بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: إيمان العماري

إيمان العماري باحثة في مرحلة الدكتوراه في كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس و كاتبة مهتمة بالأدب و الفلسفة و السياسة

من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط: عالم يعيد تشكيل موازين القوة… وأين تقف تونس؟

2026-10-11 25 قراءة مقالات رأي إيمان العماري
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لم يعد العالم يعيش مجرد سلسلة من الأزمات الإقليمية المتفرقة، بل يبدو أنه يمر بمرحلة أعمق من التحولات التي تعيد تشكيل موازين القوة، وتختبر قدرة النظام الدولي على احتواء الصراعات والحفاظ على السلم والأمن الدوليين. فمن الحرب الروسية الأوكرانية إلى تصاعد المواجهة في الشرق الأوسط، مرورًا بالتنافس بين القوى الكبرى على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية، تتشكل ملامح نظام دولي تتراجع فيه قدرة المؤسسات التقليدية على منع التصعيد، وتتزايد فيه أهمية القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

إن ما يجري اليوم لا يمكن فهمه من خلال النظر إلى كل صراع بصورة منفصلة، لأن الأزمات أصبحت مترابطة، وأضحى تأثيرها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول المتحاربة ليصل إلى أسواق الطاقة والغذاء، وحركة التجارة الدولية، واستقرار الاقتصادات، وحتى الخيارات الدبلوماسية للدول التي لا تشارك مباشرة في هذه المواجهات.

من الحرب الإقليمية إلى أزمة النظام الدولي

تظل الحرب الروسية الأوكرانية أحد أبرز مظاهر التحول في البيئة الأمنية الأوروبية والدولية. فاستمرار المواجهات العسكرية، واستهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية، وتزايد الاعتماد على الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية، كلها عوامل تؤكد أن الصراع لم يعد مقتصرًا على السيطرة على الأراضي، بل أصبح مرتبطًا أيضًا باستنزاف القدرات الاقتصادية والتكنولوجية، وإعادة رسم التوازنات الأمنية في أوروبا.

وفي هذا السياق، تتواصل المساعي الدبلوماسية بحثًا عن تسوية تنهي الحرب، في وقت تتباين فيه تصورات الأطراف المعنية بشأن شروط السلام والضمانات الأمنية ومستقبل العلاقات بين روسيا والدول الغربية. وقد حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في تصريحات نقلتها رويترز يوم 8 أكتوبر 2026، من خطورة حالة الجمود التي بلغتها الحرب، مشددًا على الحاجة إلى تسوية تفاوضية مستدامة.

وتكشف هذه الحرب عن معضلة أساسية في العلاقات الدولية المعاصرة: كيف يمكن التوفيق بين اعتبارات السيادة الوطنية ومتطلبات الأمن الجماعي، في ظل اختلاف تصورات الدول لمصالحها الاستراتيجية؟ كما تثير تساؤلات حول قدرة الأمم المتحدة على أداء دور أكثر فاعلية في تسوية النزاعات، عندما تكون القوى الكبرى نفسها أطرافًا مباشرة أو غير مباشرة في التنافس الدولي.

الشرق الأوسط… حين تصبح الجغرافيا أداة للصراع

في الشرق الأوسط، تتداخل الاعتبارات العسكرية والأمنية مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، لتجعل المنطقة إحدى أكثر ساحات التنافس الدولي تعقيدًا. فالصراع لا يتعلق فقط بتوازنات القوى الإقليمية، وإنما يمتد إلى أمن الطاقة، وحرية الملاحة، ومستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاسات ذلك على الدول العربية وعلى الاقتصاد العالمي.

ويبرز مضيق هرمز مثالًا واضحًا على الكيفية التي تتحول بها الجغرافيا إلى عنصر مؤثر في موازين القوة. فهذا الممر البحري ليس مجرد مساحة لعبور السفن وناقلات النفط، بل يمثل نقطة استراتيجية تتقاطع فيها المصالح التجارية والأمنية للدول المنتجة للطاقة والدول المستهلكة لها.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة، بما فيها تصاعد المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والتهديدات المتعلقة بحركة الملاحة، مدى هشاشة طرق الإمداد العالمية أمام التصعيد العسكري. ووفقًا لما أوردته رويترز في 8 أكتوبر 2026، ارتفعت المخاطر التي تواجه السفن العابرة للمضيق في ظل تهديدات إيرانية مرتبطة بالمسارات البحرية وتزايد الهجمات على الناقلات.

ولا تتوقف تداعيات هذه التطورات عند حدود الخليج. فاضطراب الملاحة البحرية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة أسعار الطاقة، وتعطيل سلاسل التوريد، بما ينعكس على الاقتصادات البعيدة جغرافيًا عن منطقة الصراع. وهنا تتجلى حقيقة أساسية في الاقتصاد السياسي الدولي: لم تعد المسافة الجغرافية ضمانة للحماية من الأزمات، لأن ترابط الأسواق يجعل الصراع المحلي قادرًا على إنتاج تداعيات عالمية.

القانون الدولي أمام اختبار المصداقية

في خضم هذه التحولات، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمستقبل القانون الدولي: هل ما زالت القواعد القانونية قادرة على تنظيم سلوك الدول والحد من استخدام القوة، أم أن الاعتبارات الاستراتيجية أصبحت تتقدم بصورة متزايدة على الالتزامات الدولية؟

إن ميثاق الأمم المتحدة يكرّس حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، مع مراعاة الاستثناءات التي يقرها القانون الدولي. كما تفرض قواعد القانون الدولي الإنساني التزامات واضحة على أطراف النزاعات المسلحة، خصوصًا فيما يتعلق بحماية المدنيين، واحترام مبدأي التمييز والتناسب، وضمان المعاملة الإنسانية للأشخاص المحميين.

غير أن التحدي لا يكمن في غياب القواعد القانونية بقدر ما يكمن في تفاوت القدرة على إنفاذها، وفي الصعوبات التي تواجه المؤسسات الدولية عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية للقوى المؤثرة مع متطلبات المساءلة واحترام الالتزامات القانونية.

ومن ثم، فإن أزمة النظام الدولي ليست أزمة موازين قوة فحسب، بل هي أيضًا أزمة ثقة في عدالة تطبيق القواعد الدولية وفعاليتها. فاستقرار العلاقات الدولية لا يمكن أن يقوم على الردع العسكري وحده، كما لا يمكن ضمانه من خلال الاتفاقات السياسية إذا لم تقترن بآليات رقابة ومساءلة واحترام متبادل للالتزامات.

تونس في عالم مضطرب: من التأثر بالأزمات إلى بناء الخيارات الاستراتيجية

بالنسبة إلى تونس، لا تمثل التحولات الدولية مجرد موضوع للمتابعة الإعلامية أو التحليل الأكاديمي، بل ترتبط بصورة مباشرة بأمنها الاقتصادي وخياراتها الدبلوماسية ومصالحها الاستراتيجية.

فالاقتصاد التونسي، الذي يعتمد بدرجة مهمة على واردات الطاقة وعلى المبادلات التجارية الخارجية، يتأثر بالتغيرات التي تعرفها الأسواق الدولية. وأي ارتفاع مستمر في أسعار المحروقات أو اضطراب في سلاسل الإمداد يمكن أن يزيد الضغط على المالية العمومية، ويؤثر في كلفة الإنتاج والنقل، وينعكس على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.

وقد نبّه المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، في تحليل نشرته وكالة تونس إفريقيا للأنباء في مارس 2026، إلى المخاطر التي تفرضها الحرب في الشرق الأوسط على التوازنات الاقتصادية التونسية، ولا سيما في ظل الاعتماد على واردات الطاقة. ويؤكد ذلك أن الأمن الاقتصادي أصبح جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن الوطني.

لكن التحدي التونسي لا يقتصر على إدارة التداعيات الاقتصادية للأزمات، بل يشمل أيضًا صياغة سياسة خارجية قادرة على حماية المصالح الوطنية في بيئة دولية متغيرة. ويتطلب ذلك تنويع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز العلاقات مع الفضاء المغاربي والعربي والإفريقي والأوروبي، وتطوير التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والتكنولوجيا، مع المحافظة على استقلالية القرار الوطني.

كما تتيح التحولات الدولية لتونس فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي في القضايا التي تتقاطع فيها مصالحها مع مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها التسوية السلمية للنزاعات، واحترام سيادة الدول، وحماية المدنيين، ودعم الحقوق المشروعة للشعوب. فالدبلوماسية الفاعلة لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على تجنب الأزمات، وإنما أيضًا بقدرتها على المشاركة في صياغة الحلول والدفاع عن مصالحها ضمن الأطر الإقليمية والدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في البحث الاستراتيجي، وتطوير الخبرة الدبلوماسية، وتعزيز القدرة على استشراف المخاطر، يمثل عناصر أساسية لبناء سياسة خارجية أكثر استعدادًا للتعامل مع عالم تتغير فيه التحالفات وتتداخل فيه الملفات الأمنية والاقتصادية.

نحو نظام دولي جديد أم استمرار التنافس القديم بأدوات مختلفة؟

إن تعدد الصراعات الراهنة لا يعني بالضرورة أن نظامًا دوليًا جديدًا قد اكتمل تشكّله، لكنه يكشف عن ضغوط متزايدة على الترتيبات التي حكمت العلاقات الدولية خلال العقود الماضية. فالتنافس بين القوى الكبرى، وصعود أهمية التكنولوجيا والموارد الاستراتيجية، وتزايد دور القوى الإقليمية، كلها مؤشرات على أن توزيع النفوذ الدولي أصبح موضوعًا مفتوحًا لإعادة التفاوض والمواجهة.

وفي المقابل، لا تزال الدول بحاجة إلى التعاون في ملفات لا تستطيع أي قوة منفردة معالجتها، مثل تغير المناخ، والأمن الغذائي، والأوبئة، والجرائم العابرة للحدود، وحماية طرق التجارة الدولية. وهو ما يجعل التعددية الدولية ضرورة عملية، حتى عندما تتراجع الثقة السياسية بين الدول.

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العالم يتغير، فالتغير بات واضحًا في طبيعة الصراعات وأدواتها، وإنما ما إذا كانت هذه التحولات ستقود إلى توازن دولي أكثر قدرة على احتواء النزاعات، أم إلى مرحلة تتسع فيها مناطق عدم الاستقرار وتتراجع فيها فاعلية القواعد المشتركة.

وبالنسبة إلى تونس، فإن التعامل مع هذا الواقع يقتضي تجاوز الاكتفاء بردود الفعل الظرفية، نحو بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى تربط بين الدبلوماسية والاقتصاد والأمن والتنمية. فالدول التي تستطيع فهم التحولات الدولية مبكرًا، وتقدير انعكاساتها، وتنويع خياراتها، تكون أقدر على حماية مصالحها في أوقات الاضطراب.

في النهاية، لا تُقاس مكانة الدول في النظام الدولي بحجمها الجغرافي أو العسكري وحده، بل أيضًا بقدرتها على قراءة موازين القوة، وتوظيف أدوات الديبلوماسية، وبناء الشراكات، والدفاع عن مصالحها ضمن إطار قانوني واضح. وفي عالم تتزايد فيه الصراعات وتتعقد فيه التحالفات، يصبح الوعي الاستراتيجي شرطًا أساسيًا لحماية السيادة الوطنية والمشاركة في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق