بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

جغرافيا الوجدان في بلاد الجريد.. من هندسة الماء عند ابن الشباط إلى جلال النخيل في قصيد الشابي: سيرة الكوفة الصغرى وقصة اللسان الذي لا يشيخ.

2026-04-18 290 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جغرافيا الوجدان في بلاد الجريد.. من هندسة الماء عند ابن الشباط إلى جلال النخيل في قصيد الشابي: سيرة الكوفة الصغرى وقصة اللسان الذي لا يشيخ.
في قلب الجنوب الغربي التونسي حيث تلتقي زرقة السماء بذهبية الرمال وخضرة النخيل الباسق تتجلى بلاد الجريد كواحدة من أعقد الوحدات الأنثروبولوجية والجغرافية في المغرب العربي ،وهي فضاء لا يمكن فض مغاليقه إلا عبر تفكيك ما نسميه النظام الرمزي الجريدي الذي صهر البيئة في بوتقة المعرفة ليخرج هوية عصية على الانمحاء.
هذه المنطقة ليست مجرد إحداثيات مكانية بل هي مختبر حضاري تشابكت فيه العناصر البيئية مع الأطر المعرفية فصاغت مجتمعاً واحياً استثنائياً استطاع أن يجمع بين صرامة الفقه المالكي وعبقرية الهندسة الزراعية وجماليات اللسان العربي في توليفة فريدة تجعل من فهم توزر ونفطة ودقاش عملية تتطلب الغوص في العلاقة العضوية بين اللحفة كرمز بصري للهوية واللسان كخزان للوعي والواحة كمجال حيوي للإنتاج والقانون.
تبدأ هذه الرحلة من الجغرافيا المقدسة حيث نالت مدينة نفطة لقب الكوفة الصغرى وهو لقب لم يأتِ من فراغ بل كان ثمرة لتقاطعات تاريخية ومذهبية وعمرانية عميقة
جعلت من هذه المدينة قطباً ثقافياً وروحياً تمدد تأثيره على مدار ثمانية قرون من الزمن.
ويرجع المؤرخون ومنهم البكري في مدوناته التاريخية جذور هذا اللقب إلى العصور الأولى لظهور التشيع في إفريقية حيث كانت نفطة مركزاً لمناصري أهل البيت ودعاة الشيعة قبل وصول الفاطميين ويروى أن أبا عبد الله محمد بن الحسن أصيل نفطة كان له سماع واتصال مباشر بكبار علماء الكوفة مثل سفيان بن بشر الكوفي مما أوجد جسراً حضارياً ممتداً من العراق إلى بلاد الجريد ولم يقتصر هذا الرابط على المذهب فحسب بل شمل النمط المعماري والزراعي حيث كانت نفطة ترتوي من مئة واثنتين وخمسين عيناً جارية تشكل ما يعرف بالغلاية وهو رقم يعكس الوفرة المائية التي سمحت بنشوء حضارة علمية تخصصت في مدرسة الفقه واللغة والتراجم على غرار مدرسة النحو والفقه الكوفي الشهيرة.
وتتجلى النزعة المحافظة في نفطة من خلال هذا النظام الرمزي الذي يحكم السلوك واللباس والتعليم حيث تحيط بالمدينة القباب والصوامع التي تمنحها روحانية تشبه المدن المقدسة ويشكل التصوف السني ولا سيما الطريقة القادرية والهادفية العمود الفقري للحياة الروحية هناك.
فالزوايا في نفطة وتوزر لم تكن مجرد دور للعبادة بل كانت مؤسسات تعليمية حافظت على نقاء اللغة العربية في مواجهة كل موجات التغريب.
وفي هذا الفضاء العلمي والرياضي تبرز شخصية أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد بن علي بن عمر المعروف بابن الشباط التوزري الذي عاش بين عامي ستمئة وستة عشر وستمئة وأربعة وثمانين للهجرة ليكون المهندس الحقيقي للسلم الاجتماعي في توزر فابن الشباط لم يكن مجرد عالم رياضيات أو أديب بل كان عبقرياً استطاع في القرن السابع الهجري أن يضع نظاماً هندسياً دقيقاً لتوزيع مياه الواحات لا يزال يعمل بكفاءة مذهلة إلى يومنا هذا.
اعتمد ابن الشباط في تقسيم مياه توزر على أسلوب رياضي معقد يقسم التدفق الكلي للعيون الذي كان يقاس آنذاك بالقدوس أو الساعة المائية إلى سبعة مسارب أساسية تعرف بالسواقي السبع وهو تقسيم لم يكن عشوائياً بل استند إلى حسابات دقيقة تضمن توزيعاً عادلاً ينصف الفلاحين ويمنع النزاعات المائية وقد أدهش هذا النظام الرحالة التيجاني الذي وصف الهندسة بأنها بديعة وباقية الأثر حيث حول ابن الشباط الجريان الفوضوي للماء إلى تدفقات منتظمة محسوبة بالزمن والحجم مما ساهم في استقرار المنطقة اقتصادياً واجتماعياً لقرون طويلة وتحول الموقع الذي يضم هندسة ابن الشباط اليوم إلى مزار للباحثين للوقوف على عبقرية التفكير الإسلامي في تدبير الندرة.
ولم تنفصل عبقرية ابن الشباط الهندسية عن إرثه الأدبي الضخم فقد ترك مدونة علمية تتوزع بين التاريخ واللغة والفقه ومن أبرزها كتابه صلة السمط وسمة المرط الذي يعد شرحاً موسوعياً في أربعة أجزاء لتخميس القصيدة الشقراطسية تناول فيه اللغة والصرف والمعاني بالإضافة إلى كتابه العقد الفريد في تاريخ علماء الجريد وأنيس الفريد في حلية أهل الجريد وكتاب الملقين إلى سبيل التلقين في الهندسة والتعليم وهي مؤلفات تعكس شمولية المعرفة في تلك الحقبة.
وتزخر بلاد الجريد بسلالات من المعرفة وأعلام أثروا المكتبة العربية مثل أبو زكرياء يحيى الشقراطسي العالم اللغوي والفقيه صاحب القصيدة الشقراطسية الشهيرة في مدح الرسول وسيدي بو علي النفطي الملقب بسلطان الجريد الذي تلمذ على يد أبي مدين شعيب وكان له دور حاسم في نشر المذهب المالكي والتصوف السني في جنوب تونس وأجزاء من الجزائر وليبيا وإفريقيا جنوب الصحراء وأبو العباس الدرجيني صاحب كتاب طبقات المشايخ بالمغرب وأبو علي المنصور بن إبراهيم الهذلي المعروف بالرصاع مؤلف كتاب فهرست الرصاع.
ومن هذه الأرض خرج العلامة محمد الخضر حسين الذي عاش بين عامي ألف وثمانمئة وستة وسبعين وألف وتسعمئة وثمانية وخمسين وهو الذي ولي مشيخة الجامع الأزهر في عام ألف وتسعمئة واثنين وخمسين ليكون رمزاً للوحدة الفكرية بين المغرب والمشرق ومدافعاً صلباً عن هوية الأمة ولغتها وبجانبه المولود الشعيبي الذي تخرج من الأزهر وعاد لينشر العلم في ربوع الجريد مخرجاً جيلاً من العلماء والفقهاء الذين حافظوا على هذا الإرث.

وفي العصر الحديث برزت بلاد الجريد كحاضنة للإبداع الأدبي الذي زاوج بين الرومانسية والواقعية حيث لمع نجم أبي القاسم الشابي شاعر الخضراء وابن توزر الذي ولد في عام ألف وتسعمئة وتسعة وتوفي في عام ألف وتسعمئة وأربعة وثلاثين ورغم قصر حياته التي لم تتجاوز خمسة وعشرين عاماً إلا أنه أحدث ثورة في الشعر العربي وأصبحت قصيدته إرادة الحياة نشيداً للتحرر العربي ورمزاً للمقاومة متأثراً ببيئة الجريد وجلال نخيلها الذي انعكس في ديوانه أغاني الحياة.
كما برز مصطفى خريف الشاعر والأديب البارع وبشير خريف رائد الرواية التونسية وصاحب رواية الدقلة في عراجينها التي خلدت حياة الواحة وتفاصيلها السوسيولوجية وصولاً إلى الباحث المعاصر خالد أنينة الذي ألف كتابه الموسوعي البحر المديد في شخصيات أهل الجريد والذي تضمن تراجم دقيقة لأكثر من مئتي شخصية من علماء وأدباء المنطقة مما يحفظ ذاكرة الجريد من النسيان.
إن أنثروبولوجيا اللسان في الجريد تعتبر عنصراً جوهرياً في هذا النظام الرمزي فاللهجة الجريدية ليست مجرد وسيلة تواصل بل هي لسان يعكس العمق العربي الأصيل حيث يتميز أهل المنطقة بنطق حروف اللغة العربية بشكل فصيح وصحيح خاصة نطق القاف الذي يظل محافظاً على جرس الفصحى في السياقات العلمية كما يحافظ اللسان الجريدي على ضم أوائل الكلمات مثل سكر وحوت وهو ما يقربها من أصولها العربية القديمة بخلاف لهجات الشمال والساحل التي تميل للكسر.
وتزخر هذه اللهجة بمعجم واحي ثري مرتبط بالنخلة والماء مثل الجريد والدقلة والساقية وتحمل في طياتها طبقات لغوية تعكس تاريخ المنطقة من الأصل العربي في كلمات مثل برشا وياسر وباهي ويزي التي تعني يكفي وأصلها يجزي
إلى الأثر الأندلسي والمتوسطي في كلمات مثل صباط ودورو وصولاً إلى الجذور الأمازيغية القديمة في بعض المفردات مثل يقعمز.
إن الواحة في الجريد هي منظومة متكاملة من المعارف تحكمها قوانين دقيقة وفتاوى فلاحية تراكمت عبر الأجيال حيث تعتبر دقلة النور تاج هذا الإنتاج وذهبه الأصيل وتتطلب زراعة النخيل معرفة علمية عميقة إذ ينصح الخبراء بترك مسافة تبلغ ثمانية أمتار بين النخلة والأخرى لضمان نموها السليم وعدم تداخل السعف مما يسهل نضج الثمار تحت الشمس القوية كما يخضع الري لمقننات دقيقة تختلف بين الفسائل التي تحتاج رياً يومياً والنخيل الكبير الذي يسقى كل أربعة أيام صيفاً وعشرة أيام شتاءً وهي قوانين ترجمها ابن الشباط إلى واقع هندسي يحفظ الحقوق ويمنع النزاعات.
ويتمحور النظام الرمزي الجريدي أيضاً حول سوسيولوجيا الرموز المتمثلة في الملحفة التوزرية والعمارة والزاوية فالملحفة هي اللباس التقليدي الذي يميز نساء الجريد وهي قطعة قماش سوداء تلازم المرأة في زياراتها للمقامات الصوفية مثل مقام سيدي إسماعيل الهادفي ويربط البعض بينها وبين العباءة العراقية كدليل على الجسر الحضاري مع الكوفة وهي تعكس مكانة اجتماعية وجمالية رفيعة.

أما العمارة الجريدية فهي بيان لغوي بحد ذاته حيث تعتمد على الآجر الصغير الملون المرتب في أشكال هندسية ونقوش ليست للزينة فقط بل هي لغة بصرية تحمي البيوت من حرارة الصحراء وتعطي انطباعاً بالوحدة والانسجام الاجتماعي وتتكامل هذه العمارة مع دور الزوايا التي تلعب دور صمام الأمان الاجتماعي حيث يمتزج فيها الذكر بالمديح الشعبي وتذوب الفوارق في رحاب الشيخ والزاوية.
إن دراسة بلاد الجريد تكشف عن مجتمع نجح في تحويل الواحة من مجال جرافي قاحل إلى فضاء حضاري مشع بفضل تكامل العلوم بين الفقه والهندسة والأدب، حيث أثبت علماء المنطقة أن الهوية واللسان هما الحارس الأمين للأصالة. إن الحفاظ على نظام الري التقليدي وتطوير زراعة النخيل يظل مطلباً اقتصادياً وحضارياً للحفاظ على ذاكرة الماء، وتبقى توزر ونفطة ودقاش بملحفتهما السوداء وتمرهما الذهبي وإرث ابن الشباط وعظمة الشابي والخضر حسين قصة لم تكتمل فصولها بعد تستوجب البحث الدائم لاستلهام حلول لمستقبل يجمع بين الحداثة والجذور الضاربة في أعماق التاريخ والجغرافيا لتبقى الكوفة الصغرى منارة للبحث العلمي والروحي ومثالاً حياً على كيف يصوغ المكان لسان أهله وكيف يبني اللسان مجداً يتجاوز حدود الزمن.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق