بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التقرير الاستخباري الإسرائيلي السنوي... قراءة تحليلية

2008-03-24 9006 قراءة مختلفات هشام منور
التقرير الاستخباري الإسرائيلي السنوي... قراءة تحليلية
ما كان التقرير الاستخباري الإسرائيلي ليحظى بكل هذه الضجة الإعلامية، لولا توقيته المعتّم على نتائج عمليات جيش ‏الاحتلال في قطاع غزة منذ فترة وجيزة، فاللعب على وتر التهديدات الإستراتيجية المحدقة بالكيان الصهيوني، وحث حلفائه ‏الغربيين على التدخل، وتخفيف الضغط عن القيادة السياسية والعسكرية بعد هزائمها المتوالية على الجبهتين الشمالية (في ‏تموز 2006) والجنوبية مؤخراً، بات ورقة مستهلكة ومناورة مكشوفة حتى بالنسبة للمقربين من الكيان الغاصب.‏

اشتمل التقرير الاستخباري السنوي، الذي قدمه إلى الحكومة (الإسرائيلية) كل من جهاز الأمن العام (الشاباك)، وجهاز ‏المخابرات الخارجية (الموساد)، وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، رؤية أجهزة الاستخبارات الصهيونية لمجمل ‏التحديات والأزمات التي تشكل خطراً إستراتيجياً على الأمن القومي لدولة الكيان الصهيوني الغاصب. ‏

واللافت في توقيت تقديم التقرير الاستخباري تزامنه مع فشل آلة الحرب الصهيونية في تدمير صمود أهل غزة ومقاومتها ‏إبان الاجتياح الإسرائيلي الأخير الذي استهدف جباليا بوجه خاص، وقطاع غزة بأكمله بوجه عام. ‏

وفي الوقت الذي تشير فيه الأنباء إلى عقد هدنة (مؤقتة) بين فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة والجيش الصهيوني؛ ‏تمهيداً لترتيب تهدئة شاملة لكافة الملفات الأمنية والمعيشية لسكان القطاع، وفي ظل اعتراف صهيوني رسمي بفشل العملية ‏العسكرية الأخيرة في تحقيق أهدافها المتمثلة في إيقاف إطلاق الصواريخ على المستعمرات الصهيونية القريبة من قطاع ‏غزة، وضرب المقاومة الفلسطينية، وإنهاء الخطر الإستراتيجي الفلسطيني المتمثل في سيطرة (حماس) على كامل القطاع، ‏فإن التقرير الإسرائيلي، وفي نزعة تهدئة لجمهوره المحبط من عجز آلته الحربية عن تأمين الأمن والاستقرار له، يؤكد بأن ‏احتمال "اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة في 2008م ضئيل، إلا إذا تمّ المس بأماكن دينية، وخصوصاً بالمسجد الأقصى، أو ‏في حال اتسع حجم المسّ بالفلسطينيين وسقوط أعداد كبيرة من القتلى". بحسب تقديرات جهاز (الشاباك) الصهيوني. ‏

ولعل الإعلان عن ضعف احتمال اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة في أعقاب العلمية العسكرية الأخيرة، إنما هي رسالة ‏موجهة إلى الناخب الإسرائيلي، تطمئنه أنه لن تكون ردود مدوية أخرى (شبيهة بعملية القدس الأخيرة)، وبهذا يرسم ‏مستقبلاً (وردياً) عن طموحات وآمال الشعب الفلسطيني، عندما يدعي أنه يريد إجراء انتخابات عامة مبكرة للرئاسة ‏الفلسطينية وللمجلس التشريعي الفلسطيني، وأن الفلسطينيين قلقون من المشاكل الاقتصادية التي يواجهونها، وأنه ما زال ‏يثق بالرئيس الفلسطيني محمود عباس. ‏

لكن نزعة (التهدئة) المصطنعة عقب الفشل العسكري الذريع الأخير، وما كشف عنه من عجز خطير في القدرة العسكرية ‏والأمنية الإسرائيلية، لم يكن ليسمح للصهاينة بالاسترخاء والدعة، في ظل تركيز التقرير على قدرة المقاومة الفلسطينية ‏المتعاظمة على قصف المستعمرات الصهيونية بالصواريخ محلية الصنع، والتي اعترف التقرير باتساع مداها إلى أكثر من ‏‏17 كيلو متر، وأن (حماس) قد "استولت على مخزون الأسلحة وأرشيف المواد الاستخبارية التابعة للسلطة الفلسطينية في ‏قطاع غزة، وتزايد نشاطها في الضفة الغربية وخصوصاً في مدينتي نابلس وقلقيلية". ‏

وفيما يتعلق العلاقة مع سورية، أشار التقرير إلى إمكانية "إبعاد" سورية عن المحور الإيراني "الراديكالي" في المنطقة، ‏على حد تعبير التقرير، لكن الثمن بالنسبة "لإسرائيل" سيكون إعادة هضبة الجولان إلى سورية و إيجاد دعم أميركي ‏لسورية. وهو ما قلل التقرير، كعادته، من إمكانية حصوله في العام الحالي على أقل تقدير، دون أن يغفل التقرير تخويف ‏جمهوره الصهيوني من القدرات العسكرية (الصاروخية بالذات) للجيش السوري. ‏

واللافت في التقرير، توسع الجهات التي يعتبرها الكيان الصهيوني "عدواً" إستراتيجياً له، فحسب تقديرات كل من ‏‏(الموساد) و(أمان)، فإنه "توجد خمس جبهات عسكرية معادية (لإسرائيل) هي: سورية ولبنان وقطاع غزة وإيران وحركة ‏الجهاد العالمي (تنظيم القاعدة)". وانسياقاً مع المحور الأمريكي الذي يقود حملة دولية لمواجهة الطموحات النووية ‏الإيرانية، فإن التهديد الإستراتيجي المركزي على (إسرائيل) يكمن في (إيران)، وذلك لسببين هما: استمرار (إيران) في ‏تطوير برنامجها النووي، والدور المركزي لها "كزعيمة محور الشر". فضلاً عن مواصلتها تطوير صواريخ طويلة ‏المدى. ‏

وعليه، فإن الصراع الدائر حالياً في الشرق الأوسط، وفق الرؤية الإستراتيجية الصهيونية، هو صراع إقليمي بين "المحور ‏الراديكالي"، بزعامة إيران و"المحور المعتدل"، محذراً من نشاط تنظيم القاعدة في دول الشمال الإفريقي، وتغلل عناصر ‏من هذا التنظيم العالمي في قطاع غزة، الأمر الذي بات من وجهة نظرهم، يبرر ضرب عناصر المقاومة وتصفيتها بحجة ‏مقاومة تنظيم القاعدة وعناصره في قطاع غزة، مما يكسب الكيان المحتل تغطية دولية و"رضا" أمريكياً عن ضلوع ‏‏(إسرائيل) في حرب الرئيس بوش على "الإرهاب" حول العالم. ‏

ما كان التقرير الاستخباري الإسرائيلي ليحظى بكل هذه الضجة الإعلامية، لولا توقيته المعتّم على نتائج عمليات جيش ‏الاحتلال في قطاع غزة منذ فترة وجيزة، فاللعب على وتر التهديدات الإستراتيجية المحدقة بالكيان الصهيوني، وحث حلفائه ‏الغربيين على التدخل، وتخفيف الضغط عن القيادة السياسية والعسكرية بعد هزائمها المتوالية على الجبهتين الشمالية (في ‏تموز 2006) والجنوبية مؤخراً، بات ورقة مستهلكة ومناورة مكشوفة حتى بالنسبة للمقربين من الكيان الغاصب.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال