يبدأ الفرد حياته كائناً بسيطاً يماثل الحيوان في مستواه الذهني، ناظراً لاتجاه واحد. فمنهم من سرعان ما يحوّل وجهه مكتشفاً آفاقاً أخرى، ومنهم من هو دون ذلك، فيبقى على نفس الاتجاه، لا يغادره ولا يحاول أن يدير نظره وفهمه إلى زاوية أخرى
الفرد ذو البعد الواحد يعتقد أن الحقيقة هي ذلك الجزء الصغير من الواقع الذي يبدو له من زاوية نظره التي لا تتغير، بينما ذلك الموجود هو بعض الحقيقة فقط. لذلك، إن تحدّث بالغ، لأنه يجمع كل الممكنات فيما يعرفه ويعتقد أنه كل الحقيقة. وإن تحرّك، تنادى إلى الأطراف والأقصى، لأنه لا يعتقد بوجود احتمالات غير ما يعرف، ولا يمكنه مراعاة غير ما يفعل، لأنه لا يقرّ به ابتداءً
والفرد ذو البعد الواحد إن فضّل طرفاً أو شيئاً اعتقده جيداً في كل جوانبه، لا تشوبه شائبة. وإن رفض موضوعاً، جعله سيئاً في كل شيء، لا تناله ولا توجد به إمكانية إيجابية
---------
فهو يعتقد أن العدو، بل حتى الخصم، لا يمكن أن يقول كلاماً صحيحاً في أي موضوع، ولا يصح أن يصدر منه رأي أو أن يُسمع منه في أي فكرة
بينما الحقيقة أن عدوك يمكن أن يقول كلاماً سليماً، علينا النظر فيه والأخذ به في مواضيع غير المسألة التي تمثل موضوع تنازعنا معه.
وحسب الفرد ذي البعد الواحد، فإن الزعيم أو الشيخ لا يمكن أن يصدر منه إلا الخير والإيجابي عموماً، ولا يجب علينا ترك فعله أو مواقفه الفكرية والعملية. بينما الحقيقة أن هذا تصور غير سليم؛ فالزعيم أو الشيخ إن وافقته في رأي لا يعني ذلك أن باقي آرائه ستكون حتماً سليمة، وقد تتفق في مسألة ما مع خصمك ولا تتفق فيها مع زعيمك
والفرد ذو البعد الواحد، إن ذكرت له الأصحاب والصحبة، قال لك: لا توجد الصحبة إلا لدى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك هي الصحبة الصادقة (وقد قرأت هذا لبعضهم).
لماذا هذا النفي؟ كلها ممكنات وصحبات؛ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نوع من الصحبة، وصحبة الناس غيرهم نوع آخر من الصحبة، ووجود الأولى لا يلغي الثانية
وإن ذُكر أمامه الحب، انتفض وقال بحسم: لا يوجد حب إلا حب الله ورسوله، وقد يزيدها بعضهم حب الوالدين
لماذا هذا الحسم الأحادي؟ من أين لكم هذا؟ حب الله ورسوله نوع من الحب، وحب الوالدين نوع آخر من الحب، لكن يوجد أيضاً حب الرجل للمرأة، وحب المرأة للرجل، وقد ينتهي ذلك الحب بالزواج، وقد يبقى كَلَمًا في القلب، ثم يوجد حب الأبناء.
هي كلها ممكنات لا تلغي بعضها، ويمكن أن تتواجد كلها معاً متناغمة، من دون تدافع لدى نفس الشخص
والفرد ذو البعد الواحد، إن ذكرت له العمل، قال لك: العمل فقط هو ذلك الذي يقوم به الأوروبي، وقد يقول الياباني
ما هذا الفهم؟ نعم، ذلك عمل، لكن ما يقوم به الحرفي في تونس وغير تونس عمل أيضاً، وما يقوم به الفلاح في حقله بربوعنا عمل، وما تبذله امرأة بأحد الوهاد تجمع فتات الأرض عمل، وأي عمل.
-----------
لماذا هذا الإصرار على كون المعاني لا يمكن أن تكون إلا متغالبة، منفية لبعضها لدى نفس الشخص؟
الفرد ذو البعد الواحد يفترض أن الأمور تمضي بطريقة الضرب المنطقي الذي يقوم على الإلغاء؛ أي إن اجتمعت ممكنات متعددة يكون الحاصل دائماً واحداً فقط. بينما الحياة أوسع من هذا بكثير، وهي تعمل بنموذج الجمع المنطقي، أي التجميع. فحينما تكون العديد من الممكنات، يصبح الحاصل تعدداً يربط كل تلك الممكنات.
الفرد ذو البعد الواحد يضيّق مجال التصور والنظر العقلي لديه، ويجعل الاحتمالات العديدة واحدة فقط كل مرة، فينتهي به الحال إلى سلوكيات منحرفة في الواقع، مما نعرف وعدّدتُ بعضها سابقاً. وهذا يحدّ من فاعليته ويعطّلها على مستوى تغيير الواقع
الفرد ذو البُعْد الواحد لايَسْتوعب أنه يمكن أن تتّفق مع عدوّك وتختلف مع شيْخِك
2023-02-15
2723 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال