الطاهر الحداد ذلك الفتى الذي حمل في عروقه صلابة الجنوب من قرية الحامة ومرونة الحاضرة ،لم يكن مجرد طالب علم عابر في أروقة جامع الزيتونة المعمور بل كان بركاناً صامتاً يتشكل وسط ركام من الجمود والاحتلال.
حين دخل رحاب الزيتونة في عام 1911 لم يكن يبحث عن وجاهة دينية بل عن سلاح معرفي يواجه به قتامة الواقع فنهل من فقه المقاصد حتى تضلع ونال شهادة التطويع في عام 1920 بامتياز وضع اسمه بين الكبار لكنه بدلاً من أن يرتقي المنابر التقليدية اختار النزول إلى قاع المجتمع حيث العمال الكادحين والنساء المنسيات في زوايا الإهمال التاريخي.
بدأت خيوط المأساة والبطولة تتشابك في عام 1924حين تلاقت إرادته مع رفيقه العائد من صخب الغرب محمد علي الحامي ليؤسسا معاً جامعة عموم العملة التونسية في تحدٍ سافر للسلطات الفرنسية التي كانت ترى في النقابات شأناً أوروبياً صرفاً وللنخب المحلية التي كانت تخشى استيقاظ المارد الطبقي.
في كتابه الصادم العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية المنشور عام 1927لم يكتفِ الحداد بسرد الوقائع بل قدم تشريحاً طبقياً دقيقاً معرياً تحالف الرأسمالية الاستعمارية مع الإقطاع المحلي وهو ما جعل سلطات الحماية تدرك أن هذا الشاب الثلاثيني هو العدو الأخطر على منظومتها لأنه يحرر عقل العامل قبل يديه.
لكن الصدمة الكبرى التي زلزلت أركان المجتمع التونسي وأشعلت نيران الحقد في صدور المحافظين كانت في شهر أكتوبر من عام 1930 العام الذي شهد أيضاً استفزازاً استعمارياً تمثل في المؤتمر الإفخارستي بقرطاج.
في هذا المناخ المحتقن ألقى الحداد بقنبلته الفكرية امرأتنا في الشريعة والمجتمع وهو الكتاب الذي لم يكن مجرد دعوة لتحرير المرأة بل كان ثورة منهجية تعيد قراءة النص القرآني بعين العصر.
ببراعة الفقيه وجرأة الفيلسوف أثبت الحداد أن الإسلام جاء بروح تهدف إلى المساواة الكاملة وأن الأحكام المتعلقة بتعدد الزوجات والطلاق والحجاب كانت مرتبطة بسياقات زمنية تدرج فيها الشرع نحو الكمال الإنساني.
جادل بأن الآية القرآنية التي تشترط العدل للتعدد والآية الأخرى التي تقر باستحالة هذا العدل تؤديان منطقياً وفقهياً إلى تحريم التعدد في العصر الحديث لضمان كرامة الأسرة.
ما تلا صدور الكتاب كان فصلاً مرعباً من محاكم التفتيش المعنوية حيث تآمر شيوخ التقليد وعلى رأسهم محمد الصالح بن مراد الذي ألف كتابه الحِداد على امرأة الحداد ليكون بياناً للتكفير والإقصاء.
تحولت شوارع تونس إلى جحيم في وجه الطاهر
سُحبت منه شهادته العلمية بقرار جائر ومُنع من مزاولة مهنة العدول وأوصدت في وجهه أبواب المساجد والمجالس.
كان مشهداً تراجيدياً بامتياز إذ وجد المصلح الكبير نفسه وحيداً منبوذاً حتى من رفاقه في حزب الدستور الذين آثروا السلامة السياسية على المبدأ الفكري فكان يمر في الأسواق فلا يرد عليه أحد السلام بل وتعرض للرشق بالحجارة والإهانات اللفظية من عامة الناس الذين كان يسعى لتحريرهم.
في سنواته الأخيرة وتحت وطأة الفقر المدقع والمرض الذي نهش جسده النحيل، انزوى الحداد في صمت مهيب ليكتب تأملاته التي عُرفت لاحقاً بالخواطر وهي نصوص تقطر ألماً ووعياً حيث وصف نفسه فيها بأنه الغريب الذي يتحدث لغة لم يفهمها عصره بعد.
وفي السابع من ديسمبر من عام 1935 وهو لم يكمل بعد سن السادسة والثلاثين لفظ الطاهر الحداد أنفاسه الأخيرة في هدوء يشبه العاصفة التي خلفها ودفن في جنازة لم يحضرها إلا القلة من الأوفياء وسط صمت مطبق من المؤسسة الرسمية والدينية.
لكن التاريخ كما يقولون هو المحكمة الكبرى
فبعد وفاته بواحد وعشرين عاماً وتحديداً في الثالث عشر من أغسطس من عام 1956كانت روح الطاهر الحداد ترفرف فوق قصر الحكومة حين وقع الحبيب بورقيبة على مجلة الأحوال الشخصية.
كانت بنود المجلة من منع تعدد الزوجات إلى جعل الطلاق بيد القضاء وتأمين حقوق المرأة في التعليم والعمل هي ذاتها المطالب التي صلب من أجلها الحداد في الثلاثينيات.
تحول المهرطق في نظر الشيوخ إلى القديس في نظر الدولة الحديثة وأصبح كتابه الذي حُرق يوماً هو الدستور الاجتماعي للجمهورية التونسية.
قصة الطاهر الحداد هي قصة المثقف الذي يسبق زمنه ويدفع حياته ثمناً لإنارة طريق سيسلكه الآخرون بعد رحيله بعقود ليظل اسمه منقوشاً في ذاكرة الزمان كأعظم مهندس للتحول الاجتماعي في تاريخ العرب الحديث.