و لا شك أن الصّهاينة قد شربوا نخب الحدث، بما أنّ تلك النتيجة تحمل فيما تحمل بقاء المنظومة السائدة في عهد مبارك، بخنوعها لهم، و تواطئها معهم في كلّ القضايا العربية و الإقليمية و الدّوليّة. فلا حاجة للإسرائيليين لتخصيص ميزانيّةٍ للجوسسة، و لا حاجة لهم لإرسال من يخدم لهم أجنداتهم هناك، فالنتيجة الدّيمقراطيّة للانتخابات تؤكّدُ أنّ كلّ مصريٍّ من أربعة، لا يُفكّرُ أصلا في إعادة توزيع الأوراق معهم. مع ما يُمثّلُه ذلك من مكسب جيوإستراتيجي لكلّ القوى العالميّة المنحازة لهم، و في مُقدّمتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة. و التي ستواصل حصد ما بذره لها الطّاغية.
لكن ما هو التّفسير الذي أجده يقنعني بحلول شفيق ثانيا؟
إنّ تركيبة المجتمع المصريّ يعتريها كثيرٌ من التناقضات الماديّة و الفكريّة و الاجتماعيّة، التي تتدخّل مباشرة في مسألة الوعي السّياسي و الاجتماعي العام. و بقدر ما يرجع بعض المحلّلين مفاجأة اختيار شفيق ثانيا إلى قلّة ذلك الوعي فإنّــي أرى أسبابا أخرى للظّاهرة، لعلّي ألخّصُها في قناعتي التّامّة في تدخّل الجيش و الشّرطة في عمليّة التّصويت، تدخّلا غير مُعلن. و في انغماس الإدارة المصريّة في الفساد درجةً لا يريد فيها الفاسدُ أن يكشفه أيّ تحوّل قد يعصف برأسه. و أخيرا في العدد الكبير للمجموعة الّتي أنتجها النّظام السّابق داخل المجتمع المصري.
فالجيش و ما يمثّله عددُه الكبير، لا يخلو من فاسدين تسلّقوا نظام مبارك للوصول إلى رتبٍ و مزايا قد يتفطّن لها المجتمع إذا تغيّرت المنظومة. و جهاز الشّرطة قد نخره الفساد و الظلم و الرشـــــــوة و خدمة النظام البائد حتى النّـــــخاع، و قد يُفتح تحقــيقٌ وطنيٌّ في خروقاته إذا تغــــــــيّرت المنظومة أيــــــضا. و ستخسر الجماعة المُتمعّشة من النّظام البائد مكانتها و العطايا التي كانت تُدرُّ عليها، إذا لم يتواصل نظام بعد الثّورة مع النّظام الذي سبقها. كما أنّ الإدارة في مستوياتها المختلفة تطوي بين جنباتها فاسدين، قد يكون بقاء شفيق استمرارَ مظلّةٍ كانت تُظلّهم بالمال و التّرقية و الجاه.
فإذا لم يُخوّل القانون الانتخابي التّصويتَ مباشرة لشريحة من هؤلاء بحكم وظيفتهم العسكرية أو الأمنيّة، فتأثيرهم على عائلاتهم سيكون حتما ذو نتيجة.
فهل سينتهي الحــــــال في الجولة الثانية بفارق طفيف بين المُرشّحَين؟ فيُقال أنّ مصرَ ثارت و ارتدّت؟ و يُقال أيضا أنّ الشّعب المصري هو الذي صنع جلاّده... و أنه يتوق للجَلد؟ و أنّه هو الذي بنى الصّرح الذي سيطّلع عليه واحد من الفلول - كما يسمّونه المصريّون - ليُكرّس المنظومة السّابقة؟
أم أنّ باقي المرشّحين، و خاصّة أبو الفتوح و صبّاحي سيُقدّمون مصلحة وطنهم على مصلحتهم الانتخابيّة؟
أترُك الإجابة على هذه الأسئلة للمستقبل ...فلعلّ قادمَ الأيّام سيكشف لنا ثبوت رؤية لهلالٍ ننتظره؟