تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس: إعلان كفر بالنقابة

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


ليعذرني القارئ مهما كان المكان الذي وصله فيه كلامي.. أنا محتاج لتثبيت عقديتي بإعلان الشهادة مرة أخرى لأن هناك من يريد فرض رب عليّ اسمه الاتحاد العام التونسي للشغل. فاللهم اشهد أني أوحدك على دين محمد، وأني كافر بالنقابة، واللهم امنحني الصبر على المشركين الجدد الذين يحرّمون علينا نقد ربهم النقابي الذي يصلون له في البرلمانات. ولا بأس ألا يكون هذا المقال تحليلا محايدا بأعصاب باردة.

تاريخ مصادرة النضالات

نكتب بكل هذا الدفق الوجداني لأن هناك من يريد مصادرة التاريخ في سردية واحدة تجعل من النقابة التونسية عامودا أمسك السماء أن تقع فوق رؤوس التونسيين، وهو لا يزال مصرا على تحريف التاريخ ليلغي كل نضال تم خارج النقابة، فلا يكون وتكون النقابة كل التاريخ.

في الطريق إلى الحرية سقط شهداء كثر، وقضت أجيال أعمارها في السجون وتشردت أسر وعائلات، وكانت النقابة في حجر السلطة؛ تتلقى القيادات الرشوة المالية والسياسية، وتجبر أجيالا من العمال على الخضوع باسم حماية الدولة أو باسم دفع الاقتصاد. وفي السردية أن ذلك كان النضال الوحيد الممكن، بل هو البديل عن السقوط في الرجعية والتخلف.

فإذا تم الإلحاح على زيف السردية المفبركة داخل حانات النقابة؛ غالبا قيل لنا أن النقابة سليمة وعريقة ومناضلة، لكن هناك نقابيين سيئون، وهم عابرون والنقابة باقية. وهذه التبريرات هي من جنس التبريرات التي كان يطلقها إعلام السلطة عندما ترتفع أصوات الاحتجاج حولها بأن الرئيس طيب وابن حلال لكن الطاقم الذي حوله يفسد في الأرض.

هذه الأيام نشعر بأن ماكينة الدعاية النقابية التي وضعت لها قدما راسخة في البرلمان؛ تتقدم خطوة أخرى لتجبرنا على التوقف عن الكتابة حول النقابة أو ضدها، فهي مؤسسة مقدسة وتاريخ نضالاتها يعفيها من أن تخضع لأية محاسبة، حتى لمجرد النقد العارض لبعض الأعمال التي تقودها النقابات ضد الدولة والمجتمع وضد إيتيقا الدولة نفسها.

تاريخ من تفكيك القطاع العام

إن الزمن الذي يراد لنا فيه أن نؤمن بنضال النقابة العظيمة هو الزمن الذي شاركت فيه النقابة مشاركة تامة في تفكيك مؤسسات القطاع العام وخوصصتها لرأس مال، بعضه محلي وأغلبه أجنبي وافد. كان ذلك يجري تحت عناوين دعم الاستثمار وفتح الأسواق وكانت النقابة تبرر بالتشغيلية، في حين أن التسريح الاقتصادي كان على قدم وساق. ذلك زمن ابن علي، زمن قيادات نقابية مكّن لها الدكتاتور ومنحها امتيازات مقابل تدمير مؤسسات اقتصادية ناجحة. تلك القيادات لم تحاسب رغم الفضائح التي أخرجتها الثورة إلى السطح، بل حصل العكس؛ لقد أورث الفاسدون النقابة لخلف تربى في أحضانهم، فما كان من الخلَف إلا أن كرّموا السلف وظلت السردية غير قابلة للنقض.

النقابة فوق كل نقد وقياداتها لا تضار أبدا، ومع الوقت وانشغال الناس بهمومهم يتحول هؤلاء القادة الى زعماء، وتكتمل السردية تماما كما يصنع الوثن في الأساطير. ويوجد دوما أقلام مبيوعة لتضخيم الأسطورة وإضافة التفاصيل التي لم تكن في أصل الحكاية.

القطاع العام التونسي (مؤسسات اقتصادية منتجة وليست الإدارة) ضحية النقابة قبل أن يكون ضحية السلطة. لقد حصلت النقابة لمسؤولي هذه المؤسسات على منافع لا يتمتع بها عامة التونسيين، فصارت هناك فئات محظوظة بالمال العام وأخرى لا يمكنها النفاذ إلى أية منفعة. ووصل الأمر الى فرض أمر واقع جديد هو التوريث المهني، حتى أن المحاكم تجرمه والنقابة تواصل الاستفادة منه. لقد صار حقا مكتسبا بالقوة لا بالقانون، وحطمت النقابة مبدأ المساواة أمام المناظرة التي هي بوابة الاشتغال في القطاع العام.

كل النشاطات الإضرابية منذ الثورة نظمت في مؤسسات القطاع العام، وبلغت مستويات من الخروج عن القانون لم تعرفها نضالات النقابيين في مكان بالعالم، حتى أن نقابات أغلقت المشافي في وجه المرضى وتركتهم يموتون في العراء.

لم تجرؤ نقابة واحدة من نقابات الاتحاد العام التونسي للشغل على تنظم حركة احتجاجية واحدة في القطاع الخاص، رغم أن فوارق المنافع قد اتسعت بين القطاعين بشكل مخز لكل من يزعم العمل النقابي. ولكن ذراع الدولة التي تؤلم هي مؤسسات القطاع العام، وقد مسكتها النقابة ولوتها حتى تكسرت كل الحكومات عجزا. وهي تواصل الآن بشغف وتمنع الناس من توجيه أي نقد.

تاريخ من الكذب على التونسي المسكين

هل سيكون من حق الأجيال أن تراجع دور النقابة في إسناد الدكتاتورية وطمس النضالات العمالية الحقيقية التي تمت برغم النقابة؟ وهل سيكون من حق المؤرخين أن يناقشوا دور النقابة في الثورة وتحويل مطالب الحرية والسيادة الى زيادات في الأجور في مؤسسات القطاع العام وحدها، دون أية لحظة جرأة على مؤسسات القطاع الخاص التي تعرف كيف تمنع النقابة من الظهور، وأرهقت كل الحكومات وخربت كل الاحتمالات الإيجابية الكامنة في ثورة لم تكن أبدا مطلبية؟

النقابة الآن تملك أجهزتها الدعائية، ولذلك فإن كل صوت ينقدها يصير نشازا في أوركسترا دعائية على الطريقة الفاشية. ونرجح أن يتحول الأمر إلى ممارسات أشد قسوة ضد كل ناقد وللنقابيين تاريخ حافل بالعنف المنظم. ولمن لا يعرف الوضع من داخل تونس نقول للنقابة مليشيا تحت الطلب.

لنعد تسمية الأشياء بأسمائها إذن هذه النقابة لست نقابة وإن زعمت، لذلك فإننا إذ ننقدها إنما ننقد الجهة السياسية التي استولت عليها منذ زمن طويل وهادنت بها الدكتاتورية، وخربت بها الثورة التي لم تجد لها فيها مكانا في الصندوق الانتخابي فحكمت بالنقابة على كل شيء، وهي أخيرا تدخل البرلمان بأسماء غير أسمائها وتواصل تخريب الوضع الداخلي، وتدفع نحو مجهول لا يملك أحد تصور نتائجه القريبة والبعيدة، مع إضافة مهمة لقد شهدت سنوات الثورة هجرة التجمعيين إلى النقابة. وما كانت في السابق تمثيليات التجمع في الإدارة تحولت في فترة قصيرة إلى هيئات نقابية، وحصلت بالنقابة امتيازات لم تحصل عليها بولائها الحزبي للدكتاتور.

تحالف اليسار والتجمع في النقابة هو الذي يحكم الوضع في تونس الآن، وإن زعمت الأحزاب أنها تحكم فما حكمها إلا وهْم، فالحاكم الحقيقي ومنذ الثورة هي النقابة؛ لا بصفتها نقابة بل بما هي طاقية إخفاء لتيارات سياسية لا يمكن لها أن تفلح بالصندوق الانتخابي، وآخر الملتحقين بالصف هي حركة الشعب التي تجرأت على طلب تقديس النقابة وتحويلها إلى وثن يعبد.

لكن يفوت صناع الوثن الجديد أننا ولدنا موحدين وأن التوحيد حرية أولا، ولذلك نتشرف بأننا لم نحنِ رقبة لنقابي أبدا ولم يُكتب هذا العار في دفاترنا.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، النقابة، إتحاد الشغل،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 5-12-2020   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د- هاني ابوالفتوح، أ.د. مصطفى رجب، د. أحمد بشير، سحر الصيدلي، فاطمة حافظ ، د - صالح المازقي، فاطمة عبد الرءوف، أشرف إبراهيم حجاج، د.محمد فتحي عبد العال، د - أبو يعرب المرزوقي، صفاء العربي، حسن عثمان، هناء سلامة، العادل السمعلي، د - محمد بنيعيش، فوزي مسعود ، ياسين أحمد، د- محمود علي عريقات، سعود السبعاني، إيمان القدوسي، د - مضاوي الرشيد، د - محمد بن موسى الشريف ، حميدة الطيلوش، صفاء العراقي، الناصر الرقيق، رشيد السيد أحمد، معتز الجعبري، يحيي البوليني، د - غالب الفريجات، منى محروس، رأفت صلاح الدين، د - الضاوي خوالدية، د. عبد الآله المالكي، نادية سعد، محرر "بوابتي"، منجي باكير، د. جعفر شيخ إدريس ، إسراء أبو رمان، خالد الجاف ، أحمد الحباسي، د. أحمد محمد سليمان، د - محمد عباس المصرى، فتحي الزغل، محمود طرشوبي، خبَّاب بن مروان الحمد، مجدى داود، عدنان المنصر، د. ضرغام عبد الله الدباغ، صالح النعامي ، عصام كرم الطوخى ، د. خالد الطراولي ، كريم فارق، إيمى الأشقر، رافع القارصي، سليمان أحمد أبو ستة، محمد إبراهيم مبروك، عبد الرزاق قيراط ، عبد الله الفقير، د.ليلى بيومي ، مراد قميزة، عمر غازي، د. نهى قاطرجي ، عراق المطيري، محمد العيادي، عزيز العرباوي، الهادي المثلوثي، د. صلاح عودة الله ، أحمد ملحم، سوسن مسعود، مصطفى منيغ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، حسني إبراهيم عبد العظيم، صلاح المختار، فراس جعفر ابورمان، حسن الحسن، المولدي الفرجاني، سلوى المغربي، د - احمد عبدالحميد غراب، رافد العزاوي، سفيان عبد الكافي، د - المنجي الكعبي، محمد أحمد عزوز، د. الشاهد البوشيخي، فهمي شراب، جاسم الرصيف، عبد الغني مزوز، محمد شمام ، د. مصطفى يوسف اللداوي، علي الكاش، د - مصطفى فهمي، طلال قسومي، حمدى شفيق ، كريم السليتي، محمد الطرابلسي، رضا الدبّابي، سامر أبو رمان ، إياد محمود حسين ، حاتم الصولي، وائل بنجدو، د. طارق عبد الحليم، د- محمد رحال، رمضان حينوني، أنس الشابي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد تاج الدين الطيبي، ضحى عبد الرحمن، رحاب اسعد بيوض التميمي، بسمة منصور، محمد الياسين، صباح الموسوي ، صلاح الحريري، أحمد بن عبد المحسن العساف ، الشهيد سيد قطب، د. الحسيني إسماعيل ، د - شاكر الحوكي ، د. محمد عمارة ، عبد الله زيدان، جمال عرفة، محمود سلطان، كمال حبيب، سيد السباعي، فتحـي قاره بيبـان، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، سلام الشماع، محمد اسعد بيوض التميمي، د. نانسي أبو الفتوح، ابتسام سعد، فتحي العابد، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أحمد النعيمي، د - محمد سعد أبو العزم، حسن الطرابلسي، سامح لطف الله، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمود صافي ، يزيد بن الحسين، د - عادل رضا، محمود فاروق سيد شعبان، تونسي، أبو سمية، د- جابر قميحة، الهيثم زعفان، أحمد بوادي، مصطفي زهران، علي عبد العال، أحمد الغريب، د. محمد مورو ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، ماهر عدنان قنديل، محمد عمر غرس الله، د- هاني السباعي، عواطف منصور، سيدة محمود محمد، د. محمد يحيى ، شيرين حامد فهمي ،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة