بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

إتحافُ النُّظّارِ بأخبارِ دولةٍ أُقيمَ عِمادُها على العِلمِ والعُمران، واضطربَت أركانُها بسيوفِ الفِتنِ والعُصيان

2026-04-17 249 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
إتحافُ النُّظّارِ بأخبارِ دولةٍ أُقيمَ عِمادُها على العِلمِ والعُمران، واضطربَت أركانُها بسيوفِ الفِتنِ والعُصيان
تطل شمس القرن الثامن عشر على الإيالة التونسية وهي مثقلة بجراح الفتن المرادية التي مزقت النسيج الاجتماعي وأنهكت القوى العسكرية في صراعات أخوية مريرة.
وفي هذا المخاض العسير الذي بلغت فيه الفوضى ذروتها عام 1702 ميلادية بسقوط آخر المراديين، برزت شخصية حسين بن علي تركي كضرورة تاريخية وحتمية حضارية لم تكن تهدف فقط إلى ترميم أركان السلطة بل إلى إعادة صياغة الشخصية التونسية ضمن بوتقة تجمع بين الانضباط العثماني والروح المحلية المتجذرة في الأرض.
إن قصة نشأة الدولة الحسينية ليست مجرد انتقال للسلطة من يد إلى يد بل هي ملحمة بناء انطلقت من ثغور الكاف الحدودية لتستقر في قلب مدينة تونس العتيقة محولة إياها من ساحة للنزاع العسكري إلى ورشة كبرى للعمران التعليمي الذي اتخذ من مدرسة النخلة عنواناً ورمزاً لعهد جديد من الاستقرار والازدهار العلمي.

تبدأ الجذور العميقة لهذه السلالة من جزيرة كريت تلك الجزيرة المتوسطية التي كانت مسرحاً للفتح العثماني الكبير في عام 1669 ميلادية ومنها انحدر علي تركي والد المؤسس حاملاً معه تقاليد الجندية الصارمة ليحط الرحال في الإيالة التونسية منخرطاً في سلك الانكشارية
ولم يلبث أن أثبت كفاءة نادرة مكنته من قيادة حامية مدينة الكاف وهي المدينة التي كانت تمثل العمق الاستراتيجي للبلاد ومفتاح أمنها الغربي.
وفي رحاب الكاف تماهت الأصول التركية مع النبض التونسي حين صاهر علي تركي قبيلة شارن العريقة، ومن هذا التزاوج ولد حسين بن علي في عام 1675 ميلادية، وفي روايات أخرى عام 1669، لينشأ نشأة مزدوجة المشارب، فهو ابن الجندي التركي المنضبط وابن المرأة التونسية المرتبطة بالأرض والقبيلة مما منحه بصيرة سياسية مكنته لاحقاً من فهم التوازنات الاجتماعية المعقدة التي عجز عنها الحكام الوافدون.
لم يكن تدرج حسين بن علي في مناصب الدولة المرادية مجرد صعود وظيفي بل كان بمثابة أكاديمية سياسية وعسكرية صقلت مواهبه فشغل منصب خزندار أي أمين الخزينة في عهد محمد باي بن مراد الثاني وهو ما منحه خبرة في الإدارة المالية ومعرفة دقيقة بموارد الدولة وجبايتها.
ثم انتقل ليتولى منصب آغا صبايحية الترك في عهد رمضان باي قائداً لفرق الخيالة التي كانت تمثل القوة الضاربة وهو ما وثق صلته بالجند وبقبائل المخزن.
ومع وصول مراد الثالث الملقب ببوبالة تقلد حسين منصب كاهية بدار الباشا وولاية دار الجلد وهي مسؤولية اقتصادية كبرى جعلته على تماس مباشر مع الطبقة الحرفية والتجارية في الحاضرة وحتى في الفترة الانتقالية الحرجة بعهد إبراهيم الشريف ظل حسين بن علي رقماً صعباً في المعادلة بفضل كفاءته التي جعلت الجميع يلتف حوله حين وقعت الكارثة العسكرية عام 1705 ميلادية بهزيمة إبراهيم الشريف وأسره لدى داي الجزائر.
في ذلك الصيف القائض من عام 1705 وتحديداً في 12 جويلية اجتمع أهل الحل والعقد من العلماء والأعيان وقادة الجند في ديوان المدافعية أمام القصبة وكان الخوف من الانهيار الشامل هو المحرك الأساسي لمبايعة حسين بن علي وهي بيعة وصفها المؤرخون بالشرعية والاضطرارية
وتكرست رسمياً في 15 جويلية 1705 الموافق للعشرين من ربيع الأول سنة 1117 هجرية.
ومنذ اللحظة الأولى أدرك حسين باي أن استمرارية حكمه لا تقوم على القوة العسكرية وحدها بل على كسب ثقة العلماء والعامة عبر مشاريع عمرانية وتعليمية تعيد للبلاد هيبتها الروحية والعلمية ومن هنا ولدت رؤيته لتأسيس المدارس التي كانت مدينة تونس تفتقر لزيادتها بعد سنوات الإهمال.

لقد كانت مدرسة النخلة هي التجسيد الأسمى لهذه الرؤية فبعد أن أسس المدرسة الحسينية الصغرى في عام 1711 ميلادية الموافق لعام 1123 هجرية بنهج تربة الباي شرع في عام 1124 هجرية في بناء ما عرف حينها بالمدرسة الحسينية الكبرى والتي انتهى من تشييدها في عام 1126 هجرية الموافق لعام 1714 ميلادية. يقع هذا المعلم الفريد في نهج الكتبية على بعد خطوات قليلة من جامع الزيتونة المعمور ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً بل كان يهدف لخلق تكامل تعليمي حيث تكون المدرسة فضاءً للسكن والمراجعة والتحصيل المباشر تحت إشراف مشايخ الزيتونة.
وتذكر المصادر التاريخية أن الأرض التي بنيت عليها المدرسة كانت في الأصل فندقاً مهجوراً يباع فيه الزبيب،
مما يبرز التحول الحضاري الذي قاده حسين باي بتحويل فضاء تجاري بسيط إلى منارة للعلم والتقوى.

أما عن تسميتها بمدرسة النخلة فقد ارتبطت بنخلة وحيدة كانت تتوسط فناءها الفسيح وقد ذكر المؤرخ الصغير بن يوسف في سجلاته أنه رأى تلك النخلة وكانت تثمر عراجين صغيرة فصارت علامة فارقة في ذاكرة الناس حتى طغى اسمها الشعبي على الاسم الرسمي الذي أراده لها المؤسس.

وتعمقاً في تفاصيلها المعمارية نجد أن مدرسة النخلة تمثل ذروة التمازج بين العمارة العثمانية والروح التونسية الأندلسية فهي تتألف من فناء مركزي مربع الشكل تحيط به أروقة مسقوفة تقوم على أعمدة من الرخام والكذال وتتوزع حول هذه الأروقة غرف سكن الطلاب التي صممت لتوفير الهدوء والسكينة للتحصيل.
ويضم الجانب القبلي من المدرسة مصلى فسيحاً يزدان بمحراب من الرخام الملون الموشى بنقوش هندسية دقيقة بينما تكسو الجدران مربعات من الخزف التونسي الملون الذي يضفي برودة وجمالاً على المكان.

كانت الوظيفة الأساسية لمدرسة النخلة هي تحفيظ القرآن الكريم وتدريس العلوم الشرعية وفق المذهب المالكي وقد أوقف لها حسين باي أوقافاً واسعة من الأراضي والمحلات التجارية لضمان استمراريتها وتوفير المنح للطلاب والمدرسين وهو ما جعلها مقصداً لطلاب العلم من مختلف جهات الإيالة ومن المغرب الكبير والأندلسيين المهاجرين.

ولم تكن مجرد مبنى بل كانت مؤسسة اجتماعية متكاملة توفر المأكل والمشرب والملبس لطلابها مما ساهم في خلق طبقة من العلماء الموالين للدولة والمنخرطين في مشروعها الإصلاحي.
وقد استمرت هذه الرسالة عبر القرون فحتى بعد تقلبات العصور، رممت المدرسة في عام 1979 ميلادية لتصبح مقراً للجمعية القرآنية الجهوية بتونس ولتدرج ضمن التراث العالمي لليونسكو كشاهد حي على عصر النهضة الحسينية الأول.
لم يكتف حسين باي بالحاضرة بل امتدت يده المعمرة إلى القيروان تلك المدينة التي كانت تعاني من ويلات الدمار الذي خلفه مراد بوبالة، فقام بين عامي 1705 و1712 ميلادية بإعادة بناء أسوارها وترميم جوامعها وحفر المواجل لتأمين المياه وكأنه يريد أن يبعث برسالة مفادها أن الدولة الحسينية هي حامية الهوية الإسلامية في تونس.
وفي عام 1726 ميلادية توج مشاريعه ببناء الجامع الجديد في نهج الصباغين وهو مركب معماري يضم مسجداً بمئذنة مثمنة بارتفاع 16.7 متر، ومدرسة وتربة، وقد استجلب له أفضل الصناع وزينه بخزف إيزنيك التركي الفاخر ليكون مدفناً له ولأبنائه في تربة القاسمين التي بنيت بين عامي 1724 و1729 ميلادية.

إلا أن هذه النهضة العمرانية والتعليمية اصطدمت بصخرة الصراعات العائلية المأساوية ففي عام 1726 ميلادية اتخذ حسين باي قراراً بتغيير ولاية العهد من ابن أخيه علي باشا إلى ابنه الأكبر محمد الرشيد وهو القرار الذي فجر بركان الفتنة الباشية الحسينية التي استمرت من عام 1728 إلى عام 1740 ميلادية.
انقسمت البلاد إلى معسكرين، حزب حسيني يمثل الحاضرة والشرعية والعمران وحزب باشي يمثل القبائل المتمردة والطموح العسكري العنيف.
ورغم انتصارات حسين باي الأولية ولجوء علي باشا للجزائر إلا أن التدخل الخارجي وتغير الولاءات القبلية في معركة سمنجة بأوت 1735 ميلادية أدى لاندحار الحسين وفقدانه للعاصمة لينسحب إلى القيروان حيث تحصن بها خمس سنوات محاولاً الدفاع عن حلمه في الدولة المستقرة.

وصلت المأساة إلى ذروتها في 13 ماي 1740 ميلادية حين تمكنت قوات علي باشا بقيادة ابنه يونس من دخول القيروان وسقط حسين باي أسيراً بعد أن أدركه القدر وفي اللحظة التي شهر فيها يونس سيفه ليقطع رأس عمه الذي رباه خاطبه حسين بوقار الملك الذي شارف على النهاية مذكراً إياه بصلة الرحم فكان الجواب الذي خلده التاريخ واختصر بشاعة الصراع على السلطة بأن الملك عقيم.
قُتل المؤسس وسُحل رأسه إلى تونس ليوضع في بطحاء القصبة كإعلان عن انقطاع عهده لكن التاريخ كان له رأي آخر فإذا كان الملك قد انقطع بقتل صاحبه فإن مدرسة النخلة ظلت قائمة تنطق بذكراه وإذا كان علي باشا قد استولى على العرش بالقوة فإن حسين بن علي استولى على الذاكرة الجماعية بالعدل والعمران.
التقييم التاريخي الذي قدمه أحمد بن أبي الضياف في كتابه الإتحاف يضع حسين باي في مرتبة الحكام الصالحين الذين جعلوا من العلم سلاحاً لبناء الدولة فوصفه بالتقوى والشجاعة والرفق بالرعية معتبراً أن مقتله كان نكبة أصابت تونس في مهد نهضتها.
كانت مدرسة النخلة وما زالت برهاناً ساطعاً على أن أثر الحكام الحقيقي لا يقاس بسنوات حكمهم ولا بالحروب التي خاضوها بل بتلك الزوايا والمدارس التي احتضنت العقول وحفظت الهوية من الاندثار.
كل زاوية في مدرسة النخلة وكل نقش على جدران الجامع الجديد وكل حرف يحفظ في رحابها اليوم هو انتصار متجدد لروح حسين بن علي على سيف يونس وهو تأكيد على أن النخلة التي غرسها المؤسس في قلب المدينة العتيقة قد ضربت جذورها في عمق التاريخ التونسي لتثمر علماً ينفع الناس ويبقى خالداً خلود الحقيقة والجمال.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق