تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

محمد عمارة المفكر الحي

كاتب المقال سمية الغنوشي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


يمثل محمد عمارة، الكاتب والمفكر المصري، نموذجًا فريدًا من نوعه في الساحة العربية والإسلامية الأوسع. لا يعود ذلك لغزارة كتاباته وتنوع عناوينه، التي غطت ساحات وتخصصات متعددة فحسب، بل للمسار الفكري الذي اختطه لنفسه ومنحه ملمحًا خاصًا وبصمة مميزة في المشهد الإسلامي.

بدأ محمد عمارة حياته الفكرية يساري التوجه قومي الهوى. لكنّ المثقف المتشبّع بالتراث الإسلامي والتقاليد الأزهرية العريقة، لم يفقد توازنه حتى في الحقبة اليسارية. فاليسار لم يعن له غير مناهضة الاستعمار والهيمنة الإمبريالية على مصير الأمة العربية ومقدراتها، والدفاع عن العدالة الاجتماعية ومصالح المهمّشين والمفقّرين.


أتاحت له صدمة السجن زمن عبد الناصر تأمّل مساره وتصويب بوصلته الفكرية، فدنا من التوجهات الإسلامية، دون تقيد أيديولوجي أو انتماء حصري واضح.

كتب عمارة في قضايا شتى، وأغنى المكتبة العربية بما يربو عن سبعين عنوانًا. كتب عن المعتزلة والأشاعرة، وعن الغزالي وابن رشد، وعن ابن تيمية والشوكاني، وخير الدين التونسي وعلي عبد الرزاق، وعن الإصلاح الديني في المشرق والمغرب.

ساجل تيارات التشدد من العلمانيين والإسلاميين ودافع عن قيم الحرية والعدالة ووقف إلى جانب ثورات الشعوب ورفض الانقلابات وحكم العسكر. ظل صامدا على مواقفه ولم يبدّل تبديلا، حتى حين دوّى الرصاص وخيّم الخوف على مصر وفتحت السجون على مصراعيها وانتصبت المشانق مجدّدا.

تحرّك عمارة على خطين مترابطين جعلا منه ظاهرة فريدة في الساحة العربية والإسلامية:

1- أعاد عمارة وصل الحركة الإصلاحية بالتيار الإسلامي، بفضل جمعه وتحقيقه ادبيات الاصلاحيين، من الأفغاني وعبده، إلى رشيد رضا والكواكبي وشكيب ارسلان وسعد زغلول وعبد العزيز الثعالبي.. بينما اتجهت الحالة الإسلامية، تحت تاثير مشيخات النفط، نحو الفكر السلفي، بقي محمد عمارة ثابتا على الخط الاصلاحي المستنير. بفكره وقلمه وجهاده السياسي، كان تلميذًا وفيًا أصيلًا لآباء الاصلاح الاسلامي وروّاده.

2- اتجه الإسلاميون إلى مناهضة القومية العربية، جرّاء الصدام المرير مع عبد الناصر، ووصل بهم الأمر حدّ اعتبار الرابطة العربية ضربًا من ضروب الجاهلية والخروج على الإسلام، كما فعل سيد قطب. تصدّى عمارة لهذه الموجة، مبيّنا عمق الصلة بين العروبة والإسلام، مؤكّدا أن العرب رافعة أساسية لنهوض الإسلام والمسلمين، ومدافعا عن فكرة الوحدة العربية في واقع التجزئة والوهن الذي يتخبط في أتونه العرب.

بقي عمارة في هذا أيضا وفيًا للحركة الإصلاحية، التي أكدت على أهمية الرابطة العربية، وسعت لتخليص مشروع الرابطة العربية من مخلّفات النزاع العربي التركي، الذي ظهر أواخر الدولة العثمانية وكانت نتائجه وخيمة على العرب والترك على السواء.

القومية العربية عند عمارة ببساطة مشروع سياسي لوحدة العرب ونهوضهم، في إطار التكامل مع الجوار الإسلامي، وليست انتماءً عقائديا ايديولوجيا، كما هي عند القوميين العرب.

بحكم خلفيته الأزهرية وتكوينه الإسلامي العميق، وقف عمارة جريئا ثابتا في وجه موجة التشدد الإسلامي التي ارتفعت في مصر ، مع بروز تيارات التطرف، كالتكفير والهجرة والجماعة الإسلامية، منتصرا لمعاني الوسطية والاعتدال في فهم النصوص والواقع.

قاوم عمارة مشايخ الوهابية المدعومة سعوديًا، بفكره وقلمه ولسانه، مؤصّلا للتعدد المذهبي والتسامح الديني، ولقيم الفن والجمال في الإسلام. أصّل فكرة الحرية والديمقراطية، ورفض الحكم الفردي والشمولي.

وعلى الضفة المقابلة، ساجل رموز العدمية الحداثية، الذين سعوا جاهدين لتقويض كل ثوابت الدين والنصوص، ومناهضة كل ما له صلة بالإسلام والتراث الأزهري، وجادلهم بلا كلل او ملل.

ولعل هذا ما يفسر حساسية، بل عداء هؤلاء له ولاطروحاته.

وقف خارج الحدود الأيديولوجية والتنظيمية، لكنه كان صاحب صولات وجولات في المحطات الحاسمة.

ناصر ثورة 25 يناير دون تردد، عنوانًا لتحرر مصر والأمة العربية، وساهم في وضع الدستور الجديد. وحين داست الدبابات على الصناديق وسالت الدماء في الشوارع انهارا، رفع صوته ضد الانقلاب وحكم العسكر. ظل معتصما بقلمه وصلابة فكره وحجته الدامغة، منافحا عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة.

لكن عمارة، على جلال قدره وعمق تفكيره وثرائه لم ينل بعد ما يستحق من العناية والاهتمام، وهو الذي غطت أعماله مساحات شاسعة، امتدت من علم الكلام والفلسفة والأصول الى التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع.

ونحن اليوم احوج ما يكون لفكره، الجامع بين التجذّر العميق في التراث، والوعي التاريخي المتّقد، والانفتاح على آفاق المستقبل..

رحم الله محمد عمارة، الفقيه واللغوي والمفكر والفيلسوف والسياسي الأريب.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

محمد عمارة، الفكر، الفكر الإسلامي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 2-03-2020  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
المولدي الفرجاني، د. نانسي أبو الفتوح، د - شاكر الحوكي ، د - مصطفى فهمي، محمود صافي ، يحيي البوليني، عمر غازي، محمد إبراهيم مبروك، د. خالد الطراولي ، سلوى المغربي، فتحـي قاره بيبـان، د.محمد فتحي عبد العال، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. صلاح عودة الله ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - أبو يعرب المرزوقي، كريم فارق، د - احمد عبدالحميد غراب، رأفت صلاح الدين، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، صفاء العراقي، د - محمد بنيعيش، حسن عثمان، رضا الدبّابي، د. طارق عبد الحليم، خبَّاب بن مروان الحمد، د. عبد الآله المالكي، شيرين حامد فهمي ، عواطف منصور، محمد الياسين، عبد الغني مزوز، د. محمد عمارة ، أبو سمية، د. الشاهد البوشيخي، عصام كرم الطوخى ، عزيز العرباوي، أشرف إبراهيم حجاج، د. عادل محمد عايش الأسطل، ماهر عدنان قنديل، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. أحمد بشير، د. محمد يحيى ، د - غالب الفريجات، منجي باكير، جمال عرفة، ابتسام سعد، العادل السمعلي، د- هاني السباعي، أحمد الحباسي، هناء سلامة، فهمي شراب، د. نهى قاطرجي ، أحمد النعيمي، د- جابر قميحة، رشيد السيد أحمد، أ.د. مصطفى رجب، فتحي العابد، محمد شمام ، الناصر الرقيق، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد الطرابلسي، د- محمد رحال، مجدى داود، فتحي الزغل، د- محمود علي عريقات، سيد السباعي، أحمد الغريب، مراد قميزة، أحمد بوادي، محمد عمر غرس الله، سامر أبو رمان ، خالد الجاف ، ياسين أحمد، بسمة منصور، محمد أحمد عزوز، محمد اسعد بيوض التميمي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، حمدى شفيق ، حميدة الطيلوش، عراق المطيري، د - صالح المازقي، رافع القارصي، محمود سلطان، إيمان القدوسي، محمود طرشوبي، صفاء العربي، د - مضاوي الرشيد، الشهيد سيد قطب، حسن الحسن، كمال حبيب، جاسم الرصيف، د- هاني ابوالفتوح، د - المنجي الكعبي، محمود فاروق سيد شعبان، إيمى الأشقر، سلام الشماع، صلاح المختار، طلال قسومي، محرر "بوابتي"، رافد العزاوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - محمد سعد أبو العزم، فوزي مسعود ، وائل بنجدو، سحر الصيدلي، إسراء أبو رمان، علي عبد العال، د - محمد عباس المصرى، عبد الرزاق قيراط ، سوسن مسعود، تونسي، كريم السليتي، محمد تاج الدين الطيبي، د. محمد مورو ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، صالح النعامي ، د. مصطفى يوسف اللداوي، أنس الشابي، فراس جعفر ابورمان، رمضان حينوني، سعود السبعاني، سامح لطف الله، علي الكاش، مصطفي زهران، صباح الموسوي ، منى محروس، د - محمد بن موسى الشريف ، حسن الطرابلسي، صلاح الحريري، فاطمة حافظ ، معتز الجعبري، أحمد ملحم، د - عادل رضا، د.ليلى بيومي ، د - الضاوي خوالدية، يزيد بن الحسين، د. الحسيني إسماعيل ، عدنان المنصر، عبد الله الفقير، عبد الله زيدان، سيدة محمود محمد، سفيان عبد الكافي، حاتم الصولي، رحاب اسعد بيوض التميمي، فاطمة عبد الرءوف، إياد محمود حسين ، د. أحمد محمد سليمان، مصطفى منيغ، محمد العيادي، الهيثم زعفان، د. جعفر شيخ إدريس ، الهادي المثلوثي، نادية سعد،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة