الأكثر قراءة   المقالات الأقدم    
 
 
 
 
تصفح باقي إدراجات الثورة التونسية
مقالات الثورة التونسية

الإيمان بين الجسد والروح؟

كاتب المقال - طلال قسومي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


محزنة هي أيام الكلمة اليوم، فبعد أن انتهي عصر سجنها وتم الإعلان عن ميثاق حريتها هاهي اليوم تقف على عتبة باب شيخ ليس ككل الشيوخ طلبا لجواز العبور فالكلمة في وطني أصبحت "تحتاج إلى جواز عبور"، ففي وطني تحزن الكلمة ويشكر أصحابها بالبصاق، فهل معقول أن نشكر من ساهم في ميلاد ترياق لقاح العقل وإنارة السبيل بمثل هذه الطريقة؟ أليس عيبا علينا يا أبناء وطني أن نقف في طابور منع الكلمة من المرور، وهل لأصحابها من إثم غير كونهم أناس كرموها وألوها حقها، في زمن غابت و انتفت فيه الحقوق، زمن تقدمت فيه الشعوب إلى الساحات لتقدم قرابين للحرية.

عشنا زمنا طمست فيه الآراء، في زمن كان فيه السجن والقضبان نصيب الكلمة، في زمن الزبانية تخشى فيه الكلمة الحرة، وتعرف مقدار تأثيرها في الشعوب حينها كان رواد القلم يسرقون الورق والحبر ليكتبوا على البياض معاناة المرء، ويكشفون الأقنعة لإنارة السبيل. ولكن اليوم أضحى هؤلاء في مرمى الأفواه لتقذفهم بشتى أنواع النعوت وتتهم بمعادة العقيدة، ويكفرون من شيوخ البدعة، فهل هذا هو المصير الذي يستحقون؟ أم أننا عدنا لعصر التقصير في فهم الفكر والتعاطي مع منتجيه بالنفي والطرد والحرق؟ ذاك العصر الذي لم يحترم فيه "ابن رشد" وحرقت فيه كتب المفكرين، أم أننا في عصر تنشط فيه الأجساد بعضلاتها ويفند فيه الفكر، عصر تحول فيه الحوار لحوار العضلات وليس للفكر من أهمية.

هذا هو زمننا يا سادة، هذه الثورة يا إخوتي، أو كما قال المناضل الحقوقي بالأمس وسيد قرطاج اليوم "هذه الثورة يا مولاتي" فقولوا ما شئتم وافعلوا ما أملته عليكم أجسادكم ولكن بلادي لها من العزة والشرف ما يجعلها تقدم مرة أخرى على طرد أبناءها الضالين، فلا تحسبنها غافلة، فقد صنعت التاريخ ببسالة أحفاد "خير الدين" وعظمة نضال أبناء "الحشاد" ولن تتولى على زعزعت التراب تحت أقدام الظالمين فكما عودتنا لا صبر لها على الظلم والقهر، فلست بلادي من يعدم فيها "كوبارنيكي"، وليست بأرض يستباح فيها الطغيان باسم الجلباب أو باللحية، مهما طالت اللحي وقدست، فمن المحال يا سادة أن ترسم نسخة أخرى من جنوب اليمن أو افغانستان في تونس، ولا يمكن أن نمضي نحو النسيان، نسيان كون هذه الأرض الكريمة هي من سمحت بحلول الجلباب والعمامة في شوارعها بعدما تكاتفت وطردت السيدة الحلاقة ومن كان يؤكد وجوده تحت مظلة اللحية وإرهابها، طردتهم هذه الأرض بل إنها أنكرت نسبهم لأنهم ضالون ولم يفهموا عزة أرضهم وواجهة تاريخهم و لها من الشرف والقوة ما يجعلها تفرش مرة أخرى الشوك في شوارعها وترفع صوتها العظيم بكلمة "ارحل" إن جاء من يفسد عليها نكهة ونشوة ثورتها المجيدة.

وبالصبر ترد على من تساوره نفسه أن يبني شكل جديد من الطغيان والعربدة بفرض أفكاره الملتحية فهي تعرف كون "السفساري" و"البرنس" لباس أبناءها الأوائل ولم تشهد يوما في تاريخها الممتد أبناءها يغطون أنفسهم بألوان وأقمشة فصلت في موطن غير موطنها ولا تتماشي مع طباعهم، تصبر وترد بالقلم والحجاج على من يرونا في أنفسهم أقرب إلى الرب من غيرهم، فبلادنا تعلم كون الرب للجميع دون تفرقة ولا مجال لفرض الأفكار بالقوة والتجمع تحت غطاء فرض النظام الأوحد بالسيطرة على أماكن العبادة التي تنزه من كل فعل مشين. وبلادي تحبذ السجال الفكري بدل الصراع الجسدي فاللغة التي بعثتها في أكاديميتها العلمية هي لغة الحوار والإقناع، ثم يا إخوتي في الجغرافيا والتاريخ ألم يكن المنهج الجسدي المتصادم سببا في خشية الناس من ديننا؟ ألم يمنع سيد البشر وخيرهم "محمد" ( صلى لله عليه وسلم) أن تسيطر لغة الجسد والقتال يوم دخوله مكة المكرمة بالرغم من الترسانة العسكرية العظيمة التي كانت تحت آمراته إلا أنه فضل الحوار والسلم بدل التطاحن الجسدي، ثم لماذا لا نقتنع بكون لغة الجسد هي سلاح الضعفاء فلماذا لا نخير لغة الترغيب بدل الترهيب، فعصر الوساطة بين الرب والعبادة ولّى ولم يعد مجال للتفاضل بين العباد إلا بالعمل الصالح وحسن التصرف. فلا مجال للعربدة وفرض الفكر الواحد في بلاد ترعرع أبناءها في الأكاديميات العلمية ويعرفون جيدا قيمة السجال في بزوغ الحقيقة، فلنترك القلم والحوار الفاصل بين المختلفين بدل من التسلح باللحية والإدعاء بالقرب من الرب، ليكن الفيصل السجال المتكافئ وكل يطرح وجهة نظره فالإيمان الحق هو إيمان الروح وليس الأجساد، فالجسد يبقي مجرد أداء لنشر أفكار الروح والتقرب من الرب لا يكون بالمظهر دون التطهر من نجاسة النفس، لنترك إيمان الأجساد لمن يتعطرون بالمظاهر لغاية في نفس يعقوب، فالجسد اليوم أصبح مطية لتمرير راغبات ونزوات الذوات بغية تحقيق الآمال المرجوة من الدنيا بدل التقرب من الذات الإلهية فهل نحن في زمن تكون فيه العبادة بالجسد بدل الروح؟ ثم أليس هذا الجسد هو شأن دنيوي فحين تفارقه الروح يردم في الأرض وهي ترتقي للسماء، فإن كان سميا ومقدسا لدرجة أن يكون هو وسيلة لإبراز الإيمان من الكفر فلماذا يتركه ملك الموت ويأخذ الروح؟ أليس هو موطن النجاسة فلماذا نريد تحويل وجهة ديننا السامية من الإيمان بالعمل الصالح وتقبل الأخر إلى إيمانا يفرق بين الكافر والمؤمن بهيئة الجسد؟

---------
- طلال قسومي
- باحث أكاديمي متحصل على الماجستير في علوم وتقنيات الفنون
- أستاذ متعاقد بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقيروان.
- بصدد إعداد أطروحة الدكتوراه إختصاص نظريات الفن


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، الجماعات السلفية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-05-2012  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك
شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
إياد محمود حسين ، حاتم الصولي، د. عبد الآله المالكي، خالد الجاف ، عبد الله الفقير، طلال قسومي، د. أحمد محمد سليمان، محمود صافي ، سلام الشماع، د - محمد سعد أبو العزم، د - المنجي الكعبي، كريم السليتي، سيد السباعي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، صالح النعامي ، د. الشاهد البوشيخي، فتحي الزغل، فاطمة حافظ ، د - مضاوي الرشيد، سحر الصيدلي، د. عادل محمد عايش الأسطل، علي عبد العال، حسن عثمان، د. مصطفى يوسف اللداوي، مصطفى منيغ، مجدى داود، د. طارق عبد الحليم، حمدى شفيق ، د - شاكر الحوكي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، محمد الطرابلسي، د - غالب الفريجات، ابتسام سعد، عواطف منصور، فتحـي قاره بيبـان، د. صلاح عودة الله ، جمال عرفة، محمد شمام ، عصام كرم الطوخى ، يحيي البوليني، د.محمد فتحي عبد العال، عبد الغني مزوز، إيمان القدوسي، د - الضاوي خوالدية، الهيثم زعفان، أ.د. مصطفى رجب، محمد العيادي، د. أحمد بشير، محمود فاروق سيد شعبان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، حسن الحسن، سيدة محمود محمد، د - مصطفى فهمي، نادية سعد، د- محمد رحال، المولدي الفرجاني، أشرف إبراهيم حجاج، صباح الموسوي ، عبد الله زيدان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، صفاء العراقي، د. جعفر شيخ إدريس ، ماهر عدنان قنديل، سامر أبو رمان ، د. محمد مورو ، رافع القارصي، د - أبو يعرب المرزوقي، تونسي، د - احمد عبدالحميد غراب، محمود طرشوبي، د. خالد الطراولي ، عراق المطيري، أحمد ملحم، محمد تاج الدين الطيبي، منجي باكير، هناء سلامة، عمر غازي، يزيد بن الحسين، فوزي مسعود ، مراد قميزة، حسن الطرابلسي، محمود سلطان، العادل السمعلي، ياسين أحمد، د. محمد عمارة ، صفاء العربي، د- هاني السباعي، د- جابر قميحة، شيرين حامد فهمي ، د.ليلى بيومي ، محمد الياسين، رضا الدبّابي، مصطفي زهران، فراس جعفر ابورمان، د. الحسيني إسماعيل ، عزيز العرباوي، الهادي المثلوثي، أحمد بوادي، وائل بنجدو، صلاح الحريري، كريم فارق، أحمد الغريب، محمد اسعد بيوض التميمي، جاسم الرصيف، رأفت صلاح الدين، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، منى محروس، أنس الشابي، د - محمد بنيعيش، رافد العزاوي، د - محمد بن موسى الشريف ، د - محمد عباس المصرى، محمد أحمد عزوز، د- هاني ابوالفتوح، الشهيد سيد قطب، إسراء أبو رمان، د. محمد يحيى ، د- محمود علي عريقات، سوسن مسعود، فاطمة عبد الرءوف، د. نانسي أبو الفتوح، عدنان المنصر، د. كاظم عبد الحسين عباس ، حميدة الطيلوش، د - صالح المازقي، أبو سمية، أحمد النعيمي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، سامح لطف الله، عبد الرزاق قيراط ، صلاح المختار، سعود السبعاني، د . قذلة بنت محمد القحطاني، معتز الجعبري، فتحي العابد، رحاب اسعد بيوض التميمي، سلوى المغربي، علي الكاش، رمضان حينوني، فهمي شراب، خبَّاب بن مروان الحمد، رشيد السيد أحمد، محرر "بوابتي"، بسمة منصور، سفيان عبد الكافي، إيمى الأشقر، أحمد الحباسي، محمد إبراهيم مبروك، د. نهى قاطرجي ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، محمد عمر غرس الله، الناصر الرقيق، كمال حبيب،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضات من طرفه أومن طرف "بوابتي"

كل من له ملاحظة حول مقالة, بإمكانه الإتصال بنا, ونحن ندرس كل الأراء