية‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬أخص‭ ‬بها‭ ‬كلغة‭ ‬دارجة‭. ‬

فالقصد‭ ‬هو‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬لغة‭ ‬لا‭ ‬الاستهانة‭ ‬بأحداهما‭ ‬دون‭ ‬الأخرى‭.‬

فكيف‭ ‬اتهامه‭ ‬بالقصد‭ ‬من‭ ‬الحطّ‭ ‬بمكانة‭ ‬اللغة‭ ‬الفارسية؟‭ ‬وهو‭ ‬يعلم‭ ‬أنها‭ ‬لغة‭ ‬في‭ ‬عصره‭ ‬وقبل‭ ‬عصره‭ ‬استوعبت‭ ‬نقل‭ ‬أمهات‭ ‬الكتب‭ ‬العربية‭ ‬إليها‭ ‬دون‭ ‬إخلال‭ ‬أو‭ ‬قصور‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬أحبّ‭ ‬أن‭ ‬يؤاخذه‭ ‬بذلك‭ ‬الأستاذ‭ ‬الشابي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ (‬الذي‭ ‬تناولناه‭ ‬بالنقد‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭) ‬بل‭ ‬ويتهمه‭ ‬بذلك‭ ‬حتى‭ ‬اعتبره‭ ‬تجاوز‭ ‬الحد‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬اللغة‭ ‬الفارسية‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يقصد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬التكافؤ‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬العربية،‭ ‬وهو‭ ‬صحيح‭ ‬يسوِّغه‭ ‬له،‭ ‬أما‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬أن‭ ‬الفارسية‭ ‬تصلح‭ ‬لشيء‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬دونه،‭ ‬فهذا‭ ‬رد‭ ‬قوله‭ ‬عليه‭ ‬باعتباره‭ ‬العارف‭ ‬بالفارسية‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬آدابها‭ ‬شعرا‭ ‬ونثرا‭.‬

بل‭ ‬ويسفّهه‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬إن‭ ‬النقل‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬الفارسية‭ ‬أي‭ ‬الترجمة‭ ‬يفقد‭ ‬الأصل‭ ‬رونقه‭ ‬ويذهب‭ ‬بنافعه‭.. ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لغة‭ ‬من‭ ‬ترجمة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬بذلك‭ ‬الجاحظ‭ ‬قديما‭.‬

‭(‬‮٣‬‭)‬

‭ ‬‏صنم‭ ‬الباميان

بعد‭ ‬وصف‭ ‬قصة‭ ‬بهذا‭ ‬الاسم‭ ‬للبيروني‭ ‬وما‭ ‬كتب‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬أشعار‭ ‬ونسج‭ ‬من‭ ‬خيال،‭ ‬وهما‭ ‬صنمان‭ ‬لرجل‭ ‬وامرأة‭ ‬من‭ ‬حجارة‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬الباميان‭ ‬يقول‭ ‬الشابي‭: ‬‮«‬وللأسف‭ ‬أن‭ ‬الإرهابيين‭ ‬قد‭ ‬حطموا‭ ‬هذين‭ ‬الصنمين‭ ‬باعتبارهما‭ ‬رمزا‭ ‬للكفر‭.‬

إنك‭ ‬تقول‭ ‬للأسف‭.. ‬حتى‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬حطم‭ ‬أصنام‭ ‬الكعبة‭ ‬للكفر‭ ! ‬فماذا‭ ‬تقول؟وتنسى‭ ‬تشهيرا‭ ‬منهم‭ ‬بما‭ ‬تفعله‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬ضد‭ ‬حركة‭ ‬المقاومة‭ ‬الإسلامية‭ ‬طالبان‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقاوم‭ ‬باسم‭ ‬الجهاد‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬بعد‭ ‬السوفياتي‭ ‬لبلادهم‭ ‬طيلة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬السنين‭. ‬

ويظهر‭ ‬أنه،‭ ‬أي‭ ‬هذا‭ ‬الأسف‭ ‬مما‭ ‬أضافه‭ ‬لكتابه‭ ‬‏لأنه‭ ‬يحكي‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬أنه‭ ‬كتبه‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬‮١٩٥٨‬وتحطيم‭ ‬البرجين‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬متأخر‭.‬

‭(‬‮٤‬‭)‬

واجب‭ ‬الحياء‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬العلماء‭ ‬والعموم‭.‬

فما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬المعاجم‭ ‬المتخصصة‭ ‬والقواميس‭ ‬من‭ ‬الإقذاع‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬الإحالة‭ ‬إليه‭ ‬دون‭ ‬نقله‭ ‬بالحرف‭ ‬والصورة‭ ‬أفضل‭ ‬لأنه‭ ‬مخجل‭ ‬خارج‭ ‬سياقه‭ ‬أو‭ ‬مقل‭ ‬بحياء‭ ‬صاحبه،‭ ‬لأنه‭ ‬غادر‭ ‬سرّه‭ ‬وخصوصيته،‭ ‬وذكره‭ ‬خارج‭ ‬التدوين‭ ‬التاريخي،‭ ‬وهذا‭ ‬له‭ ‬أصحابه‭ ‬وكتبه‭ ‬فالإشارة‭ ‬إليه‭ ‬كافية‭.‬

وما‭ ‬دمت‭ ‬قلت‭ ‬‮«‬وحين‭ ‬يثار‭ ‬يطرح‭ ‬ثوب‭ ‬الحياء‭ ‬ويمعن‭ ‬في‭ ‬إقذاع‭ ‬عنيف‭ ‬لا‭ ‬يدعو‭ ‬الوقوف‭ ‬عنده‭ ‬إلا‭ ‬تسجيل‭ ‬لحالة‭ ‬من‭ ‬حالاته‭ ‬النفسية‭ ‬وليس‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬قطعته‭ ‬التي‭ ‬تتضمن‭ ‬هذا‭ ‬الإقذاع‭ ‬لشاعر‭ ‬اجتداه‭ ‬الوجهَ‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬قال‭ ‬ياقوت‭ ‬إنها‭ ‬من‭ ‬أقوم‭ ‬شعره‭: (...)‬‮»‬‭.‬

كان‭ ‬يفضل‭ ‬بك‭ ‬ألا‭ ‬تنقلها‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬كتابك‭. ‬وهي‭ ‬أبيات‭ ‬سبعة‭ ‬فيها‭ ‬ألفاظ‭ ‬يعفّ‭ ‬اللسان‭ ‬والقلم‭ ‬عن‭ ‬أقل‭ ‬قبح‭ ‬منها‭. ‬فاستغربنا‭ ‬أن‭ ‬تنقلها‭ ‬لنا‭ ‬وتعلق‭ ‬عليها‭ ‬بقول‭ ‬ياقوت‭ ‬في‭ ‬معجمه‭ ‬‮«‬بأنها‭ ‬من‭ ‬أقوم‭ ‬شعره‮»‬،‭ ‬فكنت‭ ‬تكتفي‭ ‬بالإحالة‭ ‬على‭ ‬المصدر‭ ‬لما‭ ‬بيناه‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ياقوت‭ ‬لا‭ ‬يقصد‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬بعينها‭ ‬وإنما‭ ‬يقصد‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬من‭ ‬مختارات‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬الرجل‭ ‬‏وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬السبعة،‭ ‬بدليل‭ ‬أنه‭ ‬ذكر‭ ‬بعدها‭ ‬مقطعات‭ ‬شعرية‭ ‬عديدة‭.‬

‏إذن،‭ ‬فلا‭ ‬يقصد‭ ‬ياقوت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أقوم‭ ‬شعره،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬ألفاظ‭ ‬قبيحة‭ ‬وإلا‭ ‬استغربنا‭ ‬ذوقه‭ ‬وتقديره‭ ‬للشعر‭ ‬‮«‬الجيد‭ ‬الحسن‮»‬‭ ‬كما‭ ‬وصف‭ ‬شعر‭ ‬البيروني‭ ‬عموما‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬كلامه‭.‬

فقد‭ ‬أورد‭ ‬ياقوت‭ ‬أشعارا‭ ‬للمترجم‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬أولها‭ ‬تلك‭ ‬الأبيات‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬قدّم‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الترجمة‭ ‬أشعارا‭ ‬له‭ ‬كثيرة‭ ‬رصينة‭ ‬وكأنه‭ ‬أخّر‭ ‬البقية‭ ‬لأهميتها‭ ‬القليلة‭.‬

وشكّنا‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬قول‭ ‬ياقوت‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الأبيات،‭ ‬أي‭ ‬وصفها‭ ‬بالأقوم‭ ‬من‭ ‬شعره،‭ ‬جعلنا‭ ‬نشكك‭ ‬في‭ ‬سلامة‭ ‬النقل‭ ‬من‭ ‬المصدر‭. ‬فرجعنا‭ ‬إليه‭ ‬وتحققنا‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬بيناها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬لنقف‭ ‬على‭ ‬سوء‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬إذا‭ ‬ادّعاه‭ ‬أو‭ ‬تعاطاه‭ ‬من‭ ‬يقلّ‭ ‬تمرّسه‭ ‬به‭. ‬

تونس‭ ‬في‭ ‬‮٤١ ‬من‭ ‬ذي‭ ‬الحجة‭ ‬‮ ‬ه‍‍‍‭ / ‬‮٢٢‬‭ ‬مايو‭ ‬‮٤٢٠٢

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال