فالسيد الحبيب الصيد رئيس الحكومة، تمترس وراء الدستور، وهو الحق الذي اتبعه وتقيد به، ليمتنع عن تقديم استقالته مهما اشتدت الضغوط عليه ولم ير أن يقايض على خروجه لمصلحة شخصية أو بتعلة صحية، ولكنه فضل أن يلتزم بنص الدستور في عرض نيل ثقة المجلس النيابي لحكومته من جديد خروجاً من أزمة الحكومة الوطنية التي هو أول من يعلم أنها كانت نتاج مناورات حزبية وتصدعات سياسية في صفوف الموالاة والمعارضة، حتمت عليه أن يتماسك لتغليب المصلحة العامة على مصلحة الأحزاب التي لا ينتمي اليها أصلاً، والتي أدرك الجميع أنها تشتغل من ورائه لحساباتها السياسية الضيقة وإن تدثرت بالتوافقية والائتلاف البرلماني، الذي لا يكاد يلتئم حتى يتفكك.
ولذلك فلا حل للأزمة التي افتعلتها تلك الأحزاب التي شهدت اختلالات وصراعات داخلها انعكس على حكومته، إلا باقتضاء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، لإعادة الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات وإنتاج نظامي برلماني رئاسي تنفيذي صالح للبقاء ومقاوم للتحديات.
وربما يستفيد الجميع من إخفاقات مرحلة ما بعد الثورة الانتقالية أو التأسيسية أو التشريعية الحالية التي لم تكن الأمثل في نظامها الانتخابي من أجل إنتاج حكم قادر على رفع التحديات ومواجهة الصعوبات الاقتصادية والمالية بكفاءة عالية، وتضحيات تجنب الدولة مزيداً من المديونية والمآزق في تعاملها مع المشكلات الداخلية والخارجية.
وقد كنا نادينا باللجوء للانتخابات التشريعية المبكرة غداة ظهور النتائج المذهلة والمخيبة للآمال من الممارسات الديمقراطية غير السليمة والمأمونة العواقب في معظمها، التي طبعت التجربتين السابقتين بعد الثورة. ومنحت صورة مهتزة للدولة ومتزلزلة للمجتمع، وعشعش فيهما الفساد أكثر والانتهاكات للحقوق والحريات أكثر والاستهانة بدماء الشهداء وقلة الوفاء لتضحيات الأجيال أكثر فأكثر، وارتهان المستقبل لمغامرات المغامرين من سياسيين ومقامرين.
وقد مضى وقت أصبح فيه هذا النداء لانتخابات تشريعية مبكرة أوكد فأوكد. وما فكرة حكومة الوحدة الوطنية إلا إرهاص لتغييرات دستورية قد تكون لم تعد تتطلب الانتظار.