بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

سيميوطيقا الاحتجاج وبلاغة الهامش في الفضاء الحضري التونسي: قراءة سوسيو-تاريخية في ديناميات المتخيل الجمعي وتحولات عبارة سيب صالح من المركزية الإثنوغرافية إلى الفضاء السيبراني

2026-04-18 285 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سيميوطيقا الاحتجاج وبلاغة الهامش في الفضاء الحضري التونسي: قراءة سوسيو-تاريخية في ديناميات المتخيل الجمعي وتحولات عبارة سيب صالح من المركزية الإثنوغرافية إلى الفضاء السيبراني
تمثل العبارات الشعبية في السياق التونسي مخزوناً دلالياً يتجاوز البعد اللساني المباشر ليتصل ببنى اجتماعية وتاريخية عميقة وتعد عبارة سيب صالح من أكثر التعبيرات كثافة من حيث الحمولة الرمزية والارتباط بالذاكرة الجماعية لمدينة تونس العتيقة.
البحث في أصول هذه العبارة ليس مجرد تتبع لأثر لغوي بل هو استنطاق لتاريخ الهامش الذي كُتب بعيداً عن السجلات الرسمية للبلاط الحسيني أو تقارير المفوض المقيم العام الفرنسي في فترة الحماية.
ولدت العبارة في قلب العاصمة التونسية وتحديداً في المنطقة المتاخمة لربضي باب سويقة وباب الجديد وهي مناطق تمثل تاريخياً عصب الحياة الشعبية والمقاومة الثقافية والسياسية. في هذه الأحياء لم تكن الحكايات تُدوّن بالحبر بل كانت تُتداول بالشفاه في المقاهي والزوايا وبين باعة الخضر وشيوخ الطرائق الصوفية مما جعل من هذه اللفظة حدثاً وجدانياً تحول بمرور الزمن إلى تكنولوجيا احتجاجية عابرة للعصور من ثلاثينات القرن العشرين وصولاً إلى الفضاء الرقمي في القرن الحادي والعشرين.
في تلك الحقبة كانت مدينة تونس تعيش حالة من الازدواجية الحضرية والسياسية فمن جهة هناك المدينة الأوروبية التي صممها الاستعمار الفرنسي بخطوطها العصرية ومن جهة أخرى المدينة العتيقة وأرباضها التي ظلت محافظة على نسيجها التقليدي وقيمها المجتمعية.
في هذا الفضاء التقليدي وتحديداً في أحياء مثل باب سويقة كان يعيش بابا صالح وهو رجل اتسم بوضع ذهني خاص صنفه العقل الرسمي للدولة كمختل عقل بينما صنفه الوعي الشعبي كمجذوب أو وليّ.
تعكس هذه الازدواجية في التصنيف صراعاً بين منطقين: المنطق الرسمي الاستعماري البيروقراطي الذي يرى في الفرد غير المنتج أو غير المنضبط عبئاً يجب عزله والمنطق الشعبي الوجداني الذي يرى في المجذوب بركة تمشي على الأرض،m وكائناً يحمل براءة فطرية وصدقاً يفتقده العقلاء المتواطئون مع السلطة أو المنكسرون أمامها.
كان بابا صالح يتيماً وتائهاً لا مأوى له يجوب الشوارع بثياب مهترئة ويشارك في الأعراس بالرقص ويجلس في الزوايا كوليّ. لم يكن مجرد شخص فاقد للأهلية بالمعنى الإكلينيكي بل كان شخصية عامة في الفضاء الشعبي حيث تبنته الذاكرة الجماعية وتبركت به ليمثل سوسيولوجياً صمام الأمان الوجداني للمدينة فهو الضمير الذي لا يكذب والطفل الذي لا يكبر. وقد وثق هذه الحالة مصور يهودي التونسي عام 1935 في صورة شهيرة حملت عنوان المجنون بابا صالح وهي وثيقة تشهد على تداخل المكونات الدينية والعرقية في تونس آنذاك حيث لم يكن الجنون أو القداسة حكراً على طائفة دون أخرى في الفضاء العام المشترك.

حدث التحول الجذري حين أقدامت سلطات العسكر سواء كانت تابعة للأمن المحلي بإيعاز من السلطات الاستعمارية أو الحرس الرسمي على اعتقال بابا صالح بتهمة الإخلال بالنظام العام أو ربما لمجرد تنظيف الشارع من المهمشين.
كان هذا القرار بمثابة شرارة فجرت غضباً كامناً لأن اعتقال صالح لم يكن مجرد إجراء أمني ضد فرد بل كان خطيئة ضد الذاكرة وتعدياً على حرمة الوجدان الشعبي.
تجمع الناس أمام دار القاضي وهي مكان يحمل رمزية العدالة التقليدية وصرخوا بصوت واحد: سيب صالح و فك على عمك صالح.
لم تكن هذه المظاهرة منظمة من قبل حزب سياسي بل كانت مظاهرة وجدانية عفوية جمعت الرجال والنساء والصغار حيث رأى التونسيون في بابا صالح انعكاساً لهشاشتهم الخاصة أمام تغول الدولة والاستعمار فإذا كان المجذوب المسالم لم يسلم من الاعتقال فمن سيسلم.
بعد إطلاق سراح صالح بفعل الضغط الشعبي لم تمت العبارة بل استقرت في الفهرس اللغوي للتونسيين وانتقلت من كونها طلباً للإفراج عن شخص مادي إلى تعبير مجازي يُستخدم في مواقف متنوعة كطلب الكف عن الإزعاج أو التعبير عن اليأس من إصلاح حال. إلا أن التميز الحقيقي لهذه العبارة يكمن في قدرتها على الانبعاث الرقمي ففي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وتحديداً قبيل ثورة 2011 واجه التونسيون نظاماً رقابياً صارماً على الإنترنت عُرف بعمار 404. في ماي 2010 أطلق مجموعة من النشطاء حملة احتجاجية اختاروا لها اسم سيب صالح وهو ضرب من العبقرية التواصلية التي تستدعي المجذوب المظلوم من الثلاثينات ليدافع عن المستخدم المظلوم في العصر الحديث.

تحول صالح في الفضاء الافتراضي من شخص إلى قيمة وهي حرية التعبير واستخدم المشاركون في الحملة صوراً معدلة تظهر مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرج وهو يحمل شعار الحملة في إشارة إلى أن فيسبوك أصبح هو الفضاء البديل بعد حجب المواقع الأخرى.
سوسيولوجياً تمثل هذه الحملة انتقال الاحتجاج من الشارع الفيزيائي في باب سويقة إلى الشارع الرقمي مع الحفاظ على ذات الجوهر وهو التمرد الرمزي ضد عقل الدولة القمعي.

إن تقديس الشعب لصالح هو في الحقيقة حنين جماعي لتلك الحرية المطلقة التي يمثلها الجنون فعندما قال الناس سيب صالح كانوا يقولون ضمناً اتركونا أحراراً مثله بعيداً عن قوانين الضرائب والخدمة العسكرية والرقابة الاجتماعية.

استمرار العبارة في الخطاب السياسي المعاصر وظهورها في شكل صفحات تسريبات أو تحليلات إعلامية لوصف حالات التغول الرقمي يؤكد أنها الوثيقة غير المكتوبة التي تثبت أن مدينة تونس العتيقة كانت تكتب تاريخها بالصمت أحياناً وبالصرخة العفوية أحياناً أخرى.
لقد اختار الشعب أن يقدس مجنونه لا وزراءه وأن يثق في المشرد لا في الموظف لأن المشرد يمثل البركة التي لا تخضع لمنطق الربح والخسارة.
هكذا تدخل عبارة دارجة سجل التاريخ من أوسع أبوابه لتتحول من مجرد تقليعة لغوية إلى شعار للمقاومة ومرآة لروح شعب يرفض الضيم بأسلوب يمزج بين السخرية والقداسة مواجهاً القوة بالهشاشة والضبط بالحب والنسيان بتخليد اسم رجل بسيط أحبه الجميع.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق