سقط العراق من قاموس و خريطة الدول العربية، هذا واقع الحال و هذا طبيعي نتيجة كل التحولات الدراماتيكية الموجعة التي تعرض إليها الجسم العربي ، و لان أبناء العراق مختلفون على كل شيء و من أجل لا شيء، فقد مكنوا هذه القيادات العميلة العربية من أسباب التنكر لصلاتهم بالعراق، و كما يحصل في فلسطين يحصل في العراق، لا أحد يتحدث عن فلسطين و لا أحد يتحدث عن العراق، و بمرور الوقت ستضيع الحدود المرسومة و تضيق دائرة الذكرى و يهجر الجميع كتب التاريخ و حكايا الشيوخ و عبر الماضي و عندها فقط تستسلم فلسطين إلى جلادها و يستسلم العراق إلى كراهية الصهاينة و أحقادهم التاريخية، هكذا فكر المحافظون الجدد منذ سنوات عديدة و هكذا يعود مشروع إسرائيل الكبرى إلى الوجود و هكذا ستصول خيول الصليبية الكبرى في شوارع بغداد و فلسطين و كثير من البلدان العربية، لا أحد يستبق الأحداث و لا أحد يسجل اعتراضا حتى من باب رفع العتب، أغلبيتهم باعت و قبضت و رحلت.
طبعا هناك في هذه المحميات العربية متفائلون بالقضية الفلسطينية إلى أبعد الحدود، تفاؤلهم دفعهم إلى الاعتقاد بأن تحرير فلسطين ممكن بالدعاء فقط، و هناك من يعتقد بأن تحرير فلسطين ممكن بسكاكين المطبخ و بكثير من الجرأة و رباطة الجأش عند مواجهة الجنود الصهاينة، لا أحد فكر من حكام العرب في معركة عسكرية مكتملة الأركان و التدبير، هم يكتفون بتقليد هذه الترهلات المترامية الشحوم من القيادات بعض النياشين عن مشاركتهم في معارك وهمية، و العراق الذي بات مشرعا على كل الاحتمالات لا أحد من حكام العرب يريد أن يعيد بناءه أو يساهم في ترميم معنوياته المنهارة أو يدعو مواطنيه إلى الكف عن الضرب في الميت، كل العاقين تجمعوا حول جثة العراق و كل الانتهازيين يقضمون ما استطاعوا من هذا الجسم المنهك المثخن بجراح السنوات العجاف التي تبعت سقوط بغداد سنة 2003، كل الحاقدين الصهاينة يجلسون اليوم في بيوت الأكراد الداعين للتفتيت و التقسيم، كل من له ثأر مع الماضي جاء للقصاص، كلهم لهم ثأر في العراق و لدى العراق، لا أحد من هؤلاء تسامح مع العراق، لا أحد يرغب في العفو عن العراق .
منذ ما بعد الغزو الأمريكي لم يتحرك العراق، اكتفى بالصمود تارة و بالانحناء للرياح المدمرة تواريخ أخرى، لم يزهر العلم و المعرفة في العراق، لم يتم تحصين القوة العسكرية العراقية، لم يتخرج علماء و لم تنتشر ثقافة العراق، و حتى كرة العراق التي كانت تجمع قلوب العرب من الشرق إلى الغرب تاهت في الزحام و في الفوضى العارمة و حمى الاغتيالات ، كلهم يسعون جاهدين إلى عدم التوافق مع أي مشروع وطني ينتشل العراق و يعيده إلى الخريطة العربية، و بين هذا و ذاك تظل الجامعة العربية نائمة في العسل و يظل الحكام العرب غائبين عن الساحة العراقية امتثالا لتعليمات الأسياد الصهاينة الأمريكان، جاءت التعليمات الأمريكية الصهيونية بترك العراق يموت موتا بطيئا، لا أحد مدعو للكشف عن حالة العراق و لا احد مخول بالشفاعة للعراق، في بغداد بقى لصوصها في مغارة على بابا أو ما سمي بالمنطقة الخضراء، أربعين حراميا يعيثون في مغارة على بابا، الشعب يتصارع مع الفقر، ثروات العراق نهبت و تنهب على يد الجماعات الإرهابية و بقايا المؤامرة على العراق، أجل لقد فقد الحكام العرب بوصلتهم بعد أن فقدوا العراق، أجل هم يتساءلون اليوم فعلا : أين يقع العراق .