بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

سقوط العرش الحسيني..كواليس الخيانة و النهب.

2026-07-26 9 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سقوط العرش الحسيني..كواليس الخيانة و النهب.
تتهاوى العروش في التاريخ إما بدوي الانفجارات الشعبية أو بصمت المشانق لكن سقوط العرش الحسيني في تونس كان دراما من نوع آخر أخرجها الحبيب بورقيبة ببرود جراح وسياسي يمارس التشريح على جثة ملكية كانت تتنفس بصعوبة.
لم تكن حادثة 25 جويلية 1957 مجرد إعلان جمهورية ولد في لحظة انفعال نيابي بقصر باردو بل كانت القمة المشهودة لمسار تجريف طويل انطلق فور التوقيع على اتفاقيات
الاستقلال الداخلي في 3 جوان 1955.
كان بورقيبة يدرك أن اقتلاع عائلة حكمت لمائتين وخمسين سنة يحتاج إلى مناورة هادئة يبدأ بتحييد القوى الخارجية ثم ينتهي بتجريد الملك من كل سند شرعي أو شعبي. استعارت السلطة الجديدة في البداية بلاغة التهدئة، طمأنت العرش والدوائر الدبلوماسية الغربية بينما كانت السكاكين تحذ تحت الطاولة.
وفي خطاب 8 أفريل 1956 أمام المجلس القومي التأسيسي ارتكب بورقيبة عملية سطو نموذجية على ذاكرة المنصف باي محاولا توظيف رمزيته الوطنية لشرعنة الانقلاب الوشيك مدعيا أن الباي الشهيد كان يطمح لإعلان الجمهورية لينزع بذلك السلاح التاريخي من يد محمد الأمين باي ويتركه معزولا في قاعة العرش بلا صلاحيات ولا أتباع، مجرد موظف مسن يتلخص دوره في وضع طابعه على المراسيم صباح كل خميس.
تسارعت اللعبة في الصيف اللاحق وتحديدا في تلك الأيام العشرة الخانقة الممتدة بين 15 و25 جويلية 1957 حيث طبق الجهاز الأمني استراتيجية الخنق الميداني والنفسي.
في 15 جويلية 1957 ضربت قوات الأمن حزاما أمنيا مغلقا حول قصر قرطاج وتحول مقر الحكم الحسيني إلى قلعة محاصرة بالبنادق والمخبرين.
وفي 18 جويلية اعتلى بورقيبة المنبر في هجوم إعلامي كاسح موجها سهامه المباشرة إلى أفراد البيت الحسيني مسميا للأ عائشة وللا خديجة والأمير الشاذلي بالاسم ومتهما إياهم بالفساد والإثراء غير المشروع في خطب جماهيرية كانت بمثابة بيان إعدام سياسي.
ولم تتأخر الضربات الموجعة ففي 19 جويلية اعتقل نجل الباي الأصغر الأمير صلاح الدين صاحب الاثنين وثلاثين عاما عبر حبكة جنائية مفتعلة اتهمته بمحاولة إطلاق النار على رجل أمن ليدفع به إلى السجن المدني بتونس وتكسر معنويات الباي بالكامل.
وفي 23 جويلية اكتملت الهندسة السياسية بفتح غرفة المشاورات الدبلوماسية حيث استدعى بورقيبة كبار سفراء تونس في باريس وواشنطن والقاهرة وروما ولندن ومدريد والرباط لجس نبض العواصم الكبرى وحين اطمأن إلى غياب أي تحرك دولي أو إقليمي لحماية العرش أطلق شارة البداية للمشهد الأخير.
انعقدت الجلسة الحاسمة في قصر باردو بحضور ثلاثة وتسعين نائبا وتكفل أحمد بن صالح بصياغة الغطاء الأيديولوجي للقرار حين وصف السلالة الحسينية بالشجرة الميتة والعرش بالموروث البالي الذي يجب استئصاله.
وبعد التصويت بالإجماع على إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية وتكليف بورقيبة برئاسة الدولة تحركت فرقة التنفيذ القضائي والأمني المكونة من أحمد المستيري وعلي البلهوان وإدريس ية نحو قصر قرطاج.
استقبلهم محمد الأمين باي وقوفا بجبته البيضاء وطربوشه التقليدي محاطا بأبنائه الثلاثة وقرأ عليه البلهوان نص العزل برداءة مسرحية.
شحب وجه الملك المخلوع دون أن ينبس بكلمة اعتراض واحدة مكتفيا بامتناعه العفيف عن التقاط الصور الفوتوغرافية للحظة انكساره.
وهنا تقدم مدير الأمن الوطني إدريس قيقة ليعلن بداية الإقامة الجبرية لتنتهي بذلك دولة الحسين بن علي وتبدأ رحلة الانتقام المنهجي في إقامة منوبة.
لم يكن ما جرى عقب خلع الباي مجرد انتقال لنظام الحكم بل كان ممارسة مكشوفة لسادية السلطة الجديدة وتصفية الحسابات الطبقية والنفسية.
نقلت العائلة على متن سيارات أمنية إلى المبنى الأصفر بمنوبة لتخضع لحصار الحرس الوطني.
وتكشف الشهادات الموثقة التي أدلت بها سلوى باي أمام هيئة الحقيقة والكرامة عن مظالم تأن لها الذاكرة الوطنية حيث تعمدت عناصر الحراسة إطلاق التهديدات ودحرجة الصخور الضخمة على السقف طوال الليل لمنع المحتجزين من النوم وترك أفراد العائلة أيام متواصلة بلا أغطية أو طعام حتى أشفق عليهم جيران الإقامة وصاروا يسربون إليهم المؤن والأغطية سرا فوق الأسوار.
وفي لحظة الخروج القسري جرّدت الفتاة سلوى باي وهي في سن السادسة عشرة من حذائها الجديد بأمر مباشر من أحد الوزراء بحجة أنه من الأملاك المصادرة لتسير حافية القدمين في الشارع حتى جاد عليها عسكري قديم بحذاء
بلاستيكي رث.
وفي ذات الساعة التي كانت العائلة تطرد فيها اقتحمت وسيلة بوريبة برفقة شقيقتها نائلة بن عمار وامرأة ثالثة جناح الحلي والمجوهرات الملكية حيث استولين على القطع النادرة والمصوغ الملكي قبل أي جرد رسمي أو إداري.
وبعد رحلة التشريد رفض المواطنون تأجير بيوت للعائلة خوفا من بطش الأجهزة الأمنية حتى ظفروا بمسكن عار بجهة بوشوشة منحه لهم مواطن مالطي يدعى كاملاري لينام أحفاد الملوك على قطع الكرتون المفروشة فوق البلاط.
تغطت التجاوزات المالية والميدانية بغطاء قانوني عبر إصدار نص 29 جويلية 1957 القاضي بمصادرة كافة أملاك وأصول العائلة الحسينية لفائدة الخزينة لكن الكواليس كانت تضم معارك أشد شراسة للبحث عن الذهب والمجوهرات المفقودة. أخضعت زوجة الباي المسنة للا جنينة للتحقيق القاسي والإهانات النفسية المتواصلة مما أدى إلى إصابتها بصدمة
عصبية أفقادتها النطق حتى وفاتها سنة 1960.
وفي 23 سبتمبر 1958 أخرج النظام مسرحية محاكمة الوزير الأكبر السابق الطاهر بن عمار أمام المحكمة العليا بتهمة التستر على مجوهرات العائلة المالكة إثر اعترافات استلت من الأمير رفعت بن محمد وتفتيش بيت بن عمار والعثور على حقيبة مجوهرات أودعتها زوجة الأمير الشاذلي لدى زكية بن عياد.
كشفت الوثائق الفرنسية السرية أن السبب الحقيقي لضرب بن عمار الموقع على وثيقة الاستقلال كان حقد بوريبة الشخصي ورغبته في تصفية نفوذ كبار المالكين العقاريين المتعاطفين مع الحركة اليوسفية فضلا عن انتقام مباشر من بن عمار الذي رفض تقديم شهادة زور تتهم الأمين باي بالخيانة العظمى.
ورغم صدور الأحكام القضائية ومصادرة كل الممتلكات ظلت كميات ضخمة من مجوهرات العرش مفقودة ولم تدخل الحسابات الرسمية للبنك المركزي بعد أن توزعتها أيدي المتنفذين في بلاط العهد الجمهوري الأول.
وصلت المأساة فصلها الختامي عقب وفاة للا جنينة سنة 1960 حيث نقل محمد الأمين باي للإقامة في شقة ضيقة من غرفتين بشارع فينيلون في حي لافايات بالعاصمة
وهي المقر الخاص بنجله الأمير الشاذلي.
هناك وضعت الشرطة السرية مراقبة لصيقة عند المدخل وظل الباي الطاعن في السن يقتات مما تبقى معه من مبلغ خمسمائة دينار وعندما نفد المال تماما ترك الملك المخلوع يتضور جوعا لمدة ثلاثة أيام كاملة دون أن يلتفت إليه أحد حتى فاضت روحه في صمت رهيب يوم 30 سبتمبر 1962 عن عمر يناهز ثمانين عاما.
وفي 1 أكتوبر 1962 حرم الميت من أدنى حرمة إنسانية أو تاريخية إذ منعت السلطات تنظيم جنازة شعبية أو رسمية واستبدلت سيارة نقل الموتى بشاحنة شرطة عادية يحيط بها دراجان أمنيان و نقل التابوت بسرعة جنونية نحو مقبرة سيدي عبد العزيز بالمرسى حارمين إياه من الدفن في تربة الباي بالمدينة العتيقة.
وأثناء المسير اعتقلت الشرطة المصور سيباغ وصادرت شريطه لمنع توثيق هذا المشهد الجنائزي المهين.
وعقب انتهاء الدفن السريع صدرت أوامر صريحة من الحبيب بوريبة بنزع الخاتم الماس الشخصي السوليتير من إبهام الجثة لتجرد الذات الملكية من خاتمها الأخير وهي تحت التراب.
ظلت هذه التفاصيل المظلمة مطوية في أرشيفات الخوف حتى اندلعت ثورة 2011 وتأسست هيئة الحقيقة والكرامة بموجب القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 ليفتح الملف القضائي الأضخم تحت اسم القضية عدد 17
أمام الدائرة الجنائية المختصة بالمحكمة الابتدائية بتونس. تقدمت سلوى باي وورثة العائلة الحسينية بدعاوى ضد قيادات العهد السابق وفي مقدمتهم مدير الأمن الوطني الأسبق إدريس ية متهمين جهاز الدولة بالاحتجاز القسري والنهب والتهجير دون سند قانوني.
غير أن مؤسسات الدولة التونسية الممثلة في المكلف العام بنزاعات الدولة والبنك المركزي مارست المماطلة وتجنبت تقديم كشوفات حسابية وتاريخية حاسمة عن مصير المجوهرات والسبائك المصادرة.
ومع رحيل المتهم الرئيسي إدريس ية في 19 أفريل 2026 عن عمر يناهز مائة عام أغلقت نافذة الشهادة المباشرة لآخر الفاعلين لكن القضية تظل جرحا مفتوحا في الضمير الوطني تتطلب اعترافا مؤسساتيا صريحا واعتذارا تاريخيا ورد الاعتبار المادي والمعنوي لضحايا التصفية السياسية من أجل تأسيس جمهورية حقيقية لا تهرب من ماضيها ولا تبني شرعيتها على نهب جثث الملوك.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق