بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

بوبالة: آخر المراديين

2026-07-27 9 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تتحول السلطة حين تخلو من المؤسسة وتفتقر الى العقد السياسي الى مذبحة مؤجلة وهذا بالضبط ما اختصرته إيالة تونس في القرن السابع عشر وهي تنتقل من صخب الوجق وعنجهية الدايات الانكشارية الى حريم البايليك الوراثية
التي غرس بذرته الكورسيكي مراد باي الأول عام 1628.
لم يكن هذا التحول المؤسساتي مجرد تغيير في تقنيات الجباية أو إدارة المحلة العسكرية بل كان زلزالا هيكليا أخرج باردو من ظلال إسطنبول الرسمية ليضعها في أتون حروب أصلية.
ترعرت الدولة المرادية في أحضان القوة العسكرية التي
بدأها مراد الأول وتثبتت أركانها مع حمودة باشا بين 1631 و1662 ثم تجذرت مع مراد الثاني بين 1662 و1675
غير أن هذا البناء السلالي سرعان ما انهار تحت ثقل تناقضاته الداخلية.
أفرز غياب التحديد الدستوري لخلافة العرش حرب الخلافة المرادية بين عامي 1675 و1686 وهي المواجهة الدموية التي دارت رحاها بين أبناء مراد الثاني وهم محمد الثاني وعلي الأول ورمضان.
لم تكن تلك الحروب مجرد صراع أسرية عابرة على الغنائم بل كانت تفتيتا منهجيا للنسيج الاجتماعي واستنزافا خزائنائيا قسريا فتح الباب واسعا أمام مخالب إيالة الجزائر لتتدخل مباشرة في الشأن التونسي وتفرض وصايتها العسكرية ليتحول الاغتيال السياسي والدم المراق الى الوسيلة الوحيدة للوصول الى عرش باردو.
في هذا القفر السياسي الشديد العفن والدموية صعد رمضان باي المرادي الى العرش عام 1696 عقب وفاة أخيه محمد الثاني. كان رمضان حاكما واهنا زاهدا في أثقال تدبير الدولة يميل الى حياة الملذات والانعزال تاركا المقاليد الفعلية لمملوكه النابولي المبتذل مزهود وهو عازف موسيقى فار من إيطاليا تحول بقدرة القهر السياسي الى المدبر الأول لشؤون الإيالة.
نشر مزهود الفساد في الحاضرة وأهان أعيان البلاد واستعدى العسكر الانكشاري وكان يدرك أن خطره الأكبر يكمن في الأمير الشاب مراد بن علي باي المولود قرابة
عام 1680.
كان مراد الذي قُتل والده علي الأول في أتون الحرب الأهلية ونشأ في كفالة عميه محفوفا بجموح عسكري وذكاء حاد ونزع للثأر مما جعل مزهود ينسج حوله شباك الدسائس ليقنع رمضان باي بضرورة الخلاص منه.
وفي عام 1697 أو 1698 أُودع الأمير الشاب سجن قصر باردو وحين حاول الفرار ليلا بمساعدة بعض مماليكه أُلقي القبض عليه واجتمع الديوان الحاكم لتحديد مصيره وتقرر تحييده سياسيا عبر سمل عينيه لعرقلة حقه الشرعي في اعتلاء العرش تحاشيا لغضب القبائل الضاربة والمتحالفة مع أمه بنت سلطان بن منصر الحناشي.
أحضر رمضان باي طبيبا مسيحيا لإنفاذ عملية السمل بواسطة مرود حديدي محمي بالنار في عام 1698غير أن الطبيب إما بدافع عاطفة إنسانية أو بتدبير سري محبوك تعمد عدم إتلاف الشبكية كليا وتظاهر بتمام العمى مسديا نصيحة سرية للأمير بضرورة كتمان أمره ومواظبة علاج عينيه بالخفاء.
خاض مراد معركة ادعاء العمى داخل سجنه بمدينة سوسة ببراعة سيكولوجية فائقة يتقبل الإهانة وينتظر لحظة انفجار الغضب المكتوم حتى سنحت له الفرصة عند خروج رمضان باي في إحدى المحلات العسكرية.
وبمساعدة أربعة من الخدم والمماليك المخلصين فر مراد ليلا من سوسة ولجأ الى جبل وسلات المعقل التاريخي للثوار والمتمردين.
هناك استغل الأمير الشاب رمزيته المرادية وعلاقاته القبلية فالتفت حوله قبائل الحناشة وعربان الجريد وأهالي الجبل النقمون على مظالم مزهود.
وفي مطلع عام 1699 انطلق مراد من وسلات واستولى على
مدينة القيروان ذات الثقل الروحي وجعلها قاعدة لزحفه. وأمام انهيار معنويات الجند وتخلي الانكشارية عن رمضان باي فر الأخير باتجاه سوسة لكن قوات مراد لاحقته وألقت القبض عليه ليخنق و تقطع رأسه في مارس 1699.
تولى مراد الثالث العرش في 14 رمضان 1110 هجري الموافق 16 مارس 1699 ميلادي وهو لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره ليدشن عهده بطقس انتقامي بدائي غير مسبوق في تاريخ الإيالة.
لم يكتف الحاكم الشاب بقتل عمه بل طاف برأسه في أسواق الحاضرة وأمر بنبش قبره وإحراق جثته وتذرية رمادها في البحر لقطع كل أثر له بل وتشير المرويات التاريخية الى أنه
ألقى بالرأس المقطوعة للمساجين ليتلهوا بها في أزقة السجن. ومنح التونسيون الباي الجديد لقب مراد بو بالة نسبة الى البالة وهي السيف التركي العريض الذي كان يحز به رقاب خصومه ومستشاريه وأدنى المشتبه بهم يوميا.
استند حكم بو بالة على آليات حكم الرعب المطلق وتفكيك كافة القوى الوسيطة إذ أهان علماء جامع الزيتونة وصادر أموالهم وقتل أعيان الحاضرة لمجرد الامتناع عن أداء الضرائب المجحفة ونكل بالوجق الانكشاري وأخضعه لرقابة دموية صارمة بل إن بطشه طال حتى القبائل القيروانية والوسلاتية التي أصلحت عرشه وذلك عبر تسيير محلات عسكرية قسرية جردت الأرياف من مواردها وحولتها الى مناطق مجاعة وشلل اقتصادي تام حتى صار الباي نفسه أسيرا لروادع الخوف الشديد يتحصن في قصره محاطا بحراس خاصين ومماليك لا يثق بأحد منهم.
لم تقف اندفاعات مراد بو بالة العنيفة عند الحدود الداخلية بل تعدتها الى مغامرة جيوسياسية إقليمية استهدفت الهروب من الأزمة الاقتصادية والسياسية الى الأمام عبر تشييد مجد عسكري خارجي.
في عام 1700 انخرط مراد الثالث في الحرب المغاربية حيث عقد تحالفا استراتيجيا مع سلطان المغرب الأقصى المولى إسماعيل لمهاجمة إيالة الجزائر من الشرق والغرب في وقت واحد، قاد مراد بنفسه جيشا تونسيا كبيرا واخترق الحدود الشرقية للجزائر وفرض حصارا خانقا على مدينة قسنطينة وقالعتها العسكرية ممارسا بطشا شديدا بالمدافعين والأهالي المحاصرين.
غير أن وصول الإمدادات السريعة من مدينة الجزائر والانضباط التكتيكي للجيش الجزائري أدا الى كسر الحصار وهزيمة القوات التونسية وإجبارها على التراجع قهقريا الى ما وراء الحدود.
أثارت هذه الحرب الأهلية بين الإيالات العثمانية غضب الباب العالي في إسطنبول حيث كان السلطان مصطفى الثاني يعاني من تداعيات معاهدة كارلوفيتس 1699 والضغوط الأوروبية وأصدر أوامر سلطانية صارمة بضرورة عقد الصلح الفوري غير أن مراد الثالث تجرأ على رفض الفرمان السلطاني وأصر على إعداد محلة جديدة لاجتياح الجزائر متمردا الصريح على الإرادة السياسية للسلطان العثماني.
خلف كواليس القناصل في فندق الفرنسيين بالحاضرة كانت المراسلات والتقارير السرية التي جمعها القنصل ديفواز وسيروا ووثقها المؤرخ يوجين بلانت في أرشيف المراسلات الموجهة الى الكونت دي بونشارتريان وزير البحرية في باريس ترصد بدقة حالة الذعر والاضطراب التي سادت التجارة والملاحة القنصلية.
وصفت الوثائق الأوروبية مراد الثالث بالحاكم المضطرب المزاج الذي لا يمكن التنبؤ بسلوكه السيادي والذي يهدد إلغاء الامتيازات الممنوحة للتجار الأوروبيين ويكدر التوازن البحري في حوض المتوسط الغربي.
تقاطعت هذه التقييمات القنصلية مع قرار سري ومحسوم اتخذ في أروقة الديوان الهمايوني بإسطنبول حيث تقرر استئصال السلالة المرادية برمتها وإعادة ضبط الإيالة قبل سقوطها التام.
أسندت المهمة السيادية الى إبراهيم الشريف وهو آغا الصبايحية والباش حانبة في تونس الذي سافر الى العاصمة العثمانية بحجة ترتيب الشؤون الجبائية وهناك سلمته الإدارة العثمانية فرمانا سلطانيا سريا صادر عن السلطان مصطفى الثاني يخول له تصفية مراد الثالث واعتلاء العرش بدعم من الوجق العسكري.
في 9 جوان 1702 م الموافق الأول من شهر محرم 1114 هجري كان مراد الثالث متوجها على رأس جيشه لمحاربة داي الجزائر مجددا وعند وصول الموكب العسكري الى منطقة وادي الزرقاء القريبة من باجة تقدم إبراهيم الشريف نحو مراد بو بالة بحجة إطلاعه على أمر عسكري عاجل واستل بندقيته وأطلق النار مباشرة على صدر الباي فقتله في الحين. وفور سقوط الباي انقض الضباط الأتراك والمماليك المشاركون في المؤامرة على بقية أفراد الأسرة المرادية المرافقة في الموكب وجرت تصفية إخوة مراد وأبنائه وكافة الذكور من نسله في مجزرة ميدانية خاطفة هدفت الى قطع دابر السلالة كليا.
وبمقتل مراد بو بالة في سن الثانية والعشرين انطوت صفحة الدولة المرادية التي حكمت تونس زهاء ثلاثة أرباع
القرن بين 1628 و1702.
غير أن تلك التصفية ألقت بالبلاد في مرحلة انتحالية مليئة بالفوضى والكوارث بين 1702 و1705 إذ جمع إبراهيم الشريف ألقاب الباشا والداي والباي في يده لإعادة الحكم العسكري الانكشاري المباشر لكن حكومته واجهت جفافا حادا وقحطا واجتياحا لمرض الطاعون وانتهت بتعرض البلاد لغزو جزائري كبير عام 1705 سقط فيه إبراهيم الشريف أسيرا في أيدي الجزائريين.
من وسط هذا الركام والانهيار المؤسساتي برز حسين بن علي وهو قائد خيالة من أصل كرتلي يوناني كان يشغل خطة قيادية في الجيش المرادي حيث تولى تنظيم الدفاع عن الحاضرة وتجميع ما تبقى من القوات التونسية لصد الجيش الجزائري.
نجح حسين بن علي في حماية العاصمة وأمام الفراغ السياسي الحاد اجتمع أهل الحل والعقد من العلماء والشيوخ وقادة العسكر وأعيان البلاد في ديوان المدافعية أمام القصبة في 12 جويلية 1705 م وقرروا مبايعة حسين بن علي بايا على البلاد وتجددت البيعة العامة والرسمية له في 15 جويلية 1705 م لتولد بذلك الدولة الحسينية التي نجحت في إعادة المصالحة بين السلطة التنفيذية والمجتمع المحلي واستمرت في حكم تونس حتى إعلان النظام الجمهوري عام
1957 م.
القراءة التاريخية التفصيلية التي سطرها المؤرخون الإخباريون كأحمد بن أبي الضياف في إتحاف أهل الزمان ومحمد الوزير السراج الأندلسي في الحلل السندسية وابن أبي دينار في المؤنس وصولا الى التنظير الدرامي الحديث لدى الكاتب الحبيب بولعراس في مسرحيته مراد الثالث تبرهن على أن عهد مراد بو بالة لم يكن مجرد نزوة فردية لحاكم مجنون بل كان تجسيدا اكتماليا لانهيار بنية سلطوية وراثية مغلقة اقتاتت على الخوف واستبعاد المجتمع فكان سقوطها الدموي في وادي الزرقاء استحقاقا تاريخيا حتميا أنهى حقبة كاملة وأعاد تشكيل الخارطة السياسية لشمال أفريقيا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق