تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

لم يعد للرئيس التونسي ما يقدمه لبلده

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


والأحرى أن نصحح العنوان: لم يكن للرئيس شيء يقدمه للبلاد قبل أن يصير رئيسها، وبعد أن اختبر الناس عمقه وفكره فلم يجدوا إلا بلقعا من الأرض الجدب..

نكتب هذا في نفس الأيام التي جر فيها الرئيس بعض المدونين أمام المحاكم العسكرية ليؤدب حريتهم في التدوين.. ونكتبه في ساعات إعلان نعي مفكر عظيم يسكن قريبا من قصر الرئيس، وقد مرض ولم يعده ورفض سعي مثقفين كبار لتوسيم الرجل ولو على فراش الموت، بما يليق بجهده العلمي والفكري ودوره النضالي كمعارض شرس لنظامي بورقيبة وابن علي.. ونكتبه على وقع رفض الرئيس استقبال ممثل المقاومة المنتصرة في غزة متعللا بأسخف الأعذار (الوقت غير المناسب)، لكن سفير المقاومة عاد خائبا، والمدونون باتوا في السجون، والمفكر توفاه الله، والوسام صار غير ذي معنى، لينفتح لنا برغم الحزن باب للبحث في إضافات الرئيس في تاريخ تونس، وخاصة في جهد البناء الوطني بعد الثورة، وإننا لنأسف أن نجد أرضا يبابا.

انكشاف الخديعة

لم يكمل الرئيس عامين من مدته بعد، ولكن تبين أن كل خطابه الانتخابي كان مزيفا، وكل فعاله السياسية ذهبت عكس اتجاه الخطاب الشعبي الذي تقدم به للناس. كنا ننتظر أن يطوف البلاد محمولا على رصيد انتخابي غير مسبوق في تاريخ البلاد، وأن يشرح للناس مشروعه لتعديل النظام السياسي ليفتح النقاش حول عيوب الدستور الحالي ويتقدم في تجسيد أبوابه، خاصة منها باب الحكم المحلي. لكن الرئيس امتنع عن تقديم أي مبادرة تشريعية وشن حربا على البرلمان ورئيسه خاصة، ثم قسّم الكتل الحزبية فضم إليه البعض واتخذهم حزاما لا يقابل غيرهم، وأقصى آخرين كما لو أنهم نواب غير منتخبين.

ومع تقدم الوقت وجدنا الرئيس يخطط للاستيلاء على السلطة مستعملا قوة الدولة ضد الديمقراطية الناشئة. انتقل بين ثكنات الجيش والأمن محرضا ضد حكومة اختار رئيسها بنفسه، واختار أغلب وزرائها على خلاف ما نص عليه الدستور، فلما التزمت الحكومة بالدستور عطل عملها ورفض قبول يمين الوزراء.

لقد تبين أن القوات المسلحة بكل أصنافها لم تماش الحركة الانقلابية حتى الآن ولا نراها تفعل، لذلك تقدم الرئيس في خطه الانقلابي في مجال آخر، لقد عطل انتخاب المحكمة الدستورية ليحتفظ بحق ادعاه لنفسه وهو سلطته الفردية المطلقة في تأويل الدستور، رغم معارضة كل فقهاء الدستور لتمشيه الأحادي.

بالتوازي، عمل الرئيس على تخريب علاقة البلد بجيرانه، فهو مرفوض في الجزائر، واجتهد في منع تواصل اقتصادي مع ليبيا، ولولا أن الحكومة تجاوزته بالسعي لتم عزل البلد إلا من قناة واحدة هي قناة أعداء الربيع العربي الذين يعتبرهم أشقاء له.

هذا الوضع من القطيعة غير المسبوق في تاريخ البلد هو الإنجاز الأكبر للرئيس المنتخب. فعلاقته برئيس البرلمان انقطعت، ورئيس الحكومة يتحرك دون العودة إليه ولو مجاملا، وقد رأيناه ينحني على كتف الرئيس الفرنسي ويستنكف أن يمد يده لشركائه في الحكم. وقد وصل الآن مرحلة تهديد الحريات الفردية مستعملا المحاكم العسكرية ضد المدنيين. أما موقفه من سفير المقاومة المنتصرة فقد سجل في الخيانة.

الرئيس الجامعي عزل نفسه عن النخبة

آلاف الأسئلة يطرحها التونسيون كل يوم: لماذا لا يخرج من قصره ويتحدث مع الناس حديث ابن الشعب للشعب كما توهم الشعب ذات انتخابات؟ لماذا لا يعبر عن أفكاره في الإعلام، فالرئيس لم يقابل صحفيا واحدا منذ تولى السلطة، والمقابلة الوحيدة (13 دقيقة) منحها لقناة أجنبية؟

لماذا هرب مستشاروه من القصر تباعا؟ ومن يشير عليه الآن في وحدته؟ لقد تسربت معلومات كثيرة عن مال وسخ في حملته الانتخابية، لكنه لم يرد عليها بالقضاء، بل يطالب الحكومة بمطاردة المدونين الذي ينقدونه في السوشيال ميديا. لماذا لا يتحدث مع مثقفي البلد وهم كثر؟ لماذا لا يستضيف ندوات فكرية في القصر كما فعل الدكتور المرزوقي؟ لقد بنى بورقيبة مسرحا صغيرا في قصر قرطاج كان يشاهد فيه قبل الجمهور العروض الأولى وينقد الفنانين ويحاورهم، لكن هذا الرئيس لم ير في عرض فني أبدا ما يستحق. وحتى عندما قابل البعض اختار أبعدهم عن الإبداع، ممن لا يصنف في أهل الفن (ومن يعرف خارج كباريهات العاصمة غلاما اسمه نور شيبة؟).

وتتسع دائرة أسئلة الجمهور: لماذا لا يخرج أنصار الرئيس مفسرين لسياساته (إن كانت له سياسيات كما يزعمون)؟ ولماذا يجنحون إلى لعن كل من يعارضه بكل لفظ سوقي وبكل لغة منحطة دون أن يقدموا أية فكرة بديلة؟ هل لدى الرئيس مشكلة مع مثقفي بلده؟

السؤال في المجالس الشعبية والمقاهي الآن: من هذا الشخص الغريب؟ وما علاقته بنا؟ ويرتد السؤال على أصحابه: كيف خدعنا وانتخبناه؟ ثم ماذا نفعل لننهي المسخرة؟ ويصل الجميع إلى الجملة الأخيرة: هذا الرئيس مات في نفوسنا ونحن الآن بلا رئيس، وبإمكانه أن ينشر ما شاء من أسبار آراء مزيفة عن شعبية في اطراد.

رئيس للنسيان

إن الرئيس باق لأننا فقط لا نملك كلفة تمويل انتخابات رئاسية سابقة لأوانها. هذه الحقيقة التي نقف عليها، ويجب أن يحمد الرئيسُ الوباءَ المتفشي الذي يعيق الذهاب إلى تجمعات انتخابية. بعض أسباب بقاء الرئيس هو وباء كورونا، وبعض صبرنا عليه أن الدستور حجم صلاحياته فلن يلحق بنا ضررا أكثر مما فعل منذ توليه.

كل المؤشرات السياسية تتجه إلى عزله من النفوس ثم من النفوذ، خاصة بعد فضيحة الخطة الانقلابية التي وصلت مكتبه وسكت عنها حتى تسربت من داخل القصر. لقد تحركت الحكومة والبرلمان في اتجاه حلحلة الأزمة الاقتصادية، ونستشعر حركة اقتصادية تدب في أوصال البلد رغم الوباء، كما نستشعر حالة تفهم خارجية للوضع في تونس، فالديبلوماسية الدولية تتحرك في تونس ولا تمر بقصر الرئيس، بما يوحي بأن للبلد أصدقاء ليس منهم من يثق في الرئيس.

لدينا كثير من الصبر والمثابرة، فقد تحملنا نظام ابن علي ربع قرن، ونحن نتصبر بذلك لاحتمال بقية المدة. وقد تلقينا درسا قاسيا نعتقد جازمين أنه سيكون سلاحا انتخابيا أمام الصندوق الانتخابي القادم، فرب صفعة أفاقت غافلا من غفلته. ومن يدري لعل ذلك من بعض ضرورة الوعي الذي تجله الثورات. نقول على بصيرة: هذا رئيس للنسيان، وليس راتبه الشهري هو الخسارة الأكبر في الموازنة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، قيس سعيد، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 16-06-2021   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أحمد الحباسي، د- محمود علي عريقات، ابتسام سعد، د - محمد عباس المصرى، د. محمد مورو ، مصطفي زهران، سعود السبعاني، رافد العزاوي، مصطفى منيغ، د - مضاوي الرشيد، صفاء العربي، أنس الشابي، سامر أبو رمان ، أبو سمية، كريم فارق، د. الحسيني إسماعيل ، فتحي الزغل، علي الكاش، د - محمد سعد أبو العزم، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، عمر غازي، محمد اسعد بيوض التميمي، أشرف إبراهيم حجاج، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عبد الغني مزوز، علي عبد العال، حسن الطرابلسي، د - الضاوي خوالدية، يزيد بن الحسين، د - صالح المازقي، عواطف منصور، فوزي مسعود ، د- هاني السباعي، د - غالب الفريجات، سحر الصيدلي، عبد الرزاق قيراط ، عدنان المنصر، سامح لطف الله، محمد الياسين، محمد شمام ، يحيي البوليني، ياسين أحمد، عصام كرم الطوخى ، محمد عمر غرس الله، تونسي، عبد الله الفقير، وائل بنجدو، الناصر الرقيق، صباح الموسوي ، ماهر عدنان قنديل، المولدي الفرجاني، كريم السليتي، مراد قميزة، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - محمد بن موسى الشريف ، سلوى المغربي، د - شاكر الحوكي ، خبَّاب بن مروان الحمد، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. عبد الآله المالكي، إيمى الأشقر، محمد الطرابلسي، د.ليلى بيومي ، د. نهى قاطرجي ، د- جابر قميحة، فاطمة حافظ ، صلاح الحريري، ضحى عبد الرحمن، منى محروس، د. الشاهد البوشيخي، د. أحمد محمد سليمان، محمد أحمد عزوز، د. محمد يحيى ، الهادي المثلوثي، أ.د. مصطفى رجب، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عزيز العرباوي، أحمد بوادي، د- محمد رحال، عراق المطيري، محمود فاروق سيد شعبان، بسمة منصور، سوسن مسعود، نادية سعد، د. مصطفى يوسف اللداوي، إسراء أبو رمان، د - المنجي الكعبي، مجدى داود، محمد تاج الدين الطيبي، سيد السباعي، محمود صافي ، د. نانسي أبو الفتوح، د - احمد عبدالحميد غراب، د - عادل رضا، د . قذلة بنت محمد القحطاني، الهيثم زعفان، سلام الشماع، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد العيادي، حاتم الصولي، صفاء العراقي، أحمد ملحم، صالح النعامي ، إيمان القدوسي، سفيان عبد الكافي، كمال حبيب، سليمان أحمد أبو ستة، رضا الدبّابي، حسن عثمان، فتحـي قاره بيبـان، الشهيد سيد قطب، د. خالد الطراولي ، محمود طرشوبي، فهمي شراب، رشيد السيد أحمد، د - مصطفى فهمي، رمضان حينوني، طلال قسومي، د - محمد بنيعيش، هناء سلامة، د. جعفر شيخ إدريس ، إياد محمود حسين ، حسني إبراهيم عبد العظيم، خالد الجاف ، د.محمد فتحي عبد العال، جمال عرفة، العادل السمعلي، رأفت صلاح الدين، سيدة محمود محمد، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د- هاني ابوالفتوح، أحمد النعيمي، د. محمد عمارة ، محمد إبراهيم مبروك، د. صلاح عودة الله ، جاسم الرصيف، محمود سلطان، رافع القارصي، فاطمة عبد الرءوف، د. طارق عبد الحليم، عبد الله زيدان، محرر "بوابتي"، معتز الجعبري، حميدة الطيلوش، د - أبو يعرب المرزوقي، شيرين حامد فهمي ، صلاح المختار، د. أحمد بشير، حسن الحسن، فراس جعفر ابورمان، منجي باكير، حمدى شفيق ، أحمد الغريب، فتحي العابد،
أحدث الردود
انا اماراتي وتزوجت مغربيه على زوجتي الاولى مع ان الاولى ماقصرت فيني لكن ماعرف ليه خذتها اعترف اني كنت راعي بارتيات وهي كانت ربيعتي وربيعه الكل معرف كي...>>

انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة