لكن ما يحبط أكثر من ذلك هو هذا الجرأة من قبل رموز الثورة المضادة الذين أصبحوا يصولون و يجولون في المنابر الإعلامية و يتحدثون عن العودة الوشيكة لمسرح الأحداث بل ذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك للتهديد بعدم الإعتراف بما تم إنجازه إلى حد الآن من إنتخابات و مجلس و تأسيسي و كتابة مسودة للدستور بعد 23 أكتوبر 2012 و هنا أتساءل من أين يأتي هؤلاء بكل هذه الوقاحة حتى يخاطبوننا بهذه الطريقة و على رؤوس الأشهاد و كأن شيء لم يكن و لم تقم ثورة ضدهم إن التفسير الوحيد لهذا الوضع أن الثورة فعلا بدأت تنحرف عن مسارها الطبيعي و هو القطع النهائي مع الماضي و القضاء المبرم على رموز العهد البائد الذين أخطأنا حين تسامحنا معهم في لحظة مسامحة علّهم يثوبوا إلى رشدهم لكن يبدو أنهم أخطر مما كنا نتوقع لذا و في هذا الوقت بالذات و بعد أن تركزت المؤسسات الشرعية التي إستأمنها الشعب على الثورة و حيث أنه لم يعد للشارع السلطة الثورية التي سلّمها لهذه المؤسسات فإنّه على هاته الأخيرة أن تكون أكثر جرأة و أن تبادر بإتخاذ القرارات المناسبة التي من شأنها المحافظة على الثورة و إلا فإننا سنضيع جميعا وسط زحام الأزلام و الفلول الذين أعادوا التموقع من جديد و هو في سباق مع الزمن لكسب مزيد من الوقت تحضيرا للإستحقاقات الوطنية القادمة.
عندما أشاهد واحد من بين أبرز رموز الماضي البائس يحاول أن يبرز نفسه كبديل حقيقي في هذه البلاد خصوصا و هو الذي جمع حوله شتات الذين أهلكوا الحرث و النسل من التجمعيين و اليساريين و رجال المال الفاسد و كل مشبوه في تونس أصاب أيضا بإحباط شديد و أصاب بألم شديد في قلبي نتيجة حالة الغيظ التي أجدها في نفسي على الحالة التي وصلت إليها تونس الثورة خاصة عندما أستمع لكلماته التي يستهزأ فيها بتضحيات الرجال و النساء الذين دفعوا حياتهم ثمنا في مقارعة الديكتاتورية حين كان هو و غيره من الجلادين و من المباركين و من الراكعين لذلك الفاسد الهالك بن علي فعندما يقول أن هذا الوقت ليس وقت التعويض لسجناء الرأي و هو الذي كان من بين جلاديهم ثم ترتفع أصوات القهقهات في القاعة على هذا الكلام فلا أسغرب ذلك من الذين لطالما ضحكوا على أهات و ألام الأخرين الذين كانت تسلخ جلودهم في مراكز الأمن في حين أن هؤلاء ينعمون بخيرات البلاد التي لازالت بادية للعيان على محيّا أغلبهم و من المؤكد أنها ستكون ذخرا لهم في ثورتهم المضادة أما عندما يتحدث هو و غيره عن مكاسب المرأة و عن الخوف على مكتسبات الحداثة في تونس فإني أصاب بنوبة هستيرية من الضحك على الحداثة فعن أي حداثة و عن أي مكتسبات يتحدثون؟ فهل يقصدون ألاف الأطفال مجهولي النسب أم عن ألاف حالات الإغتصاب أم عن التفكك الأسري الذي تعاني منه أغلب العائلات التونسية و هو ما أدى إلى إرتفاع مهول في نسب الطلاق أم تراهم يقصدون مئات الحالات من مرضى السيدا نتيجة ممارسة الفراحش بل لعلهم يشيرون إلى بيوت الدعارة و النساء التي تباع كالمتاع الرخيص إنها جميعا من مكاسب الحداثة التي جنتها تونس البورقيبية و تونس النوفمبرية فكيف نتصور أن مثل هذه الأكاذيب يمكن أن تنطلي علينا اليوم خصوصا و قد تحررت عقول نسائنا اللاتي لا نظنهم مغفلات حتى يصدقوا هذه الأراجيف لكن قد نجد بعض النسوة مثل اللاتي نشاهدهم في تلك الندوات البنفسجية يدافعن عن هذا الطرح و اللاتي لا نملك إلا أن نبارك لهن مكتسبات الحداثة فهنيئا لهم.
أختم بالتوجه بسؤال للحكومة أين المحاسبة التي وعدتمونا بها خلال الحملة الإنتخابية و لماذا لازلنا نرى كل المجرمين طلقاء حتى أضحى الواحد منّا يشك في نفسه و يقول ربما أكون أنا المجرم الذي عذّب و سرق و قتل و ساهم في قمع المتظاهرين إن أخطارا كثيرة تحدق بثورتنا التي نرى الكثيرين يتربصون بها في حين أن الحكومة لا تعمل بالسرعة المطلوبة و هذا البطئ قد يكلفنا غاليا في المستقبل فرجاء لا تخذلونا خاصة و أن أمالنا كانت كبيرة لكن بدأت تخفت شيئا فشيئا و ربّما أصبحنا محبطين و لا ننتظر كثيرا خاصة عندما نشاهد الواقع المعاش فلا تشمتي فينا أعداء الثورة يا حكومة الثورة.