الأكثر قراءة   المقالات الأقدم    
 
 
 
 
تصفح باقي إدراجات الثورة التونسية
مقالات الثورة التونسية

تونس: غربان الليالي الأخيرة

كاتب المقال فوزي مسعود - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


ما انفكت الثورة التونسية تسجل التفرد في العديد من الجوانب، من ذلك طبيعة طيف الجهات المضادة للثورة، إذ أبان الحراك بتونس عن جوانب تخص أطرافا تواجدت في خضم التحولات وبالتحديد تلك التي طالما مثلت أدوات تكريس حالة الإعاقة التي شلت بلادنا طيلة عقود، وهي أطراف وإن بدا أنها متباينة ظاهريا فإنها تتحد موضوعيا في رفض مآلات الثورة التي تقول بوجوب اقتلاع كل عوامل إنتاج وإدامة حالة التبعية الثقافية والفكرية، وعوامل استغلال التونسي، وتسطيح أبعاده لبعد مادي يتيم يقع من خلاله التحكم في الفرد وتوجيهه.

عوامل تعطيل الثورة تستمد قوتها من تشعب الأطراف الخائفة من تقدم مسار التاريخ نحو الأفق الرحب، ثم من تنوع منطلقاتهم، وهذه إحدى تفردات الثورة التونسية.
فالذين يتحركون في مسار الثورة المضادة ينضوون في طيف واسع يبدأ من اليمين حيث مرتزقة الدين كالمفتي وعموم أئمة المساجد الذين طالما مثلوا أدوات نظامي بورقيبة وبن علي في تشريع الواقع من خلال التلاعب بنصوص الإسلام، وينتهي إلى أقصى اليسار حيث محترفو العبث خارج التاريخ وهواة تصريف فائض الطائقة في ما تيسر من اللغو كرفع رايات ستالين ولينين.

وبين الطرفين يتواجد كمّ كبير من عصابات التوجيه الفكري الذين مثلوا أدوات الأنظمة السابقة في عمليات الاقتلاع والإلحاق الثقافي، ثم يوجد كذلك مبدعو طقوس غسيل المخ الجماعي من الذين تحكموا في المنظومة الإعلامية التي عملت بسطوة وبإبداع كبيرين على تكريس الواقع من خلال مكر الليل والنهار المتصل، ويليهم لوبيات الفساد المالي والاقتصادي.

كل هؤلاء انبروا في رد فعل منفعل منفلت أحيانا ومحكم أحيانا أخرى، بعد خسارتهم في الانتخابات واستشعار رفض التونسيين لهم، ردود فعل متوترة جاوزت المدى حد الانتقال لمراحل متقدمة من العمل المادي الذي يعمل على إدخال البلاد في حالة الفوضى، ولسان حالهم يقول عليّ وعلى أعدائي.

وقسم هؤلاء الخائبون الفاشلون الأدوار، وهو في مساعيهم الرافضة لاختيار التونسيين الممثلة في الانتخابات، لا يزيدون إلا أن يؤكدوا على حقيقة أنهم لازالوا كما عهدوا مجرد عوائق ضد مصالح التونسيين، وإنهم بما يفعلون إنما مثلهم مثل من يريد وقف سير القطار المسرع، وهم في ارتباكهم ونعيقهم المتصل أبدا إنما مثلهم مثل الغربان حينما تستشعر دنو أجلها وإقبال الصبح بعد إدبار الليل، نعيق الغربان الخائبة المشفقة من النور والعمران وهي التي طالما استئنست بالظلام والخراب، الغربان الخائبة المرتجفة من العفة والنظافة والألق وهي التي طالما ارتزقت من السحت والعفن وجيف الكلاب.

إذا كان مفهوما أن يكون رؤوس هذه الأطراف هم عموما سقط متاع المجتمع وأراذلهم، فإنه لايفهم كيف يقع التغرير بالبعض من عموم الناس حد الانضمام إليهم في تنظيماتهم التي تشبه كل شيء لا ان تكون تنظيمات حزبية، لا يفهم كيف يسمح البعض لنفسه مثلا داخل النقابات أن يكون حطب معارك يقودها هؤلاء بعدما عجزوا على المواجهة بالمجتمع، علما أن النقابات تعد من ضمن الملاذات الأخيرة المتبقية لهؤلاء، وذلك لاعتبار تاريخي موضوعي حيث أنفرد هؤلاء بتلك المؤسسات بعدما خلا لهم الجو إبان عقود تسلط الأنظمة المتعاقبة على التونسيين وتحالفهم هم معها في تلك المواجهات، فانفردوا بالأمر ليبيضوا ويعششوا هناك ويكتسبوا القوة التي يستعملونها اليوم لقيادة أخر معاركهم واستهلاك آخر خراطيشهم، مستغلين براءة البعض ممن لازال على قدر معتبر من السذاجة بحيث يصدق شعارات هؤلاء في الدفاع عن المحرومين كما يزعمون.

على المنخدعين بمزاعم الذين يريدون إحراق البلاد أن يعرف أنه إذا كان الغراب دليل قوم، مرّ بهم على جيف الكلاب، مثلما يقول البيت الشعري المعبّر، فهؤلاء المناكيد لايمكن أن يرى منهم خير أبدا، فهم لم يعرفوا ابتداء مصالح أنفسهم، فأولى أن يعجزوا على أن يكونوا قدوات لغيرهم.

ثم إن هؤلاء وخاصة منهم الذين يعيشون خارج التاريخ ممن يتسمى بمسميات اليسار، ماعرفهم الناس إلا طفيليات لايكادون يعرفون للنشاط المنتج طريقا، ولولا القطاع العمومي الذي تواجدوا فيه بكثرة حين تحالفهم مع الأنظمة السابقة وعششوا فيه وكونوا لوبيات داخله يستظل بها عموم المنتمين لليسار، لكان هؤلاء رافدا مهما على جحافل المتسولين، لأنه يكاد من المستحيل أن تجد يساريا طفوليا يقدر على أن يكون عاملا منتجا في القطاع الخاص. هؤلاء قوم ابتليت بهم مجتمعاتهم، أناس لايعرفون إلا اللغو وتمضية الوقت في البطولات الوهمية، وهم لايكتفون بذلك بل إنهم يريدون جر الناس قصرا لمستواهم المنحدر حيث يقبعون هانئين في الوهم.

ومن المفارقات أن وجوه الشؤم هؤلاء رغم أنهم أشد الناس إسرافا في استهلاك مصطلح النضال، فإن أغلبهم لا يكاد يعرف للنضال طريقا إلا أن يكون النضال في حانات العاصمة، حيث لهم جولات بين تلك الحانات الشعبية ومراحيضها، وهي على الأرجح الأماكن الأشد حميمية لدى مناضلي جماعات اليسار.
على أن بعضهم يجاوز ذلك لصيغ نضالية حداثية أخرى حيث جسد الرفيقات مشاعا عاما، وحيث المرأة لدى هؤلاء الشراذم لا يوجد أرخص منها بما في ذلك الداعرات، وهذا ما يفسر تكاثر الذباب داخل قطعان اليسار.

بقي القول أني وإن كنت غير متأكد أن عموم جماعات اليسار يملكون فضيلة أو شيئا مما يرفع من شأن الفرد، فإني متأكد أن هؤلاء يملكون قدرا كبيرا من الحظ أن جعلهم تحت حكم حركة سياسية تنتمي لفصيلة الرخويات.

حركة تستمد مفاهيمها من ثقافة الخيبات والهزائم، ثقافة تستمرئ الذل والخنوع وترى أن ذلك قوة، وتستلذ الضرب والتعدي عليها وترى أن ذلك صبرا تجازى عليه لدى رب العالمين كما تزعم، ثقافة ترى أن العبرة بالنيات وليس بالنتائج، ثقافة تحبذ الرخاوة ولاتعترف بالشدة، ثقافة تفضل التسيب ولاتعترف بالصرامة، ثقافة تعمل على إرضاء كل الأطراف إلا الذين ينتمون لنفس الصف، ثقافة تعمل على إرضاء الغرب والعلمانيين واليساريين ولكنها تنسى إرضاء المسلمين الملتزمين أبناء صفها، وهي الثقافة التي كان من نتائجها عقود من المراوحة في نفس المكان وآلاف من المعذبين والشهداء والأسر المفككة حينما قادت في تونس ومصر، حركات مشبعة بمثل هذه الثقافة المنهزمة أمام الواقع، المواجهات مع الحكام المتسلطين.

إذن على فلول اليسار أن يفرحوا أنهم بمثل حالهم الآن، لأنه لو كان الوضع غير الوضع لما كان لهاته الكائنات مكان داخل تونس، فهؤلاء سيكونون في أفضل الحالات في السجون وفي المحاكم هذا إن وجدوا أصلا، فضلا على أن يكونوا على ماهم عليه الآن من منعة وجرأة على التونسيين، إذ يقطعون عليهم مسار ثورتهم، ويعملون على إعاقتها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، اليسار المتطرف،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 18-01-2012  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك
شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
كمال حبيب، سامر أبو رمان ، يزيد بن الحسين، أحمد ملحم، وائل بنجدو، أحمد الحباسي، محمد تاج الدين الطيبي، نادية سعد، د - محمد بن موسى الشريف ، كريم فارق، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - صالح المازقي، مجدى داود، عراق المطيري، أبو سمية، عدنان المنصر، سوسن مسعود، د - المنجي الكعبي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رضا الدبّابي، عبد الغني مزوز، د. محمد عمارة ، رشيد السيد أحمد، مراد قميزة، د - غالب الفريجات، سفيان عبد الكافي، د. أحمد بشير، فاطمة حافظ ، د. عبد الآله المالكي، أشرف إبراهيم حجاج، رأفت صلاح الدين، محمود طرشوبي، محرر "بوابتي"، د - احمد عبدالحميد غراب، د- محمود علي عريقات، كريم السليتي، الشهيد سيد قطب، خالد الجاف ، صالح النعامي ، عزيز العرباوي، إياد محمود حسين ، حسن عثمان، د - شاكر الحوكي ، مصطفى منيغ، جمال عرفة، فتحي الزغل، محمود فاروق سيد شعبان، إسراء أبو رمان، د.محمد فتحي عبد العال، عمر غازي، جاسم الرصيف، طلال قسومي، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد شمام ، ابتسام سعد، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د- هاني ابوالفتوح، سامح لطف الله، محمد الياسين، د - الضاوي خوالدية، د. الشاهد البوشيخي، صفاء العراقي، د. نهى قاطرجي ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - محمد سعد أبو العزم، سيد السباعي، د- هاني السباعي، صلاح المختار، فهمي شراب، منجي باكير، سلام الشماع، صفاء العربي، د. الحسيني إسماعيل ، صلاح الحريري، المولدي الفرجاني، سلوى المغربي، شيرين حامد فهمي ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، ياسين أحمد، د - محمد عباس المصرى، د - محمد بنيعيش، أحمد بوادي، د. عادل محمد عايش الأسطل، رافد العزاوي، سعود السبعاني، حسني إبراهيم عبد العظيم، علي الكاش، حسن الحسن، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عصام كرم الطوخى ، ماهر عدنان قنديل، د. نانسي أبو الفتوح، بسمة منصور، فاطمة عبد الرءوف، فوزي مسعود ، د. أحمد محمد سليمان، د. محمد يحيى ، د- جابر قميحة، حمدى شفيق ، إيمان القدوسي، الناصر الرقيق، الهيثم زعفان، هناء سلامة، محمد اسعد بيوض التميمي، يحيي البوليني، عواطف منصور، معتز الجعبري، عبد الله زيدان، حميدة الطيلوش، د - مصطفى فهمي، محمود صافي ، مصطفي زهران، محمد الطرابلسي، إيمى الأشقر، عبد الرزاق قيراط ، فتحـي قاره بيبـان، د. خالد الطراولي ، محمد أحمد عزوز، فتحي العابد، رافع القارصي، د. طارق عبد الحليم، خبَّاب بن مروان الحمد، د. صلاح عودة الله ، العادل السمعلي، محمد العيادي، أحمد الغريب، عبد الله الفقير، منى محروس، أ.د. مصطفى رجب، صباح الموسوي ، حاتم الصولي، محمد عمر غرس الله، أحمد النعيمي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - أبو يعرب المرزوقي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. جعفر شيخ إدريس ، محمد إبراهيم مبروك، رمضان حينوني، محمود سلطان، حسن الطرابلسي، سحر الصيدلي، الهادي المثلوثي، علي عبد العال، د - مضاوي الرشيد، فراس جعفر ابورمان، د. محمد مورو ، د.ليلى بيومي ، أنس الشابي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، سيدة محمود محمد، تونسي، د- محمد رحال،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضات من طرفه أومن طرف "بوابتي"

كل من له ملاحظة حول مقالة, بإمكانه الإتصال بنا, ونحن ندرس كل الأراء