فعلاقة المثقّف بالحاكم السّياسي في أيّام الدّيكتاتورية، طبَعها في غالبها التّواطؤ على الظّلم. و التّواطؤ هذا، ظاهرة اجتماعيّة نفسيّة في حدّ ذاته، مثل ما هو ظاهرة سلوكية فرديّة. لها تجلّياتٌ واضحة عديدة، تكشفها و تُعلن عنها. كما لها كذلك مخلّفات عديدة في المجتمع، تؤثّر سلبا في تقدّمه و حرّيته و تأصّله و انفتاحه. سواء في عصر التّواطؤ نفسه، أو في ما يتبعه من عصورٍ. حيث لا تلتئم جراحُها سريعا و تبقى آلامها لأجيال تقلّ أو تكثر حسب وتيرة الديناميّة السوسيولوجيّة الغالبة في ذاك المجتمع.
و إذا تناولنا مظاهر ذاك التّواطؤ، فيمكننا حصـرها في سلوكات و تصرّفات و إجراءات، تشترك كلّها على أنّ القيام بـــــها و تحقيقَها، يوجب تغييب الضّمير و لو لفترة. و ذلك قـياسا على معنى الحديــــــث الشريف:" لا يعصى المسلم ربّــــــه و هو مؤمن..." و التي يُمكن اختزالها في بعض التّجلّيّات...
فمن تلك التّجلّيّات، تلميع المثقّف صورة ذاك الحاكم المستبدّ بطرق فريدة و عديدة. فمرّة بإهدائه نجاحا من نجاحاته الجماهيريّة. و الزّعم بأنّ ذاك النّجاحُ إنّما هو نتيجة العناية الموصولة، و الرّعاية التّامة لفخامة الحاكم. و مرّة بالدّعاية المباشرة له و لسياسته الرّشيدة في المحافل العامّة داخل الوطن و خارجه. فتراه يعلّق صورته على صدره مثلا، أو يلتحف بشعار حزبه. و مرّة يكون مدح الحاكم أصلا هو موضوع إنتاجه الثّقافي. فيُسوّق الحاكم ذلك الظّهور خارجيّا و داخليّا على أنّه تعبير صريح لمساندة مكوّن هامّ من مكوّنات الشّعب إيّاه. و أيّ مكوّن؟ إنّه الشّريحة المتعلّمة المثقّفة في المجتمع، أي الشّريحة التي لها زادٌ معرفيٌّ يُمكّنها من التّمييز بين ما يُفيد المجتمع و ما يضرّه. و من التّمييز بين القائد النّاجح و القائد الفاشل... و لسان حال الحاكم يقول عندها: إذا كان المتنوّر بالعلم من شعبي يُساندني، فكيف بعوام الناس من ليس لهم علم؟
والمثقّف الذي أقصده هو صاحب الإنتاج الفكري و الإبداع المُميّز عن العادة. و هو بانخراطه الأعمى ذلك، في تجميل صورة المستبدّ، إنّما مثله مثل الاقتصاديّ و الرّياضيّ و الفنّان... يشتركون كلّهم في علاقة صامتة يقبض كلّ طرف فيها مقابل خدمته للطّرف الآخر في كنف الاصطفاف و النّظام، و تبادل الأدوار في بعض الأحيان.
و في وجه آخر لحقيـــــقة التواطؤ بين المثقّف و الدّيـــــكتاتور، ما يمـــكن وصفه بتطعيم الديكتاتور لفريق عمله بعناصر و شخصيّات من شريحة المثقّفين. فيكون المثقّف نفسه، عضوا في عصابته السيّاسيّة، فتُضرب هناك عصافير عديدة بحجرٍ واحد...
وإلى الجزء الثاني و الأخير غدا إن شاء الله.