بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

هندسة الخلاص الوطني: كيف تبني تونس دولة السيادة التشاركية على أنقاض الأزمة الهيكلية؟؟

2026-05-10 45 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هندسة الخلاص الوطني: كيف تبني تونس دولة السيادة التشاركية على أنقاض الأزمة الهيكلية؟؟
لطالما وقفت تونس على تخوم الأسئلة الكبرى تتأمل ذاتها في مرايا متصدعة وتفتش عن خلاص لا يشبه الهزيمة.
غير أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة تريحها تعديلات إجرائية هامشية بل هو انهيار صامت في معمارية العقل الذي يحكم علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة المعرفة بالسلطة وعلاقة الإنتاج بالعدالة.
المخرج لا يكمن في شجاعة القرار السياسي وحده بل في شجاعة هندسة المتطلبات على إعادة تعريف نفسها وصياغة عقد إبستمولوجي جديد بمواصفات تقنية دقيقة يعيد وصل ما انقطع بين من يعرفون ومن يقررون وبين من ينتجون ومن يجنون وبين من يحلمون ومن يبنون.
الممانعة النظامية التي تعطل تدفق الكفاءات من مختبرات الجامعة إلى قلب سوق العمل ليست قدراً بل هي عطب في تصميم الدارة الكبرى للدولة.
في قلب هذا العقد تقوم فكرة السيادة التشاركية التي لا تكتفي بإشراك الناس في القرار وفق النماذج البديهية البالية بل تمضي إلى ما هو أعمق، إلى جعل منظمات المجتمع عقداً عصبية في بنية تحتية حية هي جسد الدولة لا مجرد زوائد استشارية أو قنوات احتجاج.
هذا الانتقال لا يضيف فاعلين جدداً إلى المشهد بل يعيد تعريف طوبولوجيا المشهد برمته ويحول الدولة من كائن مهيمن يحتكر الحقيقة والقوة إلى كائن منسق، أشبه بمتحكم منطقي قابل للبرمجة يرسم الاتجاهات الكبرى ويضمن انسجام الإيقاع بين أعضائه المختلفة عبر حلقات تغذية راجعة مضبوطة.
أولى خطوات هذا المخاض تقتضي تحرير القرار الفني من النزوة السياسية ومن العشوائية الإحصائية معاً لا بمعنى إلغاء السياسي بل بإعادة تأهيل ليكون ضامناً لمعايير الجودة لا مشوشاً عليها.
آن الأوان لأن تتحول العمادات المهنية، عمادة المهندسين وعمادة المعماريين وسواهما، من هيئات استشارية لا تملك صلاحية رقمية واحدة إلى مجلس أعلى للسيادة التقنية
بدرجة استجابة معيارية 1 في دارة القرار الوطني.
ليس هذا امتيازاً لفئة بل هو إدراج لمتغيرات الأمان والاستدامة في صلب الخوارزمية الحاكمة.
المهندس ليس مجرد منفذ للمشاريع بل هو من يطبق تحليل نمط الفشل وآثاره على مسارات الطاقة والمياه والرقمنة قبل أن تنزلق إلى هاوية الفساد أو الجهل التقني.
والمعماري ليس مجرد باني جدران بل حارس للسيادة البصرية، يحمي الذاكرة الجمعية من التلوث والتشظي مستلهماً روح سيدي بوسعيد لا ليستنسخها في قالب صلب بل ليشتق منها مرجعية وطنية للهوية المعمارية أشبه بمعيار آيزو مفتوح يحوي مقاييس دقيقة للجمالية والاستدامة والاندماج المشهدي.
وفي هذا السياق يصبح ختم الجودة السيادية الذي تمنحه هذه الهياكل إجراء تدقيق قبلي لا يقل صرامة عن أي بروتوكول تحقق في الأنظمة الحرجة فلا يمرر جسر ولا مستشفى ولا منصة رقمية دون أن تثبت حسابات الإجهاد والجدوى طول العمر.
غير أن أزمة البلاد لا تحل بالتقنية وحدها لأن الجرح الأعمق هو انفصام عرى الإنتاج عن العدالة في نظام ظل مفتوحاً بلا تغذية راجعة.
ظل الصراع التاريخي بين من يمثلون العمل ومن يمثلون رأس المال بين الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة أسير منطق الاقتسام المتوتر للغنيمة دون أن يلتقط أي طرف إشارة الخرج الحقيقية للنظام: نسب بطالة شابة تتجاوز 35 في المائة في بعض المحافظات وفجوة بين مخرجات 200 ألف طالب سنوياً وطلبات سوق لا تتجاوز 80 ألف منصب.
ما تحتاجه تونس اليوم هو الانتقال إلى فلسفة الخلق المشترك إلى كتلة تاريخية للإنتاج تدرك أن مصير الطرفين مربوط بحبل واحد في منظومة مغلقة التحكم حيث يمثل معدل التشغيل المحلي المرجعي 40 في المائة على الأقل في كل صفقة عمومية وحيث يرتبط مؤشر التنمية البشرية في الجهات المهمشة بمتغير الضبط الرئيسي للامتيازات الجبائية.

لا يمكن للنقابات أن تظل أسيرة المطلب الفئوي وحده بل يجب أن تتطور وظيفتها التاريخية من الإضراب للمطالبة بزيادات تبتلعها التضخم إلى الإنتاج للمشاركة في هندسة القيمة المضافة.
عليها أن تقود نضالاً جديداً من أجل رقمنة الدولة ورفع جاهزيتها الرقمية لأن كل نقطة مئوية تكتسبها تونس في مؤشر الحكومة الإلكترونية توفر موارد ذاتية دائمة تغذي تحسين أجر العامل الحقيقي وتحميه من فكي التضخم.
وفي المقابل لا يمكن لرأس المال الوطني أن يظل أسير منطق الربح السريع القائم على المراجحة الجبائية بل يجب أن يتبنى رؤية الرأسمالية المسؤولة القائمة على خوارزمية امتياز مشروط: كل نقطة تحسن في معدل البطالة المحلي تعطي امتيازاً جبائياً إضافياً وكل تراجع في مؤشر الفقر بالجهة يفتح باب صفقات جديدة.
هكذا تتحول البطالة من مجرد متغير عشوائي يطارد الحكومات إلى ثمرة فجوة قابلة للردم حين نربط المعرفة بالإنتاج وحين يصبح كل مشروع استثماري كبير عقد تشغيل موثقاً بنسب دنيا للتشغيل والتكوين وحين تتحول الامتيازات إلى التزامات قابلة للقياس.

وما لم نشغل في أطراف هذا الجسد النهضوي طاقة الشباب كمصفوفة استشعار موزعة فلن يكتمل الانتقال.
الشباب في تونس ليس خزاناً انتخابياً يُستنزف كل موسم بل هو رأس المال المعرفي الأهم وهو العقدة الأكثر كثافة في شبكة المستقبل.
لهذا يجب أن تتحول المنظمات الطلابية والشبابية إلى رقيب ذكي وإلى شريك في التصميم بأن تفتح لها منافذ الوصول البرمجي إلى قواعد معطيات الدولة كاملة فتتحول الجمعيات الرقابية من مجرد متفرج يحتج على القرار بعد فوات الأوان إلى مختبر شعبي للسياسات العامة يطبق تقنيات تحليل البيانات الضخمة وتعلم الآلة يقترح ويحاكي وينذر.
السيادة الوطنية لم تعد كاملة إن لم تكن سيادة رقمية أيضاً تحمي الفضاء السيبراني للبلاد بجيش من الكفاءات الشابة متمكن من اختبار الاختراق والتحليل الجنائي الرقمي وتجعل من الجامعة التونسية مختبراً مفتوحاً للقرار الحكومي تتحول فيه بحوث التخرج وأطروحات الدكتوراه إلى وحدات حسابية منتجة لحلول تقنية فعلية في الطاقة والماء والفلاحة واللوجستيك لا أن تظل حبيسة رفوف التخزين ذات معدل استرجاع صفري.
وهذا كله يتطلب جرأة في إصلاح الإدارة التي بلغ بها التكلس درجة أصبحت معها عدواً لنفسها.
ليس المطلوب ترقيع إجراء أو حذف مطلب إداري هنا وهناك بل تغيير جذري في نظام التشغيل الداخلي للدولة بحيث ننتقل من إدارة تحصي الأختام والوسائل وتستنزف 3.5 مليار دينار سنوياً في كتلة أجور لا تقابلها إنتاجية إلى إدارة تقاس بأهداف التنمية عبر منظومة مؤشرات أداء سيادية.

وفي هذا السياق يصبح كل قرار إداري بلا مبرر تقني واضح مجرد إرث ميت يستوجب الإلغاء الفوري عبر تدقيق إبستمولوجي شامل.
وحتى يطمئن الموظف العمومي الشريف على مستقبله تشارك النقابات في تصميم برنامج نزول ميداني طوعي ينقل 30 في المائة من كفاءات الإدارات المركزية إلى منصات رقمية خدماتية لامركزية في الجهات فيتحول من ماسك ختم إلى مهندس خدمات عمومية موصول بالألياف البصرية.

وفي هذا المركب المعقد من الأدوار الجديدة حيث يصبح التقني حارساً والنقابي منتجاً والشاب شريكاً في القرار لا بد من نسيج شفاف يعطي هذه التركيبة مشروعيتها واستمرارها وهذا هو بيت القصيد في الحوكمة.
الحوكمة ليست ترفاً ديمقراطياً بل هي عصب الاستقرار وهي لا تقوم على الوعظ الأخلاقي بل على آليات ذكية تفرض نفسها بنفسها.
يمكن لسجل رقمي موزع قائم على سلسلة الكتل والتحقق بواسطة خوارزميات الإجماع أن يوثق كل قرار عمومي و كل صفقة و كل تعيين سجلاً لا يمحى ولا يزور فيعرف التونسيون من قرر ومتى وبأي مسوغ تقني عبر مجرد استعلام في محفظة رقمية فتغدو المساءلة مسألة وصول إلى المعلومة لا معركة للحصول عليها.
وفي موازاة ذلك تصبح موازين القوى الجديدة في البلاد أي السياسي الذي يرسم الخيارات وفق دالة موضوعية وطنية والتقني الذي يضمن الجودة عبر معايير الامتثال والاجتماعي الذي يضمن العدالة عبر معادلات التوزيع والمدني الذي يضمن الشفافية عبر لوحة بيانات مفتوحة أطرافاً في جلسة تقييم وطنية سنوية علنية.
هذه الجلسة ليست محكمة بالمعنى القضائي بل هي فحص دوري لمنظومة مؤشرات السيادة تنتج تقارير انحراف تتحول تلقائياً إلى مدخلات لنظام تصحيحي زمني يُجبر الدولة على إعادة المعايرة.
غير أن كل هذا الصرح سيبقى قائماً على رجل واحدة إن لم نؤسسه على أرضية من الكرامة الاجتماعية هي بمثابة الحد الأدنى للإشارة الذي بدونه لا يمكن للنظام أن يشتغل.
فكيف نطلب من شاب عاطل بلا غطاء صحي أن يبدع في الجيش الرقمي؟
وكيف نطلب من عامل لا يأمن على لقمة عيشه أن يتحول إلى شريك إنتاجي في الكتلة التاريخية؟
أرضية السيادة الاجتماعية من دخل أساسي مشروط بالتكوين إلى تغطية صحية شاملة إلى سكن لائق ليست صدقة من الدولة بل هي استثمار في الاستقرار يمول من عوائد النمو المشترك ومن ريع البنية التحتية حين نحررها من المديونية الخارجية عبر صكوك سيادية تقطع 3 نقاط مئوية من كلفة الاقتراض وترد العوائد لصناديق الضمان الاجتماعي.
إنها الميثاق الخفي الذي يضبط جهد الانحياز فيعمل النظام في منطقته الخطية ويجعل المواطن في أمان وقادراً بالتالي على أن يرتقي من مجرد مستفيد سلبي إلى عنصر فاعل في حلقة تحكم السيادة.
ما ننشده هنا ليس صوتاً طوباوياً بقدر ما هو رد اعتبار للعقل الهندسي في زمن استهان بالعقول وفضل التخمين على المحاكاة.
إنه محاولة للخروج ببلدنا من منطقة اللاخطية والفوضى إلى رحابة البناء السيادي الرصين بناء لا يتحقق فيه طرف على حساب آخر بل يجد فيه الجميع أن مصلحتهم الحقيقية تقوم على الترابط لا الإلغاء وأن دالة التكلفة المشتركة أقل بكثير من مجموع دوال التكلفة الفردية.
وهنا في تقاطع المصالح المعاد تعريفها وفق معادلات رياضية اجتماعية يكمن السر: حين يكتشف السياسي أن القرار التقني الرشيد يطيل دورة عمره في السلطة لا يقصرها وحين يعي النقابي أن الإنتاجية هي الضمانة الوحيدة الدائمة لعدالة لا تآكلها التضخم وحين يدرك صاحب المال أن استقرار الجهات وتشغيل أبنائها سور واقٍ لتدفقاته النقدية لا تكلفة هامشية عندها فقط نكون قد تجاوزنا عتبة الإقلاع الحقيقية وخطونا نحو تونس التي نستحق.
تونس التي لا تقبل أن تكون مجرد ورشة نجاة مرتجلة بل ورشة حضارة دقيقة تحكمها خوارزميات العدل وتزينها معمارية الهوية ويحركها محرك السيادة التشاركية الذي لا يتوقف.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق