و لمقدمي البرامج في تونس أسلوب فريد في إدارة النقاش فهم في بعض الأحيان لا يطرحون الأسئلة على ضيوفهم بل يكتفون بجملة إخبارية و ربما فقرة كاملة . لا أعرف لماذا لا يستعير الضيوف آنذاك مقولة سعيد صالح في مسرحية مدرسة المشاغبين حين صرخ في وجه أستاذته : ‘ فين السؤل ؟ أنا أحطّ إيدي عالسؤال تلائيني فُرِّيرَة ‘.
و هم أصحاب رأي و ليسو منظمين لسيرورة النقاش فقط و لا يجدون حرجا في التعير عن إمتعاضهم و فرحهم بل يصل بهم الأمر حد توبيخ الضيف في بعض الأحيان ، مع العلم أن أغلبهم يستحق التوبيخ .
المواضيع المطروحة هي في غاية الأهمية و هي تجيب عن كل تساؤلات المواطن حيث لا تخلو طاولة نقاش من الحديث عن ‘ التوافق’ . التوافق عندنا كلمة للسر و لكن لا أحد يعرف حول ماذا إختلف الجماعة ليتفقوا ؟ و هل فعلا هم مختلفون ؟ إنها مرادف لكلمة ‘ إقتسام’ . لا تستغربوا فحتى اللغة العربية أصبح لمصطلحاتها مدلولات أخرى بعد 14 جانفي : أن نتوافق يعني أن نقتسم السلطة لذلك كثيرا ما يشدد عليها الطرف السياسي الأضعف و ينفر منها القوي فهي مرادف عنده ل ‘التنازل’.
و الآن بعد الإنتخابات التشريعية أصيب إعلامنا بإسهال سياسي صاحبه هذيان حاد : ‘نتحالف..لانتحالف..لا..نتحالف’ و لن يتوقف هذا الهذيان قبل شهيرين من الآن أو قل بتعبير أدق لتخف وطأته قليلا...باختصار إعلامنا خاصة المرئي منه ( و هو الأكثر تأثيرا في الرأي العام ) بعيد كل البعد عن مشاغل الناس و عن النقاش الفكري العميق الذي يتمثّل أهمية الحدث الذي هز البلاد منذ 17 ديسمبر 2010 و غير وجه المنطقة برمتها من حيث المقدمين للمادة الإعلامية و المواضيع التي تطرحها و نوعية الضيوف . إنه إعلام الطبقات الحاكمة لتسطيح وعي الطبقات المحكومة . على الصحفيين الجادين و المنحازين لقضايا الشعب و هم موجودون خاصة بقطاع الصحافة المكتوبة أن يخترقوا الإعلام المرئي ليكون مرآة يرى فيها المجتمع قبحه دون مساحيق تجميل.