[ العربية | Français | English ]

فحص مشروع محمد عابد الجابري بمنهج النمذجة الفكرية

من نقد تكوّن العقل العربي إلى فحص نقطة الأصل للمجال المعرفي ومسار اشتقاق المعنى

الفحص المنهجي

من نقد تكوين العقل العربي إلى فحص نقطة الأصل

لا ينطلق هذا الفحص من المفاضلة بين مشروع محمد عابد الجابري ومنهج النمذجة الفكرية، ولا من إنكار القيمة النقدية لمشروع الجابري، وإنما يحدد موضع الفعل المعرفي في مشروعه، والمجال الذي يتحرك داخله لإنتاج المعنى.

عاد الجابري إلى تكوّن العقل العربي وتاريخه المعرفي، وخاصة إلى عصر التدوين، وكشف أنظمة البيان والعرفان والبرهان وآليات اشتغالها. أما منهج النمذجة الفكرية فيتقدم بسؤال أسبق: ما نقطة الأصل التي تأسس منها المجال المعرفي الذي نتحرك فيه؟ وما المركزية التي تنتظم منها إحداثياته ومجال معانيه؟

ومن هنا لا يكون الفرق بين المشروعين مجرد فرق بين «الإبستمولوجيا» و«النمذجة»، بل فرقًا في مستوى النظر إلى المجال نفسه: هل يعود الفعل إلى جذور البنية داخل المجال، أم يعيد فحص المجال الذي أنتج هذه البنية وأدوات النظر إليها؟

الإطار المنهجي

ثلاثة مفاهيم تحدد موضع الجابري في الفحص

01

المفكر التابع: التبعية في الفعل لا في الموقف

المفكر التابع ليس بالضرورة من يدعو للآخر أو يوافقه، وإنما من يتحرك داخل إحداثيات مجال معرفي سابق، فينقل آليات تفكيره أو يعيد تبني منهجه أو يشتق معانيه ضمن تصوره، ويظل منضبطًا بسقفه وحدوده دون إعادة تأسيس نقطة أصله.

02

نقطة الأصل: جذور الموضوع أم جذر المجال؟

العودة إلى جذور موضوع ما لا تعني بالضرورة العودة إلى نقطة الأصل للمجال الذي ننتج منه معرفتنا عنه. لذلك يميز MANHAJ بين فحص جذور البنية داخل المجال وفحص الأصل الذي تأسس منه المجال نفسه.

03

الحركة البعدية: اشتقاق المعنى داخل مجال مؤطر

الحركة البعدية هي أن يبدأ الفعل المعرفي من مجال سبق تأطيره وتحديد إحداثياته، ثم يعيد قراءة موضوعاته أو نقدها من داخله. ويمكن أن يكون هذا النقد عميقًا، لكنه يظل اشتقاقيًا بالنسبة إلى المجال ما لم تُراجع نقطة أصله.

مبدأ الفحص: لا يُقاس المفكر التابع بمدى موافقته للغرب أو معارضته له، وإنما بمدى استقلال موضع الفعل المعرفي عن المجال الذي أنتج أدواته وإحداثياته. ولذلك يمكن أن يكون المفكر ناقدًا للغرب، ومع ذلك يتحرك بعديًا داخل المجال الغربي إذا لم يجعل نقطة أصله ومركزيته موضوعًا تأسيسيًا سابقًا على فعله.
التطبيق على الجابري

العودة إلى جذور العقل العربي لا تعني بالضرورة العودة إلى نقطة أصل المجال

يتميز مشروع الجابري بأنه لا يكتفي بالتعامل مع العقل العربي في صورته الحاضرة، بل يعود إلى تاريخ تكوّنه، وإلى عصر التدوين، ليفحص البنيات والأنظمة المعرفية التي تشكل من خلالها، ويعيد قراءة العلاقات التي انتظمت بينها.

غير أن منهج النمذجة الفكرية يميز بين جذور موضوع داخل المجال ونقطة الأصل التي تأسس منها المجال نفسه. فالجابري يعود إلى جذور تكوّن العقل العربي، لكنه لا يجعل، في هذا المستوى من التحليل، نقد نقطة أصل المركزية الغربية أو مساءلة مركزيتها العقدية شرطًا سابقًا على الفعل المعرفي الذي يقوم به.

ومن ثم فإن العودة إلى الماضي عند الجابري لا تجعل الحركة قبلية بالضرورة. فبالنسبة إلى المجال المفاهيمي الذي يعتمد عليه في إنتاج المعرفة، يبدأ الفعل من مجال قائم وأدوات نظر متشكلة، ثم يتجه إلى إعادة قراءة العقل العربي داخله؛ أي إنه يتحرك بعديًا في مسار اشتقاق المعنى.

أربعة محاور

المفكر التابع والحركة المعرفية

لا تختزل هذه المحاور مشروع الجابري، وإنما تحدد الفرق في موضع الحركة المعرفية بين مشروعه ومنهج النمذجة الفكرية.

1. العودة إلى الجذور: جذور الموضوع أم جذر المجال؟

محمد عابد الجابري

عاد إلى تاريخ تكوّن العقل العربي، ولا سيما عصر التدوين، ليفحص تشكل أنظمة البيان والعرفان والبرهان وبنية العقل الذي انتظمت داخله. إنها عودة عميقة إلى جذور الموضوع وبنيته التاريخية.

فوزي مسعود – المنهج

لا يكتفي بالسؤال عن جذور البنية داخل المجال، بل يضيف سؤال جذر المجال نفسه: من أين تأسس؟ وما نقطة الأصل التي تحدد إحداثياته؟ وما المركزية التي تنتظم منها معانيه وعلاقاته؟

2. المفكر التابع: الموقف من الغرب أم موضع الفعل؟

محمد عابد الجابري

لا يصح اختزال مشروعه في الدعوة إلى الغرب أو في قبول أطروحاته؛ فهو يمارس نقدًا للعقل العربي ويعيد بناء علاقته بالتراث. لكن معيار التبعية هنا لا يتعلق بموقفه المعلن من الغرب، بل بالمجال الذي تتحرك فيه أدوات فعله المعرفي.

فوزي مسعود – المنهج

يعرّف التبعية بوصفها تبعية في موضع الفعل المعرفي: نقل آليات التفكير، أو إعادة تبني المنهج، أو الحركة داخل التصورات السابقة، أو الانضباط بسقف المجال وحدوده دون إعادة تأسيس نقطة الأصل.

3. الحركة البعدية: نقد داخل المجال واشتقاق المعنى

محمد عابد الجابري

ينطلق من أدوات ومفاهيم معرفية قائمة، ثم يستخدمها لإعادة قراءة العقل العربي وتاريخه وبنياته. وبذلك يكون فعله، بالنسبة إلى المجال المفاهيمي الذي يعتمد عليه، حركة بعدية اشتقاقية لا تبدأ بإعادة تأسيس نقطة الأصل للمجال.

فوزي مسعود – المنهج

يجعل الفحص القبلي سابقًا على الفعل التفصيلي: تحديد نقطة الأصل والمركزية العقدية والمجال المفاهيمي وإحداثيات المعنى قبل الاشتغال الاشتقاقي داخل المجال.

4. نقد الغرب بأدوات المجال: حدود النقد وسقفه

محمد عابد الجابري

يمكن لمشروعه أن ينتقد جوانب من الحداثة أو من الفكر الغربي، وأن يستفيد من أدوات ومفاهيم تشكلت في الحقل الحديث. لكن النقد، من منظور MANHAJ، لا يتجاوز التأسيس بالضرورة ما لم يتناول نقطة الأصل والمركزية التي أنتجت المجال وأدواته.

فوزي مسعود – المنهج

يميز بين نقد الموجود ونقد تأسيس الموجود. فالسؤال ليس فقط: ماذا ننقد؟ بل: من أين جاءت أدوات النقد؟ وفي أي مجال للمعنى تتحرك؟ وما الذي يفترضه هذا المجال قبل بدء الفعل المعرفي؟

الخلاصة المنهجية

يمكن العودة إلى الجذور دون تجاوز المجال الذي ينتج منه الفعل المعرفي

تكمن خصوصية فحص مشروع الجابري في أنه لا يصح وصفه بأنه يكتفي بسطح الظاهرة أو بتفاصيلها؛ فقد عاد إلى جذور تكوّن العقل العربي، وجعل تاريخ البنية المعرفية موضوعًا أساسيًا في مشروعه.

لكن منهج النمذجة الفكرية يضيف مستوى آخر من السؤال: هل هذه الجذور هي جذور الموضوع داخل المجال، أم أنها نقطة الأصل للمجال الذي ينتج منه الفعل المعرفي نفسه؟ ومن هذه الزاوية لا يجعل الجابري، في مشروعه كما يُقرأ هنا، نقد نقطة أصل المركزية الغربية أو مساءلة مركزيتها العقدية شرطًا سابقًا على فعله المعرفي.

ولذلك يمكن فهم مشروعه، بالنسبة إلى المجال المفاهيمي الذي يعتمد عليه، بوصفه حركة بعدية في مسار اشتقاق المعنى: يبدأ من مجال مؤطر ومحدد الإحداثيات، ثم يعيد قراءة العقل العربي وتاريخه وبنياته داخله. ولا يعني ذلك أن نتائجه بلا قيمة أو أن نقده غير حقيقي، وإنما يعني أن سقف الفعل المعرفي يظل، منهجيًا، مرتبطًا بسقف المجال الذي لم تُراجع نقطة أصله.

وهنا تتحدد دلالة المفكر التابع: ليست التبعية في أن يدعو المفكر للآخر، وإنما في أن يتحرك معرفيًا داخل مجال الآخر، فيستخدم آلياته أو تصوّراته أو مناهجه، أو يظل منضبطًا بسقفه وحدوده، حتى عندما يكون موضوع فعله هو نقد بعض الغرب أو نقد آثار المركزية الغربية.

ومن ثم فالسؤال الذي يضيفه منهج النمذجة الفكرية ليس: «هل نقد الجابري الغرب؟»، وإنما: «هل أعاد النظر في نقطة الأصل والمركزية التي أنتجت المجال الذي يتحرك فيه فعله المعرفي، أم ظل فعله اشتقاقيًا داخل هذا المجال؟» فالنقد الذي يطاول الموجود وبنياته وعلاقاته لا يساوي بالضرورة نقدًا للتأسيس الذي أنتج الموجود.

منصة فحص المشاريع الفكرية العودة إلى منصة فحص المشاريع الفكرية ومنهج النمذجة الفكرية للمشاريع الفكرية المعاصرة.

الإحالة إلى هذه الصفحة

مسعود، فوزي. (2026). فحص مشروع محمد عابد الجابري بمنهج النمذجة الفكرية. موقع بوابتي (MyPortail). https://www.myportail.com/compare_aljabri_faouzi_messeoud_epistemology.php