تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الوزن يومئذ الحق

كاتب المقال أ.د. علي عثمان شحاته - مصر    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


يضع كثير من الناس معيارا لوزن الآخرين، يبنى على مقدار ما يملكون من متاع الحياة الدنيا وزينتها! وكلما زادت ممتلكاتهم وكثرت مظاهر المتاع عندهم؛ كلما ثقل الوزن وزاد الاحترام، واتسعت دائرة النفوذ.

لكن هل هذا هو التقييم الحقيقي لأقدار الناس وأوزانهم عند الله؟
الجواب: لا. لأن المقياس الحقيقي هو مدى ما يملكه الإنسان من قيم ومبادئ حقيقية تصدر عن أمر الله ونهيه، وتتلمس رضاه وتبتعد عما لا يرضيه؛ حين يكون مؤهلا لقبول الخير في ذاته ونفع الناس به؛ فيحصِّل بذلك نفعا لنفسه، ومحبة في قلوب الناس في الدنيا، ويدّخر بها رصيدا عن الله يوم القيامة.

ولا شك أن هذا هو الوزن الحقيقي للإنسان، وهذه هي المنافع الحقيقية؛ لأن أرباحه حينئذ ستكون دائمة، وقيمتها عظيمة لا تقدر بثمن .قال تعالى: "وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ" ( ).

إن موازين الدنيا ومعاييرها إذا خلت من اعتبارات الآخرة فهي هشة ضعيفة هزيلة، مهما كان صاحبها كبيرا عظيما في أعين الناس، لأن قيمته عندهم كانت بمقدار ما يعطيهم، فإذا امتنع العطاء لأي سبب فقد قيمته عند كثير منهم.
وفي الحديث: "إنَّه لَيَأْتي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَومَ القِيامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَؤُوا "فَلا نُقِيمُ لهمْ يَومَ القِيامَةِ وزْنًا" ( ).

فتطيش الأوزان، وتضيع هذه النفخة الكاذبة المزيفة، ويكتشف صاحبها أن زيادة وزنه كانت ورما خبيثا وشحما زائفا، وليست قيمة حقيقية، وكما قال أبو الطيب المتني لسيف الدولة:
أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَةً . . . أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ( )

سوف يكتشف أصحاب الأوزان الزائفة في الدنيا؛ أنها لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ لأن الدنيا التي تقاتلوا عليها وأفنوا أعمارها من أجلها لا تزن – هي الأخرى- عند الله جناح بعوضة؛ هكذا ورد في الحديث: "...لو كانَتِ الدُّنيا تَزِنُ عندَ اللهِ جَناحَ بَعُوضةٍ ما سَقى كافرًا منها قطرةً أبدًا" ( ).

إذن فالمال والجاه والأولاد والأملاك وغيرها من مقاييس المتاع ومعاييره في الدنيا هي ومن يملكها إلى زوال، وهي قد تعطيه مكانة وقوة ومهابة في الدنيا، ولكنها لن تقيم له وزنا عند الله يوم القيامة؛ إلا ما قدم فيه لنفسه، أو ادخرها لآخرته.

قال تعالى: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ" ( ). وقال أيضا: "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ" ( ).

يرد هنا سؤال: هل يمكن أن يحصِّل العبد خَيْري الدنيا والآخرة؟

نعم يستطيع: حين يعرف للمنعم سبحانه وتعالى فضله ونعمه عليه، فيشكره عليها، ثم يطلب منه التوفيق لمرضاته؛ ومن ثم يستعملها فيما أحل الله، قال تعالى: "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ .." ( )

يقول الإمام القرطبي: ليس كل ما تهواه النفس يذم ، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين. فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا. وذلك حظ للنفس لا يلام فيه ( ).

وحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ، قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النّاسِ" ( ).

وأذكِّر هنا أيضا بالوصية الذهبية التي سجلها القرآن الكريم لأهل العلم من قوم قارون حين قالوا له: "وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" ( ).



وعلى ذلك يمكن أن يفوز العبد بنفع أعماله في الدنيا، ويحتفظ بقيمتها في الميزان يوم القيامة.
حين يعترف بالفضل لصاحب الفضل والنعمة سبحانه وتعالى؛ فيشكره عليها، ويستعملها في طاعته، ويحسن لخلق الله كما أحسن الله إليه، ولا يفسد بها في الأرض، هنا فقط يزداد القدر والوزن في الدنيا، وتبقى له قيمته وقدره في ميزان الله يوم القيامة.

أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا الإخلاص قولا وعملا، وأن يثقل موازيننا يوم القيامة.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

--------------
أ.د. علي عثمان شحاته
أستاذ بكلية الدعوة الإسلامية
جامعة الأزهر بالقاهرة
21/9 /2020م




 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

مقالات فكرية، مقالات إسلامية، الفكر الإسلامي، الحق، الأخرة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 21-09-2020  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - الضاوي خوالدية، محمد إبراهيم مبروك، الناصر الرقيق، عدنان المنصر، جمال عرفة، د- هاني ابوالفتوح، محمد الياسين، صفاء العراقي، حسني إبراهيم عبد العظيم، محمد الطرابلسي، د - مصطفى فهمي، أحمد الحباسي، د. الحسيني إسماعيل ، عبد الله زيدان، الشهيد سيد قطب، د.محمد فتحي عبد العال، د. صلاح عودة الله ، د. محمد مورو ، د.ليلى بيومي ، كريم فارق، عبد الغني مزوز، يزيد بن الحسين، عراق المطيري، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، أبو سمية، خالد الجاف ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، كريم السليتي، الهيثم زعفان، يحيي البوليني، د. محمد يحيى ، ياسين أحمد، أحمد بوادي، رأفت صلاح الدين، د. عادل محمد عايش الأسطل، مصطفى منيغ، حاتم الصولي، حسن الحسن، علي الكاش، د. مصطفى يوسف اللداوي، بسمة منصور، سيد السباعي، أحمد ملحم، سامح لطف الله، عمر غازي، فتحـي قاره بيبـان، فوزي مسعود ، د - محمد بنيعيش، محمود طرشوبي، حميدة الطيلوش، عصام كرم الطوخى ، صباح الموسوي ، رافع القارصي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سحر الصيدلي، د. الشاهد البوشيخي، مراد قميزة، العادل السمعلي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. محمد عمارة ، د. جعفر شيخ إدريس ، فاطمة حافظ ، صلاح الحريري، المولدي الفرجاني، سيدة محمود محمد، نادية سعد، أحمد النعيمي، محمد اسعد بيوض التميمي، د - مضاوي الرشيد، سامر أبو رمان ، د - محمد بن موسى الشريف ، وائل بنجدو، عبد الرزاق قيراط ، حسن الطرابلسي، إسراء أبو رمان، د- هاني السباعي، رشيد السيد أحمد، د. أحمد محمد سليمان، د. نانسي أبو الفتوح، فراس جعفر ابورمان، أحمد الغريب، عواطف منصور، د - شاكر الحوكي ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، تونسي، د - غالب الفريجات، د. أحمد بشير، ابتسام سعد، حسن عثمان، محمود سلطان، أ.د. مصطفى رجب، سفيان عبد الكافي، منجي باكير، محمد شمام ، سعود السبعاني، د. طارق عبد الحليم، فتحي العابد، عزيز العرباوي، محمود صافي ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، ماهر عدنان قنديل، د - محمد سعد أبو العزم، محرر "بوابتي"، جاسم الرصيف، د. نهى قاطرجي ، محمد عمر غرس الله، طلال قسومي، د - محمد عباس المصرى، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد تاج الدين الطيبي، د- محمود علي عريقات، د . قذلة بنت محمد القحطاني، خبَّاب بن مروان الحمد، رضا الدبّابي، الهادي المثلوثي، إيمى الأشقر، عبد الله الفقير، منى محروس، محمود فاروق سيد شعبان، د - صالح المازقي، د - احمد عبدالحميد غراب، د- محمد رحال، صفاء العربي، فاطمة عبد الرءوف، رافد العزاوي، سلوى المغربي، إيمان القدوسي، أنس الشابي، هناء سلامة، أحمد بن عبد المحسن العساف ، فهمي شراب، مجدى داود، صالح النعامي ، حمدى شفيق ، مصطفي زهران، د - أبو يعرب المرزوقي، شيرين حامد فهمي ، معتز الجعبري، صلاح المختار، د. خالد الطراولي ، فتحي الزغل، د - المنجي الكعبي، د - عادل رضا، رمضان حينوني، سوسن مسعود، سلام الشماع، كمال حبيب، د. عبد الآله المالكي، محمد العيادي، محمد أحمد عزوز، أشرف إبراهيم حجاج، علي عبد العال، د- جابر قميحة، إياد محمود حسين ،
أحدث الردود
بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة