بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المرحوم قاسم بوسنينة مثال نادر من الرجال المخلصين

2024-02-29 1225 قراءة مقالات رأي د - المنجي الكعبي
‏غيب‭ ‬الموت‭ ‬الصديق‭ ‬العزيز‭ ‬الاستاذ‭ ‬قاسم‭ ‬بو‭ ‬سنينة‭ ‬الذي‭ ‬تربطني‭ ‬به‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صداقة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬زميل‭ ‬دراسة‭ ‬بالشرق‭ ‬وبلبنان‭ ‬تحديدا‭ ‬وبالزيتونة‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬أصغر‭ ‬منه‭ ‬ببضع‭ ‬سنوات‭.. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬التقي‭ ‬به‭ ‬بعد‭ ‬عودته‭ ‬من‭ ‬مهامه‭ ‬كسفير‭ ‬لتونس‭ ‬لدى‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬وأعود‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬فرنسا‭ ‬بشهادة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬السربون‭ ‬وقد‭ ‬استكملت‭ ‬شهاداتي‭ ‬الجامعية‭ ‬والانتداب‭ ‬برتبة‭ ‬أستاذ‭ ‬محاضر‭ ‬بالجامعة‭ ‬التونسية‭ ‬ثم‭ ‬نائب‭ ‬بمجلس‭ ‬الأمة‭ ‬فقويت‭ ‬لحمة‭ ‬التعارف‭ ‬بيننا‭ ‬في‭ ‬المسؤوليات‭ ‬التي‭ ‬اصبح‭ ‬يتقلدها‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬في‭ ‬ميدانه،‭ ‬وتمتنت‭ ‬هذه‭ ‬اللحمة‭ ‬وهذا‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬حتى‭ ‬تولى‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬التسعينيات‭ ‬بصفته‭ ‬برلماني‭ ‬سابق‭ ‬رئاسة‭ ‬جمعية‭ ‬البرلمانيين‭ ‬التونسيين‭ ‬التي‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الى‭ ‬آخر‭ ‬حياته‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬والتي‭ ‬كنت‭ ‬رئيس‭ ‬اللجنة‭ ‬‏الثقافية‭ ‬بها،‭ ‬ونظمت‭ ‬هذه‭ ‬الجمعية‭ ‬خلال‭ ‬مدته‭ ‬ندوات‭ ‬كثيرة‭ ‬دستورية‭ ‬وبرلمانية‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الوطنية‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬من‭ ‬يدعى‭ ‬لها‭ ‬للمحاضرة‭ ‬استاذ‭ ‬القانون‭ ‬الدستوري‭ ‬آنذاك‭ ‬الاستاذ‭ ‬قيس‭ ‬سعيد‭ ‬ومحاضرين‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬أحيانا‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬نشاطه‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬إشرافه‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬بناء‭ ‬جامع‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬انس‭ ‬المعروف‭ ‬أولا‭ ‬بجامع‭ ‬العابدين‭ ‬بقرطاج‭ ‬كممثل‭ ‬للطرف‭ ‬السعودي‭ ‬الممول‭ ‬للمشروع‭.. ‬

‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬فرصة‭ ‬مقال‭ ‬لي‭ ‬قرأه‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬وهو‭ ‬بالخارج‭ ‬أو‭ ‬بتونس‭ ‬إلا‭ ‬نوه‭ ‬به‭ ‬إلي‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬لقاء‭ ‬به‭ ‬بكل‭ ‬تقدير‭ ‬وثناء‭ ‬منفردا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الناس‭. ‬واذكر‭ ‬فضله‭ ‬في‭ ‬معاضدتي‭ ‬عند‭ ‬تأسيس‭ ‬جمعية‭ ‬قدماء‭ ‬الزيتونة‭ ‬التي‭ ‬ترأستها‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬انبعثاها‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬العلمية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المرموقة،‭ ‬وأصدرت‭ ‬مجلتها‭ ‬الشهرية‭ ‬‮«‬المرجع‮»‬‭ ‬التي‭ ‬سعيت‭ ‬للترخيص‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬مسؤوليتي‭ ‬والتي‭ ‬توقفت‭ ‬بعد‭ ‬عدة‭ ‬أعداد‭ ‬مدة‭ ‬عامين‭.‬

وكم‭ ‬كان‭ ‬يسعده‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬الواحدة‭ ‬من‭ ‬بناتي‭ ‬الأربع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تكريم‭ ‬للناجحين‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬النواب‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬السنوية‭ ‬تأخذ‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬الرئيس‭ ‬الشرفي‭ ‬لجمعية‭ ‬البرلمانيين‭ ‬التونسيين‭ ‬الجائزة‭ ‬الأولى‭ ‬للمكرمين‭ ‬في‭ ‬الحفل‭ ‬الذي‭ ‬يحرص‭ ‬أن‭ ‬يقام‭ ‬سنويا،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الحاضرين‭ ‬فوجئوا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬الأعوام‭ ‬ببناتي‭ ‬الأربع‭ ‬يحصدن‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الحفل‭ ‬الجوائز‭ ‬الأولى‭ ‬كل‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭ ‬الوطنية‭ ‬المناسبة‭ ‬لدرجتهن‭ ‬العلمية‭ ‬لذلك‭ ‬العام،‭ ‬السيزيام‭ ‬والبكالوريا‭ ‬والليسانس‭ ‬والدكتوراه‭. ‬ونحتفظ‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬العائلة‭ ‬بصوره‭ ‬التذكارية‭ ‬وهو‭ ‬يقدم‭ ‬هذه‭ ‬الجائزة‭. ‬

وهو‭ ‬شخصية‭ ‬نادرة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬البورقيبي‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬تقلد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرتبة‭ ‬سفير‭ ‬رغم‭ ‬مؤهلاته‭ ‬العالية‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬بورقيبة‭ ‬لا‭ ‬يعين‭ ‬في‭ ‬المناصب‭ ‬السامية‭ ‬كالحكومة‭ ‬المتخرجين‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬مثله‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬أفكارهم‭ ‬القومية‭ ‬الانقلابية،‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ولاؤه‭ ‬له‭. ‬ولذلك‭ ‬وجد‭ ‬حظه‭ ‬نسبيا‭ ‬بعد‭ ‬بورقيبة‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يراع‭ ‬له‭ ‬إخلاصه‭ ‬واستقامته‭ ‬وبقيت‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬حسرة‭ ‬أن‭ ‬يعفى‭ ‬ككاتب‭ ‬دولة‭ ‬لأشهر‭ ‬قليلة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستوفي‭ ‬السنتين‭ ‬اللتين‭ ‬تمنحانه‭ ‬تقاعدا‭ ‬مرموقا‭. ‬

رحم‭ ‬الرجل‭ ‬المثال‭ ‬للرجال‭ ‬المخلصين‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬قاسم‭ ‬بوسنينة‭.‬

-----------------------------------------
تونس‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬شعبان‭ ‬1445هـ‭/ ‬26‭ ‬فيفري‭ ‬2024‭ ‬م

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال