بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

حين انتصر الصوت على الصمت

2026-06-24 32 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين انتصر الصوت على الصمت
حين هبط لسان الإنسان الأول إلى عتمة البلعوم في تلك الأزمنة السحيقة التي لا تحدها جغرافيا ولا يدركها تاريخ مدون لم يكن الأمر مجرد تحول تشريحي في جسد الكائن بل كان هجرة كبرى للروح البشرية من الصمت إلى الكلمة. استطال المجرى الصوتي وتعامد التجويف الفموي الأفقي مع البلعوم العمودي في هندسة ربانية عجيبة وكأن الجسد كان يمهد الطريق لولادة السر الأعظم.
هذه الزاوية القائمة التي جعلت القردة العليا تقف عاجزة عند حدود النبرات المبحوحة والفتحات الضعيفة منحت الإنسان مرونة استثنائية ليطلق أصواتاً كمية حادة ومقاوِمة للنسيان أصواتا شكلت فيما بعد الحروف الأولى التي تلمست بها البشرية طريقها نحو الوعي.
غير أن هذه الهبة الفريدة لم تأتِ مجانية فالطبيعة التي منحت المرء قدرة الكلام السريع والدقيق فرضت عليه ضريبة باهظة تمثلت في خطر الاختناق إذ تداخل مجرى الطعام والشراب مع مجرى الهواء ليبقى الموت غصة يتربص بالمتحدثين عند كل كلمة.
لكن الانتخاب الطبيعي انحاز بوضوح لصالح الكلمة مفضلاً خطورة الكلام على أمان الصمت المطبق لأن في التواصل تكمن النجاة الجماعية.
هذا التحول الجسدي الخارجي لم يكن ليعمل بغير ثورة صامتة في خلايا الدماغ وعتمة العصب.
أعاد الجسد تدوير خلاياه العصبية القديمة تلك التي كانت تحرك الأرجل في الجري والمشي وسط الغابات لتصبح مسؤولة عن تدبير حركة اللسان والشفاه وإدارة النحو الملتوي.
تشابكت العقد القاعدية مع القشرة المخية ونهض جين قديم ليوجه البنى العصبية نحو مرونة فكرية لم يعهدها كوكب الأرض من قبل.
وهنا انقسم المفكرون واللسانيون فمنهم من رأى في اللغة فجاءة سحرية، طفرة جينية مباغتة أنجبت نظاما نحويا كليا أتاح للإنسان أن يفكر في داخله أولا ثم يفيض صوته تواصليا مع الآخرين ومنهم من رأى فيها تراكما بطيئا ممتدا عبر قرون من العزلة والاجتماع نبتت كأداة ثقافية واجتماعية تعتمد على تلمس النوايا ومشاركة الانتباه المشترك لتبني الرموز يوماً بعد يوم كما تُبنى المدن حجرًا فوق حجر.

وفي مدارات التراث الفكري الإنساني تلهف الإنسان لمعرفة نبع كلامه الأول فبينما ذهب ابن فارس إلى التوقيف والوحي معتقدا أن الأسماء عُلمت لآدم إلهاما وتلقينا مباشرا من الخالق خشية أن يقع البشر في معضلة الدور المنطقي الذي يستلزم لغة سابقة للتواضع عليها كان المعتزلة يضخون في المسألة حيوية العقل البشري إذ رأى ابن جني أن اللغة صناعة وطنية وتواطؤ تدريجي بين العقلاء لتسمية الأشياء بدافع الحاجة والبيئة. غير أن القاضي عبد الجبار شق طريقا ثالثا يجمع بين روعة الفكر وحكمة الوحي مفترضا أن البشر اصطلحوا أولاً على لغة بدائية وهبهم الله آلياتها العقلية ليكون لديهم وعي يستقبلون به الخطاب الإلهي اللاحق الذي كمل به التوقيف ما نقص من مواضعتهم.
وعلى ذات المنوال في الغرب دار الخلاف القديم في حوارات الإغريق بين من يرى الروابط طبيعية بين اللفظ ومسماه وبين من يراها وضعاً عشوائيا.
وتعددت النظريات وتماوجت فمن قائل إن الكلام بدأ بمحاكاة دوي الريح وحنين الرعد وأصوات الحيوانات إلى قائل إنه انبثق من زفرات الجهد العضلي المشترك أو من صرخات الخوف والبهجة والألم الغريزي وصولاً إلى فكرة الرنين الغريزي الصامت الذي يربط المدرك الحسي بالصوت تلقائياً.
ولكن، حين يتدخل علم اللغة المقارن تخلع المسألة ثوب الظنون لترتدي رداء البحث الصارم عن الأصول المفقودة.
من خلال المنهج المقارن يعكف العلماء على جمع المفردات الأساسية العصية على الفناء والاقتراض كألفاظ القرابة والدم وأعضاء الجسد ليعزلوا الدخيل والمستعار متعقبين القوانين الصوتية المطردة التي تنتظم عبر العصور واللغات.
هكذا تولد اللغات الأم من رماد الكلمات الشقيقة مستندين إلى مبادئ الاقتصاد المنهجي والتغيرات الفيزيائية الأصيلة. يتبين لنا عبر هذا التفتيش المضني كيف تتحول الأصوات المجهورة إلى مهموسة وكيف يهاجر الحرف من الشفاه إلى الحلق مثلما يظهر في تقلبات الصوت الشفوي في العائلة الأفروآسيوية أو في حركة الجر الطويلة في السامية الأم التي انمحت وتلاشت تحت وطأة قوانين تقصير المصوتات في المقاطع المغلقة.
وبمحاذاة هذا المنهج يقف إعادة البناء الداخلي ليتأمل الظواهر الشاذة في اللسان الواحد معتبرا إياها حفريات صوتية متجمدة تكشف عما كان مطردا في غابر الأزمان.

هذا التباعد اللغوي لم يكن معزولا عن حركة الأقدام البشرية فوق التراب. تلاقت دراسات الجينات بشجيرات الأنساب اللغوية فكشفت الهجرات الكبرى عن تأثير المؤسس المتسلسل إذ كلما ابتعد الإنسان عن مهد وجوده الأول في أفريقيا تضاءل تنوعه الجيني وتناقصت سلالة أصواته وفونيماته وكأن المجموعات المهاجرة كانت تترك وراءها في كل محطة جزءا من إرثها الصوتي القديم.
ومع ذلك فإن الخرائط لا تتطابق دائماً بسلام فالسياسة والحروب والمصاهرة والمكانة الاجتماعية تخلق من التباينات ما يدهش العقول.
قد تجد تقاربا جينيا تاما بين شعوب تفصل بينها حواجز لغوية حادة لحفظ الهوية الثقافية المستقلة أو تجد تقاربا لغويا يجمع بين وافدين من أصول وراثية متباعدة تماما بسبب فرض اللغة القسري أو الاقتراض الثقافي الواسع.
وفي المجتمعات القديمة كانت ممارسات الإقامة الأبوية تربط الحمض النووي الذكري بالهوية اللغوية للمجتمع بينما تهاجر النساء حاملات مادتهن الوراثية عبر الحدود اللغوية دون أن يغيرن من لسان الأرض شيئا.
وتتجلى هذه المفارقة الإنسانية في سلالات عرقية تنتمي لعمق أفريقيا لكنها تتحدث لغات سامية وفدت مع هجرات عكسية قديمة عبر البحر فابتلعت الأرض المهاجرين جينيا وبقيت كلماتهم تصدح في الآفاق.

تتوزع لغات عالمنا اليوم على عائلات كبرى تختزل حكايات ملايين البشر ،عائلات تهيمن ديموغرافيا وجغرافيا كالعائلة النيجر الكونغوية في مجاهل أفريقيا والأسترونيزية الممتدة من مدغشقر إلى أقاصي المحيط الهادئ والصينية التبتية في مرتفعات آسيا والهندوأوروبية الشاسعة والأفروآسيوية التي تضرب بجذورها في أعماق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ أكثر من خمسة آلاف عام.
ويظل فرعها السامي بمثابة السجل الحي لترحال هذه الشعوب إذ تنقسم اللغات السامية بين شرقية بادت تحت ركام الطين وغربية نمت في كنف كنعان والآرامية والعربية وجنوبية بقيت في حصن الجزيرة والقرن الأفريقي.
وحين يُعاد بناء معجم هذه اللغة السامية الأم تتجلى ملامح حياة كاملة ،كلمات تعبر عن الأنا والأب والأم تكشف عن مجتمع مشدود بصلات الدم المتينة وألفاظ الملوك والأسياد تشير إلى تراتبية سياسية راسخة بينما مفردات الحقل والحرث وبذر الأرض تثبت ممارستهم لزراعة مستقرة في وادٍ غير ذي زرع ومصطلحات البيوت والفضة والماشية والكلاب تعكس نمط استقرار سكني ومعرفة تامة بالتجارة والحراسة وسبك المعادن.
لكن وقبل أن تشرق شمس المعامل والمناهج المقارنة لم يكن للإنسان البسيط سوى الخيال والميثولوجيا ليداوي بها دهشته أمام هذا التشتت الصوتي الرهيب.
في قصص الأولين وحكايات بابل القديمة كان التعدد عقابا أو تشتيتا إلهيا لبشر ظنوا أن بمقدورهم بناء برج يطال عنان السماء.
تبلبلت الألسن هناك وضاعت الكلمة الواحدة في زحام الأصوات الجديدة ليتفرق الأخوة في جهات الأرض الأربع حاملين معهم شظايا لغة أولى ظلوا يحاولون رتقها وترميمها عبر العصور كلما التقى غريب بغريب على قارعة طريق أو عند حدود نهر.
إن قصة اللغات وتطورها ليست سوى قصة الإنسان في بحثه الدائب عن ضفتين يلتقي عندهما حكاية جسد تعذب ليقول وعقل ترتب ليفهم وجغرافيا تباعدت لتصنع هذا الثراء البديع المتلون بتلون الطين الذي جُبلنا منه جميعاً.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق