تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

هل نحن بئس خلف لخير سلف؟

كاتب المقال جعفر عباس - السودان   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


قضيت بضعة أيام مستمتعا بكتاب للمؤرخ الإسرائيلي يوفال نواه هراري الأستاذ في الجامعة العبرية، وقد يرى القارئ أن ذلك يندرج تحت باب التطبيع الثقافي، وأنا رغم أنفي الإفريقي محسوب على العرب، ويفترض ألّا أُثني على أمر أو شخص يرتبط بإسرائيل، خاصة وقد سبق لي أن تعرضت لغرامة مالية جاءت في شكل استقطاع من راتبي الشهري، لأنني "حررت" في صحيفة الاتحاد الإماراتية التي كنت أعمل فيها في ثمانينيات القرن الماضي خبرا ورد فيه إسم إسرائيل بدلا من "الكيان الصهيوني" أو "العدو الإسرائيلي" حسبما تقتضي السياسات التحريرية وقتها.

ولكن سبحان مغير الأحوال، فبما أنني أنتمي بشكل أو آخر إلى أمة شعوبها على دين ملوكها وبحكم أن بلادي (السودان) صارت تطبيعية سياسيا وثقافيا وربما استخباراتيا، وبما أنني من قوم شيمتهم الرقص متى ما ضرب رب البيت الدف، فلا تثريب علي في الثناء على كتاب لمؤلف إسرائيلي.

كتاب هراري الذي أنا بصدده يحمل اسم سيبيانز Sapiens (الإنسان)، وعلى وجه التحديد ما يسمى في الدوائر العلمية بالإنسان العاقل الموجود على كوكب الأرض منذ آلاف مؤلفة من السنين، ويُعنى بعرض تاريخ بني البشر على الأرض عبر مختلف الحقب، وما صاحب مسيرة البشرية من طفرات ونكسات اجتماعية واقتصادية، وليس فيه من قريب أو بعيد ما يتوقعه القارئ العربي من تلميع للإرث اليهودي، بل فوجئت بأنه يتحدث عن "فلسطين" بالاسم كواحدة من أقدم المستوطنات البشرية في منطقة شرق المتوسط.

يتناول الكتاب الهجرات البشرية الأولى من إفريقيا إلى ما صار يعرف اليوم بالشرق الأوسط، ويعرض أدلة قوية بأن المنطقة التي شهدت أول ثورة زراعية نقلت البشرية من مرحلة الصيد وجمع الثمار من الغابات، هي ما صرنا نعرفها اليوم بالهلال الخصيب.

هذا الكتاب ـ ولست بصدد تقديم عرض له ـ وبما أورده عن أنماط الحياة عبر القرون، جعلني أحس بأن أسلافنا القدماء جدا عاشوا قبل عشرات الآلاف من السنين حياة هانئة خالية من الرهق النفساني والتلهف لجمع المال وما يصحب ذلك من خصومات تنشأ عن المنافسة وتتسبب في جرائم فردية وجماعية (الحروب).

كان أولئك الأسلاف يخرجون في أول النهار لجمع الثمار وتناولها فور قطفها، ويتعاونون لصيد الحيوانات اللاحمة ويتوزعون لحومها ولكل قدر طاقة بطنه، ثم يعودون إلى جحورهم أو كهوفهم أو عرائشهم وينعمون بنوم هانئ لا تتخلله كوابيس التفكير في سداد قروض أو الخشية من مداهمة جماعة الضرائب أو الاستخبارات، أو القلق بشأن أداء العيال في المدارس.

وانظر حالنا اليوم: مهما ارتفعت مداخيلنا المادية نبقى في حالة هلع وجزع وفزع، من يتنقل على ظهر حمار يحلم بامتلاك دراجة هوائية، ومالك الدراجة يحلم بسيارة صغيرة وصاحب الأخيرة يحلم بمرسيدس، ومالكو الملايين أكثر الناس هلعا وأرقا ويظل الواحد منهم يرفع يده بالدعاء: يا رب اجعلني مليارديرا أو اجعل منافسي فلانا مفلسا، والحكومات التي من المفترض أن تضبط العلاقات بين الناس وتوفر لهم الأمن والأمان، هي أكبر ما يخافه المواطن البسيط، لأنه حتى في البلدان التي توصف بـ"الديمقراطية" تمالئ الحكومات أصحاب الجاه والمال.

ثم انظر حالنا جميعا في عالم اليوم في العام 2020، وكيف لا يهدأ لنا بال ما لم نستعرض ما يجيئنا عبر تطبيق واتساب، رغم أن التجارب علمتنا جميعا أن واتساب لا يختلف كثيرا عن دونالد ترامب من حيث أنهما يكذبان معظم الوقت، وبصفة عامة فقد صارت هواتفنا الذكية تستعبدنا بعد أن أوليناها الثقة الكاملة، فهي من يقرر كيف نذهب إلى حيث نود أن نذهب وتذكرنا على مدار اليوم بالمبالغ التي تم سحبها أو توريدها في حساباتنا البنكية.

وكل طفرة صناعية أو تكنولوجية تعود علينا بالمزيد من الهموم والغم والكدر، فكان البارود ثم القنبلة الذرية، وكانت السيارات التي خرجت من رحمها الدبابات، وكان النقل الجوي الذي اختصر المسافات، ثم سمح لبلد مثل الولايات المتحدة أن يرسل طائراته عبر آلاف الأميال لضرب أهداف في بلد آخر مستخدما ما يسمى بالقنابل الذكية، وكلما اتسع نطاق التصنيع ضاق الفضاء بغاز ثاني أوكسيد الكربون.

وعصرنا الذي يسمى عصر العلم ويزخر بالاختراعات والاكتشافات هو الذي أنتج السارس والإيدز والإيبولا وكوفيد-19، بل بلغت بنا نزعات الشر أن أنتجنا الكمبيوتر ثم انتجنا فيروسات تصيبه بالإعاقة.

وما ذلك إلا لأن ما نسميه بالرقي الحضاري الذي نجم عن الثورتين الصناعية والتكنولوجية، جاء غير مصحوب برقي أخلاقي، فبينما عاش أسلافنا لآلاف السنين وهم لا يعرفون الحروب لأنهم كانوا يعظِّمون قيمة العمل الجماعي، فإن جميع المخترعات التي يفترض أن تجعل حياة بني البشر سهلة وسلسة لها وجه آخر قميء، فتقنية الهواتف الذكية مثلا هي نفسها تقنية ما يسمى بالقنابل الذكية، والتنافس بين الدول في عالم اليوم يتم حسمه بالحرب، وحتى داخل الدولة الواحدة يصبح التنافس على الموارد مستحكما وعدواني الطابع بين شرائح المجتمع أو التكتلات الإقليمية والقبلية، وقس على ذلك.

لا أحلم بردة تعيدنا إلى عصور الصيد وجني الثمار، بل بإعلاء قيم الأخلاق من منطلق أن بني البشر من أصل واحد: من آدم وآدم من تراب وإلى تراب..


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

التطبيع، السودان، الإمارات العربية المتجدة، إسرائيل،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 22-11-2020   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فوزي مسعود ، محمد الياسين، د - محمد بنيعيش، د- هاني السباعي، محمد اسعد بيوض التميمي، علي الكاش، د. خالد الطراولي ، رأفت صلاح الدين، صفاء العراقي، العادل السمعلي، محمود فاروق سيد شعبان، مجدى داود، د. محمد عمارة ، محمود طرشوبي، عواطف منصور، د.ليلى بيومي ، الهادي المثلوثي، سلام الشماع، عبد الرزاق قيراط ، أحمد النعيمي، الهيثم زعفان، د. أحمد بشير، سحر الصيدلي، رافع القارصي، د. محمد يحيى ، إسراء أبو رمان، معتز الجعبري، رشيد السيد أحمد، د. الحسيني إسماعيل ، مصطفي زهران، كريم السليتي، عمر غازي، د - مصطفى فهمي، فراس جعفر ابورمان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د. صلاح عودة الله ، سامر أبو رمان ، محمد شمام ، يحيي البوليني، د - غالب الفريجات، محمد إبراهيم مبروك، ابتسام سعد، حمدى شفيق ، د. جعفر شيخ إدريس ، أحمد ملحم، حسني إبراهيم عبد العظيم، جمال عرفة، محمود صافي ، رضا الدبّابي، د - عادل رضا، خبَّاب بن مروان الحمد، فهمي شراب، طلال قسومي، حميدة الطيلوش، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سامح لطف الله، د. نانسي أبو الفتوح، المولدي الفرجاني، د. عبد الآله المالكي، محرر "بوابتي"، عبد الله الفقير، د. مصطفى يوسف اللداوي، الشهيد سيد قطب، د - شاكر الحوكي ، فاطمة عبد الرءوف، نادية سعد، سفيان عبد الكافي، إيمان القدوسي، حسن عثمان، جاسم الرصيف، بسمة منصور، حاتم الصولي، محمد الطرابلسي، رافد العزاوي، عزيز العرباوي، صلاح الحريري، عبد الغني مزوز، د. عادل محمد عايش الأسطل، إياد محمود حسين ، د - مضاوي الرشيد، سوسن مسعود، منجي باكير، حسن الحسن، أحمد بن عبد المحسن العساف ، أشرف إبراهيم حجاج، إيمى الأشقر، أنس الشابي، د- محمد رحال، ماهر عدنان قنديل، د. طارق عبد الحليم، رحاب اسعد بيوض التميمي، تونسي، فتحي العابد، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - محمد سعد أبو العزم، سلوى المغربي، محمد العيادي، منى محروس، د- جابر قميحة، فاطمة حافظ ، عبد الله زيدان، د. أحمد محمد سليمان، علي عبد العال، مصطفى منيغ، د - احمد عبدالحميد غراب، خالد الجاف ، د. نهى قاطرجي ، د- محمود علي عريقات، عصام كرم الطوخى ، أحمد بوادي، محمد أحمد عزوز، صالح النعامي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، وائل بنجدو، صفاء العربي، د - الضاوي خوالدية، د.محمد فتحي عبد العال، محمد تاج الدين الطيبي، هناء سلامة، فتحي الزغل، أ.د. مصطفى رجب، فتحـي قاره بيبـان، سعود السبعاني، محمود سلطان، محمد عمر غرس الله، سيدة محمود محمد، د. محمد مورو ، مراد قميزة، أحمد الحباسي، سيد السباعي، د - أبو يعرب المرزوقي، كمال حبيب، يزيد بن الحسين، صلاح المختار، أحمد الغريب، د - محمد عباس المصرى، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، عراق المطيري، ياسين أحمد، عدنان المنصر، د - صالح المازقي، أبو سمية، د - المنجي الكعبي، شيرين حامد فهمي ، رمضان حينوني، صباح الموسوي ، د - محمد بن موسى الشريف ، د- هاني ابوالفتوح، الناصر الرقيق، كريم فارق، حسن الطرابلسي، د. الشاهد البوشيخي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏،
أحدث الردود
مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة