بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أركون ... التمهيد للردة العامة عن الإسلام

2008-04-05 9907 قراءة مختلفات د. خالد بن عبد الله المزيني
أركون ... التمهيد للردة العامة عن الإسلام
تفاجأت بإعلان المذيع السعودي: تركي الدخيل، بأنه سوف يستضيف هذا الأسبوع في برنامجه " إضاءات "، الدكتور ‏الجزائري المتفرنس " محمد أركون " ([1])، ومبعث الاستغراب أن هذا الرجل لا يملك أي مقوم من مقومات الفكر ‏الصحيح، بل ولا المحايد، وجميع إنتاجه الفكري يكاد يدور حول الدعوة إلى إسقاط قدسية القرآن الكريم !!‏
فهو أحد الجفاة الكبار المنادين بنبذ القرآن الكريم، كما نبذت أوروبا كتابها ظهرياً !!‏
هذا فضلاً عن كونه أحد الخونة لوطنه إبان الاستعمار الفرنسي، بشهادة معاصريه من الفرنسيين، أمثال روجيه غارودي.‏
وقد قمتُ منذ سنوات بدراسة حول إنتاج " أركون " فوجدتُ أنه لا يعدو أن يكون زنديقاً كبيراً، إلا أن الفرق بينه وبين غيره ‏أنه يصرح بزندقته، في حين يلمح إليها أصحابه !!‏
وأنوِّه إلى الدراسة المركَّزة التي أجراها أخونا الدكتور محمد بريش حول فكر أركون، وقام بتفنيد آرائه، وفضح عمالته، وقد ‏نشرت قديماً في مجلة الهدى المغربية، حتى إن أركون قام بمراسلة المجلة ليوقف نشرها للدراسة، ثم إنه انهزم حين دعي ‏إلى محاورة علمية مع الدكتور بريش، والوثائق حاضرة شاهدة، وأقترح على الدخيل أن يستضيف الدكتور بريش ليجلي ‏حقيقة المسألة.‏
وهذا ملخص لدعوة أركون إلى أَنْسَنَة القرآن الكريم، مع مناقشتها باختصار لا يخل بالمقصود:‏
‏ ‏

‏ دعوى " أَنْسَنَة " القرآن الكريم
‏ ‏
أ ـ تقرير الدعوى:‏
‏ يَقْصِد أركون وغيره بـ" الأَنْسَنَة "؛ ذلك الموقف الذي يقدِّس الإنسانَ لذاته، ويعتبره مركزَ الكون، ومحورَ القيم([2])، ‏ويفرِّقون بذلك بين " المركزيَّة الإنسانية "؛ و " المركزيَّة الإلهية "، ويرون أنَّ مشكلةَ المسلمين اليوم؛ هي في إيمانهم بأن ‏الإله هو مركز الكون، ومصدر التشريع ([3]) !!‏
وهؤلاء يدعون إلى اعتبار " القرآن الكريم " كتاباً إنسانياً، لا ربانياً، بمعنى أنْ تُنزعَ منه القداسة والإحكام([4])، وأن يكونَ ‏لكلِّ فردٍ حقُّ فهمِه وتفسيرِه؛ بحسب حاجاته الإنسانية، ومقتضيات أحواله، ومن ثم فلا يصح عند هؤلاء الاستناد إلى كتاب ‏الله الكريم في تقرير الفتاوي لعموم الأمة وخصوص الأفراد. ‏
يقول محمد أركون: " إن القرآن ليس إلا نصاً من جملة نصوصٍ أخرى، تحتوي على نفس مستوى التعقيد، والمعاني الفوّارة ‏الغزيرة: كالتوراة والإنجيل، والنصوص المؤسِّسَة للبوذية أو الهندوسية، وكلُّ نصٍّ تأسيسي من هذه النصوص الكبرى؛ ‏حَظِيَ بتوسعاتٍ تاريخيةٍ معينة، وقد يحظى بتوسعاتٍ أخرى في المستقبل "([5])اهـ، هذا مبلغ علمه في القرآن الكريم، أنه ‏يستوي والكتب المحرفة، أو تلك التي اكتتبها بشرٌ من البشر !!‏

ب ـ القائم بهذه الدعوى:‏
‏ لقد تورَّطَ في شَرَك هذه البدعةِ، أعني بدعة " الأنْسَنَة "؛ بعضُ المنتسبين إلى العروبة والإسلام، وكان الذي تولَّى كِبْرَها ‏محمد أركون([6])، فقد تبنى هذا الرجل الدعوة إلى " أَنْسَنَة القرآن الكريم "، وكتَبَ فيها عدة كتب، وأجهَدَ نفسَه في تقريرها ‏والمنافحَةِ عنها، إلا أنها بقِيَت قضية فلسفية غامضة، لم يستطع هو ولا رهْطُه من المتفلسفة الإنسانيين العرب([7]) أن ‏يقنعوا جمهور القراء بما يدَّعون، مثَلُهم في ذلك مَثَلُ المتفلسفة الوجوديين([8]) من العرب.‏

ج ـ استمداد هذه الدعوى:‏
يستمدُّ هؤلاء أفكارهم من الفلسفات المادية القديمة والحديثة، خاصة على مستوى المناهج، وطرائق البحث والتحليل([9])، ‏تلك المناهج التي تعلي من شأن الإنسان والمادة، مقابلَ سلطة الدين والوحي، و "الفلسفة الإنسانية" تشبه في أفكارها ‏وغموضها " الفلسفة الوجودية "، فكلاهما معادٍ للدين، منكرٌ للإله وللكتب والرسل في الجملة([10])، يقول أحد الوجوديين ‏العرب: " الينبوع الدافق الثرّ للوجود الحيّ هو دائماً الإنسان، والإنسان فحسب، وإن نسيَ هو أو تناسى هذا الأصل فانشقَّ ‏على نفسه، وفرض عنصراً من عناصره الوجودية على الآخر؛ حتى يجعل الصلة بينهما: صلة الخالق والمخلوق، والعابد ‏والمعبود "([11])اهـ، وهذه دهرية محضة.‏
ويستمدُّ أركون خاصَّةً في دعوته هذه من فلاسفةٍ أوروبيين شتى، خصوصاً أولئك الذين نصروا المذهب الإنساني؛ ودعوا ‏إليه، مثل " رينيه ديكارت " (1596ـ1650)، و " سبينوزا " (1632ـ1677م)، و " كانت " (172ـ1804م).‏
‏ ومعلومٌ أنّ هؤلاء كانت كتاباتهم ثورةً على دين محرَّف، وكنيسةٍ منحرفةٍ مستبدة، فجاء أركون ليجعل من فكره امتداداً لهذا ‏الاتجاه، ولكن المتفلسف هذه المرة؛ يثور على دينٍ صحيح؛ لا كنيسةَ فيه، وكتابٍ محفوظ؛ لا ريبَ فيه. ‏
كما أنه يستمدُّ أيضاً في دعواه هذه من كتابات بعض المستشرقين المعاصرين، الذين يضاهئون بقولتهم؛ قول الذين كفروا ‏من قبل([12]).‏
ويستلهم أركون ـ دائما ـ في دعوته إلى نزع القداسة عن القرآن الكريم، وخلعِها على الإنسان؛ تلك الصرخة الإلحادية التي ‏جاهر بها الفيلسوف الألماني " نيتشه " حين رفَعَ عقيرته قائلاً: " لقد مات الإله " !، وذلك إبَّانَ الثورة الصناعية في ‏أوربا([13]). ولا يعنينا هنا ما الذي كان يقصده " نيتشه " من أُغلوطته هذه؛ وإنما المهم أن " أركون " أراد أن يقول لأهل ‏الإسلام: يجب أن تتخلوا عن إيمانكم بالله وبكتابه لكي تتقدموا، كما أن الغرب استقل ركب الحضارة لما أن تخلى عن إيمانه ‏وأناجيله([14])، وهذا قياسٌ لا يصحُّ؛ إلا إذا صحَّ قياس اللبن على الخمر، وهيهات.‏
إذَن فمادة هذا الرجل خليطٌ من فلسفاتٍ مادية تُعلي من شأن المخلوق والمادة، وتغضُّ من شأن الخالق – جل في علاه – ‏والوحي المنزل.‏

د ـ مسوغات هذه الدعوى:‏
‏ أما المسوِّغات التي يستند إليها هؤلاء في دعوتهم, فهي الضعف الحضاري الذي يعاني منه العرب والمسلمون, وهم ‏يعزون ذلك إلى تمسك المسلمين " بتراثهم "، وتقديسهم للقرآن الكريم, ويقترحون عليهم إعادة النظر في هذه المسلَّمة, ‏ويطرح أركون السؤال الآتي: " من الذي لا يشعر اليوم بالحاجة الملحَّة لإعادة التفكير جذرياً بمسألة النزعة الإنسانية في ‏الوسط الإسلامي ؟ "([15])اهـ, والجواب: أنْ لا أحد, سوى أركون نفسه, وشرذمة قليلون ممن وافقه على هذه النحلة.‏
‏ ويرى " أركون " أن من أعظم أسباب تخلف المسلمين اليوم, عودتُهم إلى دينهم خلال أربعين سنةً مضت, ولا يُخفي خيبة ‏أمله في هذا الصدد, فقد كان يأمل أن يبتعد المسلمون عن دينهم, الذي هو في نظره لم يتعرض بعد للنقد المحايد !, ويقول: ‏إن " الدراسات القرآنية؛ تعاني من تأخرٍ كبيرٍ بالقياس إلى الدراسات التوراتية والإنجيلية, التي ينبغي أن نقارنها بها ‏باستمرار "([16])اهـ !!. ‏
‏ وبعد هذه الفرضية المتهافتة, الدالَّة على جهل " أركون " بدينه وكتابه, يبني عليها دعوى أوسع منها, فيقول: " وهذا التأخر ‏يعكس التفاوت التاريخي، بين المجتمعات الإسلامية, والمجتمعات الأوربية أو الغربية. فالقرآن لا يزال يلعب دور المرجعية ‏العليا المطلقة، في المجتمعات العربية والإسلامية. ولم تحلَّ محلّه أيّة مرجعيّة أخرى حتى الآن "، ثم يقول: " إنه المرجعية ‏المطلقة، التي تحدد للناس ما هو الصَّح، وما هو الخطأ, ما هو الحق, وما هو الشرعي, وما هو القانوني, وما هي القيمة, ‏الخ..."([17])اهـ !!. ‏
وهنا تبرز بعض مظاهر الزندقة، في هذا الغلو العلماني والغلواء المادية, التي يَتَبَطَّنُها هذا الرجل, فهو لا يكتفي بالمطالبة ‏بتنحية القرآن الكريم فحسب, بل يدعو إلى نزع القداسة منه, وإزالة الهيبة من نصه بالكامل, بل يتجرّأ على القول بأنّه: " ‏ينبغي أن ننظر إلى القرآن من خلال مقارنته مع الكتب المشابهة له في الثقافات الأخرى ـ أي التوراة والإنجيل ـ, فالمقارنة ‏هي أساس النظر والفهم "([18])اهـ !!.‏

‏ هـ ـ نقض الدعوى:‏
‏ بعد هذا العرض المجمل لموقف " أركون " من القرآن الكريم، يحسن أن أُقَرِّرَ الحقائق الآتية، نقضاً لهذه الدعوى: ‏
‏1ـ إنَّ تقديسَ المسلمين للقرآن الكريم من أصول دينهم، والفرق ـ عندهم ـ بينه وبين سائر الكلام؛ كالفرق بين الخالق ‏والمخلوق، إذ هم موقنون بصحة نسبته إلى علاّم الغيوب جل في علاه، تلقَّوه صحيحاً، خلفاً عن سلف، ونُقِلَ إليهم بالتواتر ‏التام، قرناً بعد قرنٍ، لا ينفرد بذلك جيلٌ عن جيل، وهم يرونه رسالة الله إلى الثقلين الإنس والجن، من صدر البعثة النبوية، ‏إلى آخر الزمان. ‏
وقد ذمَّ الله سبحانه من لا يقدر هذا القرآن قدره حين يتلى عليه، فقال تعالى: (( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ ‏مُّسْتَنفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ))([19])، وامتدح عبادَه المؤمنين بقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا ‏صُمَّاً وَعُمْيَاناً ))([20]). وهذا فيصلُ تفرقةٍ بين الإسلام والزندقة، وقد حَكَى الإجماعَ على كفر من استخفَّ بالقرآنِ؛ غيرُ ‏واحدٍ من أهل العلم، سواءٌ أعتقدَ الإهانةَ في قلبه أم لا([21]). ‏
وتشبيه " أركون " للقرآن بالتوراة والإنجيل المعاصرَين؛ دعوىً فَجَّة، ومغالطة غير مقبولة, فأي مقارنة بين كتاب سماوي ‏محفوظ, وكتب محرفة بشهادة النقد العلمي الرصين, لقد أزرى " أركون " بهذه المقولة بالمنصفين من المستشرقين, الذين ‏اعترفوا بسلامة القرآن من التحريف, وأشهَرَ بعضهم إسلامه, بعد ما تبين له الهدى، فقد شابه بهذا من قال الله تعالى عنهم: ‏‏(( فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ ))([22]).‏

‏2ـ إن هذا الموقف تجاه القرآن الكريم، نابعٌ من تعظيمهم للمتكلم به أولاً، وهو الله – عز وجل -، وبرهانٌ على محبتهم له، ‏واستجابة لأمره السامي، الوارد في قوله سبحانه: (( ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ))([23]). ‏
ومما لا شكَّ فيه أنَّ " كلَّ من أبغضَ شيئاً من نصوص الوحي؛ ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك، ومن أحبَّ نصوص ‏الوحي ففيه من وَلاية الله ورسوله بحسَب ذلك، وأصلُ العداوة البغض، كما أن أصلَ الولاية الحب "([24])، قال عبدالله بن ‏مسعود – رضي الله عنه -: " لا يَسألْ أحدُكم عن نفسه غيرَ القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض ‏القرآن فهو يبغض الله "([25])، وتأمَّلَ قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى ‏بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ )) ([26]).‏

‏3ـ إنَّ إنكار أركون وأضرابه للقرآن الكريم، والاستكبار عن الإذعان لحكمه، وجحد مكانته وحُرمته؛ لهو من عظائم ‏الذنوب، بل إنه ـ لعمرُ الله ـ معلومٌ كفر من قال بهذا القول بالضرورة من دين الإسلام، إذ جحد هذا الأصل العظيم من ‏أصول الإيمان، قال تعالى: (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ))([27])، وقال ‏تعالى: (( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ‏الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ))([28]). وإذا كان أئمة السلف قد أكفروا غلاةَ الجهمية، وهم لم يَبلُغوا هذا المبلغ، وإنما حوَّمُوا حوله، ‏وزعموا أنهم مقرّون به، بيدَ أنه عندهم مجرَّدُ أدلّةٍ لفظية، وظواهِر نقلية؛ لا تفيد علماً([29])، وأن العلمَ إنما يستفادُ من ‏مقدماتهم الفلسفية حسبُ، وقد نقل ابن القيم عن بعض رؤساء الجهمية([30]): " ليس شيءٌ أبغض لقولنا من القرآن، فأَقِرُّوا ‏به؛ ثم أَوِّلوه "([31])، كما نقل عن بشرٌ المريسي قوله: " إذا احتجوا عليكم بالقرآن؛ فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجوا ‏بالأخبار؛ فادفعوها بالتكذيب "([32]).‏

‏4ـ ثَمّة مشكله نفسية يعاني منها هؤلاء، بما فيهم " أركون " نفسه، أثَّرت على تفكيرهم ومناهجهم، تلك هي مشكلة الهزيمة ‏الداخلية أمام التفوق المادي الغربي، و " أركون " ذلك العربي المهاجر، الذي قَبِلَ الفرنسيون به أستاذاً في كبرى جامعات ‏فرنسا، وهي جامعة " السوربون "؛ يحاول أن يثبت للقوم أنه أكثر تحرراً منهم أنفسهم([33])، وربما شجعوه على ذلك ‏فزاد تمرُّداً، وحين كتبَ طرفاً من سيرته الذاتية، أَوردَ ما يكشف بعضَ جوانب المشكلة، فقال: " يقولون ـ أي الغربيين ـ لي ‏مستغربين أو مدهوشين: كيف يمكن لشخص مسلم مثلك أن يتحدث بهذه الطريقة ؟، ياله من شيءٍ رائعٍ وباعث للأمل؛ أن ‏نسمع مسلماً ليبراليّاً أو متحرراً مثلك !!، ولكن لا يمكن أن تحظى بصفة تمثيلية في بلادك، أو بين أبناء دينك، فخطابك ‏يمشي على عكس التيار، أو عكس الإسلام "([34])اهـ. وأحسب أن هذا القدر كافٍ في بيان حقيقة الرجل، الذي ما يزال ‏أعداء دينه يمدونه (( فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ ))([35]).‏
‏ وكيف يقدِّم شيئاً مذكوراً في حقل الإسلاميات، وهو يتحدث عنها كالأجنبي المغلوب، بحيث يغدو أسيراً لأفكار الغالب، ‏وهذه أولى مثارات الغلط لديه([36]). ‏

‏5ـ إنَّ من الجور في النظر أن يقارَن بين القرآن الكريم ـ كتاب الله المحفوظ ـ؛ وبين باقي الكتب السابقة، التي داخَلَها ‏التحريفُ والزيادة والنقصان، ولا يستقيم هذا مع تمام العلم والعدل، فأما مع الظلم والجهل فمتصوَّرٌ، بل هو واقعٌ، كما رأينا ‏في طريقة " أركون "، بل إنَّه ليمتنع مع تمام العلم والعدل أن يقف المرء من القرآن الكريم هذا الموقف الجافي المعانِد. ‏

‏6ـ ليس من ذنبٍ للإسلام في أن يكون أركون أحد الذين شرقوا بدين الإسلام، أو عمُوا عن نوره، يقول أبو العباس ابن تيمية ‏عن متأخري المتفلسفة: " وأما المتأخرون فهم لما ظهرت الملة الحنيفية الإبراهيمية التوحيدية، تارةً بنبوة عيسى – عليه ‏السلام - لمَّا ظهرت النصارى على مملكة الصابئين بأرض الشام ومصر والروم وغيرها، ثم بنبوة خاتم المرسلين – صلى ‏الله عليه وسلم -، وأظهر الله من نور النبوة شمساً طمَسَت ضوء الكواكب، وعاش السلف فيها برهةً طويلة، ثم خفي بعض ‏نور النبوة، فعُرِّبَ بعضُ كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند، في أثناء الدولة العباسية، ثم طُلِبَت كتبهم في دولة ‏المأمون من بلاد الروم، فَعُرِّبَت ودَرَسَها الناس، وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر، وكان أكثر ما ظهر من علومهم ‏الرياضية؛ كالحساب والهيئة أو الطبيعة كالطب أو المنطقية، فأما الإلهية فكلامهم فيها نزرٌ، وهو مع نزارته ليس غالبه ‏عندهم يقيناً، وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نوراً وهدى "([37])اهـ.‏

‏7ـ إنَّ زعم أركون بأن سبب ضعف المسلمين مادّيّاً و تقنياً هو تمسكُهم بالقرآن الكريم، وجعلُه مرجعيةً لهم، لا يمكن أن يقبله ‏عقل، ولا يتفق مع حقائق التاريخ، فقد كان المسلمون أقوى الأمم، وأعظمها حضارةً وعمراناً؛ لما كانوا مستمسكين بكتابهم، ‏فلما ضعف تمسكهم به، ضعفوا بقدر ذلك، وهذه الظاهرة ماثلة في أطوار الأمة كلها. ‏
‏ بل إنَّ أوربا ذاتها حرمت نور الإسلام، حين حيلَ بينها وبينه، وذلك لما طرقت أكفُّ الفاتحين المسلمين أبوابها، فقامت ‏الكنيسة بنصبِ محاكم التفتيش لإيقاف أسلمةِ أوربا، وكلَّفت الكتَّابَ بتشويه صورة الإسلام ونبيه – صلى الله عليه وسلم - ‏وكتابه، يقول المؤرِّخ البريطاني " ويلز " في كتابه " معالم تاريخ الإنسانية ": " ولو تهيأ لرجل ذي بصيرةٍ نفَّاذة؛ أن ينظر ‏إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر، فلعله كان يستنتج أنه لن تمضيَ إلا بضعة أجيال قليلة، لا يلبث بعدها العالم أجمع ‏أن يصبح مغولياً، وربما أصبح إسلامياً "([38])اهـ.‏

وخلاصة القول في فكر " أركون ", أنه لا يهتم بصحة نسبة القرآن الكريم إلى الله – عز وجل - من عدمها, وإنما الذي ‏يستهدفه, هو نزع القداسة والمرجعية منه, واعتباره نصاً حِكْميّاً, كسائر مقولات الحكماء، أو مأثورات القدماء. ‏
وقد سئل هذا الرجل مرةً: " هل أنت مستعدٌّ لأن تضع موضعَ الشك, ولو آيةً واحدةً من القرآن ؟ ", فجاء جوابُه برفض ‏الجواب بنعم، أو لا, بحجة أنَّ هذا منطقٌ قديم, وأنه لا يهتم بما إذا كانت تلك آية قرآنية أو لا, إذ المشكلة في نظره هي ‏مشكلة " التقديس " كما يعبِّر, وعندما تُحَلُّ هذه المشكلة, فإنه يرى أننا سوف " نكتشفُ أن مشاكلَ الصحة والموثوقية, أو ‏الاختراع والتحريف, الذي لحق بالنصوص؛ المتلقاة على أنها مقدسة, أقول ـ القائل أركون ـ: نكتشف بأن هذه المشاكل ‏ثانوية في الحقيقة. إن منطق الثالث المرفوع ـ منطق الصحة أو اللاصحة ـ يبدو عندئذٍ تافهاً لا قيمة له "([39])اهـ.‏
وهذه إحدى مظاهر الخلل والاضطراب المنهجي لدى أركون, فهو تارة يعتبر أن مشكلة المسلمين هي أنهم يعتمدون القرآن ‏مرجعاً لهم, بدون أن يقوموا بنقده تاريخياً, ثم لا يلبث أن يعود على كلامه بالنقض, ويَعُدُّ مسألة التوثيق التاريخي مسألة " ‏تافهة".‏



الهوامش:‏
‏([1]) محمد أركون: مؤرخ ومفكر علماني، جزائري الأصل، ولد عام 1928م؛ بالجزائر، ودرس بها، ثم أتمها في باريس ‏عام 1955م، حصل على الدكتوراه من جامعة " السوربون "، عام 1969م، وطبعت رسالته بعنوان " نزعة الأنسنة في ‏الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي "، تأثر بكتابات المستشرقين حول مصادر الشريعة، ويعمل حالياً رئيس قسم ‏الدراسات الإسلامية في الجامعة المذكورة، من مؤلفاته: " الفكر العربي "، و " الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد "، و " ‏تاريخية الفكر العربي الإسلامي "، و " من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ".‏
‏([2]) هذا الاتجاه انبعث من قلب الأكاديميات الغربية، وتتلمذ دعاتُه لكبار المستشرقين، وهؤلاء الدعاة رهطٌ ممن ينتسبون ‏إلى الإسلام، بيد أنهم يفكرون بعقل " غربي "، ويزنون بمعايير غربية، ويبحثون في أصول الشريعة ومصادرها، ‏مستضيئين بنار الفلسفات الغربية الوضعية.‏‎ ‎
‏([3]) انظر: نزعة الأنسنة في الفكر العربي؛ لمحمد أركون (10) .‏
‏([4]) الإحكام هنا بمعنى الثبات، وعدم القابلية للنسخ والتبديل، وهذا من معاني الإحكام، انظر القاموس المحيط، ‏للفيروزآبادي، مادة حكم (1416).‏
‏([5]) الفكر الأصولي؛ لمحمد أركون (36)، وقد تولى الردَّ على أطروحات هذا الرجل تفصيلاً: د. محمد بريش في سلسلة ‏مقالات نشرت على التوالي في مجلة الهدى المغربية، التي كانت تصدر بفاس قبل أن تتوقف عن الصدور، انظر الأعداد ‏‏(13 ـ19)، وذلك في المدة: من جمادى الأولى (1406هـ) إلى صفر (1409هـ).‏
‏([6]) تقدّم التعريف به آنفاً.‏
‏([7]) النزعة الإنسانية هي: اتجاه فكري عام، تشترك فيه العديد من المذاهب الفلسفية والأدبية والأخلاقية والعلمية، وقد ‏ظهرت هذه النزعة في شكلها المعاصر؛ في عصر النهضة الصناعية في أوربا، انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان ‏والمذاهب والأحزاب المعاصرة (2/809)، ومجلة عالم الفكر (2/ع 3).‏
‏([8]) الفلسفة الوجودية: فلسفة غربية حديثة، نشأت في أواخر القرن (19) الميلادي، وتستمد جذورها من الفلسفة اليونانية ‏القديمة، وتعني: أنَّ مركز الوجود هو الإنسان لا غير، وفي الغرب ـ حيث نشأت الوجودية ـ وجودية ملحدة، ترفض الإيمان ‏بوجود الخالق وتنكر الغيبيات، أو ما تسميه: الفلسفة الماورائية، وعلى رأس هذا المذهب الفيلسوفان الألمانيان مارتن هيدغر ‏ونيتشه، ووجودية تعتقد بحلول الخالق في شخص المسيح، وزعيم هذا المذهب الفيلسوف الدانماركي كيركغارد، انظر: ‏التيارات الكبرى للفكر الإنساني؛ د. حسين سبيتي (77ـ91)، دار المواسم، بيروت، ط أولى، 2002م.‏
‏([9]) انظر: ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر؛ د. الزواوي بغورة (67،66)، دار الطليعة، بيروت، ط أولى، ‏‏2001م.‏
‏([10]) قد يوجد في هؤلاء من يقرُّ ببعض أصول الدين، مع إنكاره بعضها الآخر، ولا جَرَمَ فهي مذاهب مخترعة، لا تستند ‏إلى قواعد محكَمَة.‏
‏([11]) الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، لعبد الرحمن بدوي (13)، دار القلم، بيروت، 1403هـ، ويقال إن عبد ‏الرحمن بدوي قد تابَ في آخر حياته، ونقض ما كان يقرره، وبخاصة أنه ألَّف كتاباً في الرد على شبهات المستشرقين حولَ ‏القرآن الكريم، أمثال مرجليوث وجولدتسيهر؛ الذين اختلقوا " الفرضيات والنظريات الزائفة الوهمية، ليستخلصوا منها ما ‏يشاءون من نتائج تجانب الصواب "، كما قال في صفحة (8) من كتابه الذي أسماه " دفاعٌ عن القرآن ضد منتقديه "، مكتبة ‏مدبولي الصغير، القاهرة، ط أولى، 1988م.‏
‏([12]) ومن هؤلاء الذين استقى منهم أركون:‏
‏1ـ جويل.ل.كريمر: وكتابه "الفلسفة الإنسانية في نهضة الإسلام، الانبعاث الثقافي أثناء العصر البويهي "، منشورات بريل، ‏ليدن، 1986م، بالإضافة إلى كتابه الآخر " الفلسفة في نهضة الإسلام، أبو سليمان السجستاني وحلقته العلمية "، بريل، ‏ليدن، 1986م.‏
‏2ـ إيفريت.ك.راوزين: " رأي فيلسوف مسلم في النفس ومصيرها، كتاب العامري ( الأمد على الأبد ) "، الجمعية الشرقية ‏الأمريكية، نيوهافن، 1988م.‏
‏3ـ جورج مقدسي: وكتابه "دور الفلسفة الإنسانية في الإسلام الكلاسيكي والغرب المسيحي "، مطبوعات جامعة أدنبرة، ‏‏1990م.‏
‏4ـ جوزيف فان إيس: وكتابه " اللاهوت والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في بدايات الإسلام ‏‏"، برهين، اكتملت أجزاؤه الستة في 1995م، وهو باللغة الألمانية. ‏
ولا ينفكُّ محمد أركون يتحدث عن مزايا هذا الكتاب الأخير وعظمته، وأهميته الحاسمة بالنسبة للدراسات العربية ‏والإسلامية، مما يكشف عن طبيعة المصادر التي يستقي منها فكرَه، انظر: نزعة الأنسنة؛ لمحمد أركون (6ـ7).‏
‏([13]) انظر: المرجع السابق (24-25). ‏
‏([14]) وقضيةُ العقل هنا؛ أن يقبل قياس العكس، فيقال: إذا كان ترك الدين الفاسد يدفع إلى التقدم، فإن ترك الدين الصحيح ‏يؤدي إلى التقهقر والتراجع.‏
‏([15]) نزعة الأنسنة؛ لمحمد أركون (8).‏
‏([16]) الفكر الأصولي؛ لمحمد أركون (22).‏
‏([17]) المرجع السابق.‏
‏([18]) المرجع السابق.‏
‏([19]) المدثر (49ـ51).‏
‏([20]) الفرقان (73).‏
‏([21]) انظر: الشفا؛ للقاضي عياض (2/1101)، وروضة الطالبين؛ للنووي (10/64). ‏
‏([22]) الفرقان (19).‏
‏([23]) الحج (32).‏
‏([24]) الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (3/1038) بتصرف يسير.‏
‏([25]) المرجع السابق.‏
‏([26]) الأنعام (112)، وانظر أيضاً: الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (3/1038).‏
‏([27]) فصلت (52).‏
‏([28]) الأحقاف (10).‏
‏([29]) الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (2/633).‏
‏([30]) ذكر ابن القيم أنه بشر المريسي أو غيره، أي: على الشك.‏
‏([31]) الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (3/1038) بتصرف يسير.‏
‏([32]) المرجع السابق، وقد بين أبو العباس ابن تيمية ـ رحمه الله ـ مبدأ التجهُّم ومنتهاه، فقال: " فهم يعرضون عن كتاب ‏الله في أول سلوكهم، ويعارضونه في منتهى سلوكهم "، [درء التعارض؛ لابن تيمية (10/316)]، قلت: وهذا مشاهد في ‏نتاج بعض متثقفة عصرنا.‏
‏([33]) وحال أركون في هذا؛ كحال كثيرٍ من المستغربين العرب، الذين فتنوا بالتقنية المادية للغرب، وأولعوا بغضارة ‏عيشه، فكتبوا متأثرين بهذه الصدمة الحضارية، وقد قال بعضهم : ( ما وضعتُ يدي في قصعة أحدٍ إلا ذللتُ له )، مجموع ‏الفتاوي، لابن تيمية (1/98)، بواسطة : النظائر، د. بكر أبو زيد (297).‏
‏([34]) قضايا في نقد العقل الديني؛ لمحمد أركون (22)، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط أولى، 1998م. ‏
‏([35]) الأعراف (202).‏
‏([36]) عقد العلامة ابن خلدون في "مقدمته" فصلاً فقال: " فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب ..."، وبين ‏وجه المغالطة النفسية في ذلك، فانظر: المقدمة؛ لابن خلدون (104).‏
‏([37]) مجموع الفتاوي؛ لابن تيمية (2/83).‏
‏([38]) معالم تاريخ الإنسانية؛ ويلز (3/966)، نقلاً عن: رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر؛ لمحمد قطب، دار الوطن، ‏الرياض، ط أولى، 1411هـ، (29).‏
‏([39]) الفكر الإسلامي؛ لمحمد أركون (57ـ 58) .‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال