تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

زعيم الشباب علي البلهوان حقائق (مغيبة)

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


ارتبط اسم علي البلهوان، الذي نحتفي في هذه الندوة بذكراه المائة وعشر سنوات لميلاده، أكثر ما ارتبط بأحداث ٨ أفريل ١٩٣٨ الدامية، التي قادها مع رفيقه في الكفاح وصديقه منذ الدراسة المنجي سليم، والتي راح ضحيتها عشرات المناضلين بين قتلى وجرحى، خرجوا صبيحة ذلك اليوم للتظاهر سلمياً تنفيذاً لتعليمات الحزب الدستوري الجديد المحظور آنذاك، للتعبير عن مطالباتهم ببرلمان تونسي والتصدي لسياسة القمع والاضطهاد التي كانت تمارسها فرنسا على الوطنيين الأحرار.

وارتبط اسمه كذلك باللقب الذي استحقه عن جدارة، واستمر مقرونا باسمه الى اليوم، وهو زعيم الشباب، إقراراً بدوره الريادي في التربية الوطنية والتوعية والتوجيه الحزبي، وباعتباره كذلك يرأس يومها الاتحاد الزيتوني المدرسي، للتنسيق بين شباب المؤسستين التعليميتين الأشهر في البلاد، وهما الجامع الأعظم الزيتونة والمدرسة الصادقية، لدعم نضالهم المشترك في سبيل تحرير الوطن.

والبلهوان نفسه كان ثمرة هذا التعليم الوطني الديني الأصيل، الذي كان يتولاه بعد تخرجه من فرنسا مع شيوخ ومدرسين من خريجي المؤسستين لتلاميذهم هنا وهناك وفي كافة المدراس والفروع التابعة لهما في سائر أنحاء البلاد، من أجل إعداد الأجيال لتحرير الوطن.

ومما يُذكر أن جمعية الخلدونية التي كان يتولاها مدرسيون وزيتونيون حظرت إلقاء محاضرة لعلي البلهوان على منبرها، وكانت لوائحها الداخلية تمنع دخول أية كتب دينية أو سياسية بمكتبتها ما عدا كتب المستشرقين.


ويتجلى هذا التعلق من الشباب بقيادة البلهوان أن الاستعمار لما قرر اعتقاله في اليوم الموالي للمظاهرة وأشاعت سلطاته أن ذلك سيتم بمنزله في الصباح الباكر، تنادى الكثير من أنصاره للتجمهر حول المنزل قبل وصول قوات البوليس اليه لمنعها من أخذه والدفاع عنه بصدورهم وأرواحهم إذا لزم الأمر. وكانت الخدعة من وراء تلك الإشاعة هو نصب كمين لهم حول أطراف البيت في غاشية الليل لقبض البوليس عليهم حال وصولهم الى هناك. وفعلاً ما أن امتلأ المكان بالقادمين ومعظمهم من طلبة جامع الزيتونة حتى حوصروا من طرف القوات المدججة بالسلاح والذين لم يترددوا في إطلاق النار عليهم لتفريقهم فحصدت الرشاشات أرواحهم الزكية وسقط الكثير منهم قتلى وجرحى، ربما أكثر من اليوم السابق.

فزادت هذه العملية الدامية من إصرار الجماهير على التعلق بزعيمها المفدى علي البلهوان والمناداة بحياته وحياة رفاقه لإطلاق سراحهم بعد أن تم اعتقالهم والحكم عليهم بالسجن وكان حُكم عليه هو بخمس سنوات.

وما ان استرجع الزعيم حريته واستأنف نضاله رغم المضايقات حتى أتيحت له الفرصة عام ١٩٥١ للانتقال الى المشرق لتمثيل الحزب ونشر القضية التونسية هناك بكل الوسائل، لكسب مزيد من التأييد لها في المحافل الدولية وحشد الدعم العربي اللازم، عن طريق النشر في الإعلام وبالصحافة وبالمحاضرة وعقد المؤتمرات والندوات. فكانت لقاءاته واتصالاته هناك بالزعماء والمسؤولين الكبار وزياراته المتكررة الى بغداد والقاهرة ودمشق قد أثمرت مساندة قوية للملف التونسي الذي كان البلهوان حلقة جديدة فيه تنضاف للحلقات السابقة التي كان على رأسها الشيخ الثعالبي في أول الأمر ثم الزعيم بورقيبة. ومن ثمرات هذه الإقامة في القاهرة تأليفه لكتابه "تونس الثائرة "، الذي رسم فيه أوضاع تونس المناضلة في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وصولاً الى مرحلة الكفاح المسلح في أوائل الخمسينيات التي انطلقت رداً فشل مباحثات الاصلاح من أجل الحكم الذاتي وشجب سياسة القمع الممنهج والضغط لاحتواء الحركات الشعبية المناهضة لمناورات الاستعمار والمطالبة بالاستقلال التام واسترجاع الدولة التونسية سيادتها المسلوبة.

ويعتبر كتاب "تونس الثائرة" تواصلاً لكتابين قبله هما "هذه تونس" للدكتور الحبيب ثامر و "تونس الشهيدة » للشيخ عبد العزيز الثعالبي.

وكتاب "تونس الثائرة" لعلي البلهوان يعكس كالمرآة الصافية أفكاره ومواقفه من جملة الأحداث التي مرت بالحزب الدستوري والحركة التحريرية والقضايا التي شغلت الرأي العام الوطني والخارجي على مدى عقود من الكفاح التونسي في مقاومة الاستعمار. ويعكس كذلك بكل أمانة مواقف الخصوم والأعداء والأنصار من كثير من المشكلات التي عرضت، أو طرأت عبر المحطات التي مرت بها القضية الوطنية والتزمت فيها معظم القيادات بواجب الحكمة والتعقل، حقناً للدماء والأرواح وحفظاً للمكاسب.

ويظهر البلهوان من خلال كتابه بلغته الواضحة وبأسلوبه الشيق وتعبيره الصريح رجل كفاح صلب ورجل دولة لا يساوم ولا تغره المظاهر ولا تلين له قناة في سبيل الدفاع عن مقومات الأمة في دينها ولغتها ووحدتها، ولا تغيب عنه المبادئ التي استشهد من أجلها خيرة أبناء الوطن في سبيل استرداد سيادة دولتهم وتمثيل شعبها تمثيلاً ديمقراطياً في برلمان تونسي صميم يعكس دستوره بحق أغلى مطالبها التي كافحت من أجلها ويضمن نهضتها الموعودة ورقيها.

ويظهر كذلك أن أهم ما عاد به الزعيم البلهوان الى تونس من القاهرة في فيفري ٥٥ هو كتابه هذا الذي كان طبعه هناك قبل أقل من سنة تقريباً، وحرص على إطلاع صديقة المنجي سليم عليه، الذي كان آنذاك في باريس غارقاً في المفاوضات التي سبقت الاتفاقيات المشؤومة، فزاره للغرض بجنيف وتباحث معه قبل عودته الى تونس من القاهرة.



ولذلك نجده يغيب فجأة عن مسرح الأحداث بعد سنتين تقريباً، شهد خلالها مؤتمر صفاقس الاستثنائي للحزب الذي تقدّم عهد الاستقلال الذي نالته البلاد في الظروف التي وصفها هو مبكراً في كتابه، وكأنه يُشهد على نفسه أنه ضامن بأن التوجه القادم الذي اتخذته قيادة الحزب بعد الاختلاف الذي حصل في صلب قياداته حول اتفاقيات الاستقلال الداخلي، لا يمكن أن يكون مآله الى حكم فردي لا يحسب حساباً إلا لمصالح مجموعة على حساب مجموعة، أو ويرضي من يقوده بتسيير تونس وهي مكبلة باتفاقيات احتلال واستعمار سابقة لم تلغ تماماً وباتفاقيات الحكم الذاتي الجديدة ليقوى بقبولها على خصومه ومنافسيه، وهي الاتفاقيات التي طالما انتقدها قادة الحزب أجمع ورفضتها مقدّماً جميع قوى المجتمع ممثلة في لجنة الأربعين، بمباركة من الملك نفسه.



وجد الرجل نفسه في المجلس القومي التأسيسي، لأول يوم في افتتاحه في ٨ أفريل ١٩٥٦ يوم ذكرى ٨ أفريل ١٩٣٨ الذي كان أحد أبرز رموزه، لا يُؤبه له بقول في الديمقراطية التي أرادها أن تسود المجلس. فقد طالب يومها أن تجري انتخابات رئيس المجلس بالاقتراع السري على المترشحين. ولما نبهه رئيس الجلسة أن المترشح واحد لا منافس له، وأنه لا فائدة في الاتيان بصندوق اقتراع وظروف ربحاً للوقت ومنعاً للديمقراطية الصورية والانتخاب الفارغ، رد بكل حزم بأنه من غير المحبذ خرق المبادئ التي وقع سنّها قبل قليل لتنظيم عمل المجلس حتى لا تصبح عادة، وبأنه من الضروري التمسك بحق النواب في الانتخاب على الأشخاص بالاقتراع السري حتى ولو كان المترشح واحداً وفي مشاريع القوانين برفع الأيدي، كما نصت عليه القوانين وتقتضيه الديمقراطية الحقة. وكالتحدّي له أعلن رئيس الجلسة أن الرأي للمجلس فله وحده حق البت في هذه المسألة، فلما عرضها على المجلس تعالت الأصوات برفع الأيدي لانتخاب الرئيس. ولكن عند التطبيق ظهر الخلل الفاضح؛ فقد عُدت الأيدي التي أجابت بنعم فكانت أقل من نصف الحاضرين بالمجلس، وعندما نودي عمن لا يوافق أو يحتفظ لم ترتفع ولا يد واحدة. فوقع الاضطراب والارتباك واضطر رئيس الجلسة الى اللجوء الى إعادة الكرة؛ ولكن هذه المرة بالمناداة بأسماء النواب واحداً واحداً؛ فكانت النتيجة أفضح من الأولى، حيث كان التصويت بنعم بإجماع الحاضرين!



ويجب أن يدلنا هذا الموقف عمّا أخْفته مداولات اللجان بالمجلس وما كان يدور فيها من نقاش وما كان للنائب علي البلهوان من ملاحظات حول توطئة الدستور ومواده في أبوابه الرئيسية التي تنظم مختلف السلطات بالدولة، فضلاً عن طبيعة النظام الرئاسي ذاته.

وربما باعدت السلطة بينه وبين المجلس لمواقفه غير المنسجمة مع الموقف السائد حين فرّغته بعد أقل من سنة لرئاسة بلدية العاصمة. فوجد نفسه يتخلى ربما دون رغبة عن خطته الهامة كأمين عام للمجلس التأسيسي ومقرراً عاماً لمشروع الدستور.

ودفاعه عن الديمقراطية التي كان يؤمن بها إيماناً راسخاً كحل للحكم الرشيد، جعلته ربما يقبل بالقيام عند إعلان الجمهورية بالتمثيل في الوفد الذي تحوّل لإخبار الملك بقرار المجلس. وهو الذي ربما أصبح يعتقد أن النظام الملكي لم يعد يصلح لمرحلة تونس بعد الاستقلال، وأن النظام الجمهوري الذي ارتقت اليه البلاد لا بد أن يحقق الديمقراطية المنشودة أفضل من التعلق بنظام وراثي حتى المقيد بدستور في أسرة كما وصفهافي كتابه بدأت تتآكلها الخلافات على الحكم، وستكون الظروف أسوأ في ظل التحولات الجديدة لتونس المستقبل بين متعاون فيها مع الخارج لتثبيت قواعد ملكه وبين مؤمل على قسم من الداخل لدعم بقائها.

وقد يكون روعي في اختياره لهذه المهمة قرابته الدموية بالأسرة المالكة، وما سطره في كتابه تونس الثائرة" من تمثين لدور الباي في محنته مع فرنسا خاصة حين رفض الانصياع لقرار المقيم العام آنذاك بعزل الوزير صالح بين يوسف بسبب دعوته كأمين عام للحزب الى إضراب تضامني مع أحداث مراكش على وقع الاضطهاد الفرنسي هناك، وأورد في هذا الكتاب قول الباي للمقيم في المحاورة التي جرت بينهما، كما يلي:

" الباي: لماذا يا ترى تطلب مني إقالة ابن يوسف بهذا الإلحاح مع أنه يتمتع بثقتي التامة؟

المقيم: لأنه قام بعمل عدائي نحو فرنسا، فأصدر أمراً بالإضراب العام مقاومة للجنرال جوان ممثل فرنسا بمراكش.

الباي: عدو فرنسا هو من يحدث لها القلاقل ويبعد عنها القلوب، أما صالح بن يوسف فإنه نبهها لغلط ربما تقع فيه، وحذرها بعمله من خطأ كبير؛ لأن تهديد السلطان في مراكش أو خلعه يجعل من أصدقاء فرنسا أعداء لها، زد على ذلك أن الشعب المراكشي شعب شقيق يربطنا به الجنس والدين واللغة والوطن، وأنا شخصياً أعد سلطان مراكش أخاً لي في الإسلام، وكل ما يؤذيه يؤذيني أيضاً، فأنا موافق لصالح بن يوسف وأعد نفسي أباً للدستوريين جميعاً، فلا أقيله من الوزارة، فقد عبر عن عواطف الشعب التونسي بأسره، وأنا فرد منه نحو الشعب المراكشي".

وقد يكون الرئيس بورقيبة أصبح يتوجس من علي البلهوان توجهاته الاحترازية نحوه حول كيفيته في إدارة شؤون الدولة، فقدّر أن يبعده عن السلطة التنفيذية شيئاً فشيئاً كزميله المنجي سليم، ومحمد بدرة. خصوصاً وأن إشعاع الرجل في الخارج أصبح يلقي الظل على شخصيته وطريقته في الحكم؛ وتأكد ذلك له إثر انعقاد مؤتمر أحزاب المغرب العربي بمدينة طنجة في أواخر افريل ٥٨، الذي شارك البلهوان ممثلاً فيه للحزب وتم اختياره عضواً في الوفد المكلف بإبلاغ قرارات المؤتمر إلى ملوك ورؤساء دول المغرب العربي وتوصياته لهم بشأن الوحدة والديمقراطية والتضامن. فأصابته نوبة قلبية لثلاثة أيام من وصوله الى تونس وهو يتأهب للتحول الى طرابلس لأداء مهمته.

ولا شك أن بورقيبة الذي كان يتابع بعين المنافس النجاح الجديد للزعيم البلهوان الذي حققه في مستوى قيادات أحزاب المغرب العربي، إضافة الى النجاح الذي كان حققه في المشرق، سنوات وجوده به، والحظوة التي نالها هناك لدى ملوك ورؤساء الدول والحكومات حتى كان بعضهم يقربه منه كأخلص الأصدقاء والمستشارين، إعجاباً بشخصيته السياسية والثقافية والعلمية القوية.

ولم ينس بورقيبة ما سجله البلهوان في كتابه "تونس الثائرة" من أنه قال في رسالة نقلها عنه يقنع فرنسا بأنه لا يغير مستعمراً بمستعمر آخر إذا أذعنت لمطالبه في التعاون معه بعد الاستقلال.

ولا يغيب عن كل عارف بتاريخ منصب شيخ بلدية العاصمة الذي أصبح يحتله البلهوان أن هذا المنصب كان يشغله عشية انتصاب الحماية سلفه خالد الذكر الشيخ محمد العربي زروق، المشهور بنصيحته للباي بعدم التوقيع على اتفاقية الحماية واستنهاض الشعب للدفاع عن سيادة الدولة ولو افتدى نفسه. هذا الشيخ الجليل الذي تعرض للاغتيال والمطاردة من قبل خصومه وأعدائه الذين أصبحوا كثراً بعد الحماية مما ألجأه الى الهجرة من تونس، هو مرب في الأصل وأول مدير للصادقية التي درس ودرّس بها علي البلهوان، فوفاء لذكراه لم يتأخر أول رئيس لبلدية العاصمة بعد الاستقلال، في شخص علي البلهوان، في أول قرار بعد توليه من اقتراح إطلاق اسم العربي زروق على ساحة لافيجري، ذلك الكاردينال الفرنسي الذي دعا لتنصير تونس، والقائم تمثاله بباب البحر عند مدخل المدينة العتيقة؛ ولكن بورقيبة رفض الاقتراح بحدة، تحت دعوى القرابة والتطابق في الاسم بين العربي زروق والجنرال أحمد زروق وزير الحرب قبل الحماية سيّ الذكر في جهة الساحل.

ولا شك أن هذا الرفض لم يكن ليمر دون أن يكون له الأثر في العلاقة بين الرئيس بورقيبة وشيخ المدينة على البلهوان، خاصة وأن بورقيبة لم يسمح إلا في أواخر عمره بمشاركة رئيس بلدية العاصمة في الحكومة كما كان الحال قبل الحماية، الى أن كانت حكومة محمد مزالي في رئاسة ومشيخة زكريا بن مصطفى.



هذا الزعيم الكبير علي البلهوان، الذي اشتهر باسم علالة البلهوان، والذي عرفاناً له وتخليداً لاسمه ولاسم رفيقه في الكفاح المنجي سليم، الذي قاد الرافد الثاني للمظاهرة من الجهة المقابلة للالتقاء وإياه بساحة الإقامة العامة، تَسمّى كثير من الولدان عامها باسمهما تخليداً لشجاعتهما ونضالهما، وأنا نفسي أحدهم، بقي في خلْد بورقيبة أنه لم يكن حاضراً في ذلك اليوم معه، لملازمته للفراش لوعكة طارئة، لم يلبث وهو رئيس للدولة بعد ذلك، وفي إطار ما يسميه بإعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية أن غير الاحتفال بعيد الشهداء لليوم التالي، يوم ٩ أفريل؛ ربما للدور الذي لعبه هو نفسه عندما طلبت فرنسا منه التدخل يومها لإيقاف التصعيد، الذي كان متوقعاً باعتبار قرار الحزب بالتظاهر والإضراب الذي اتخذ في غيابه وتحدد لثلاثة أيام بدءاً من اليوم الثامن من أفريل.

وربما غمطاً للزعيم علي البلهوان الذي حملته الجماهير على الأعناق يومها وهي تهتف به وهو يتحدى بخطابه الحماسي رصاص الاستعمار الموجه الى صدره وصدور المتظاهرين الذين كانت تغلي بهم ساحة الإقامة العامة الفرنسية في مشهد لم يسبق له مثيل.

وكم تصرّفَ الرؤساء أصحاب الحكم المطلق فيما يلبّي رغباتهم لتلميع تاريخهم. فمن جاء بعده لم يتأخر كذلك عن تعديل العلم الوطني في رسم النجم داخل الهلال، فقلب النجم وجهاً لظهر ليناسب الوضع الذي رُسم به العلم الذي تسرّع يوم السابع من نوفمبر لترئيس نفسه بنصبه الى جانبه دون التفطن الى الخطإ فيه. فكانت الصورة الرسمية التي التقطت له تحمل صورة للعلم الوطني ووضْع النجم فيه منقلب عن الأصل.

وكتبنا في ذلك للصحافة للفت النظر عندما قرأنا فيها في اليوم الموالي خبر تصديق مجلس النواب على مشروع القانون المعروض من أجل ضبط صورة العلم. ولكن مقالنا لم ينل حظه من النشر لاعتراض الأوساط الرسمية على نشره، وإن ظهرت نسخ منه بالأيدي ووقع التحقيق معنا من أجله.

وبقي في أملنا أن يعرف الناس بقصة هذا التعديل الغريب الذي أدخل على العلم، ويعودوا به الى وضعه الأصلي؛ خاصة وأنها الصورة الراسخة له في الأذهان كما سجلتها عدسات التصوير في مظاهرة ٨ أفريل يوم أن تجرأ على حمله علي البلهوان، ورفعته على أعناقها معه آلاف الأيدي تحدياً لقرار الإقامة العامة بتحجير حمله كشارة في المظاهرات وذلك تحدياً منها لمشاعر المسلمين والتونسيين عامة، لما يرمز اليه من حرية يراق في سبيلها الدم وتستشهد الأرواح من أجل أشعة نجمه الخمسة التي ترمز الى أركان الإسلام، وهلاله الذي يرمز الى مواقيت الأشهر والأعياد. فكاتبْنا بعد الثورة رئيس المجلس التأسيسي فلم نتلق رداً، وكاتبنا كذلك رئيس حكومة النهضة فلم نتلقى كذلك رداً.



وهذه بعض الحقائق المغيّبة التي أردنا أن يعلم بها الرأي العام من خلال هذه الندوة. وأملنا أن يلتفت المسؤولون الجدد، الذين حررت الثورة المباركة بعض إرادتهم التي كانت مغلوباً عليها ليقووا على تصحيح ما يتبين لهم أنه الحق وأنه الأصل.

فقضية العلَم هذه، جاء في شرح الأسباب من أجل تعديله، أنه تم بناء على دراسة تاريخية وفنية قام بها مكتب دراسات مختص. فلما سألنا للاطلاع على هذه الدراسة ومن هو مكتب الدراسات الذي تولى ذلك، قيل لنا إن من أعمال مداولات اللجنة بمجلس النواب محظور الاطلاع عليها. فقلنا لهم: المداولات هو المحظور الاطلاع على ما دار فيها بين النواب؛ ولكن تقرير مكتب الدراسات غير مشمول بالحظر! ولا من مجيب.

ولما قلنا في مداخلة لنا بمجلس الأمة "إن تدعيم دور الشباب الطالبي في مجتمعنا لهو واجب مقدس لأن الطلبة هم الذين بدونهم يصبح للقمع معنى"(كتابنا مداخلات عضو بمجلس الأمة، ص ١٤٥) وفي ذهننا ما قدّمه المرحوم علي البلهوان من نصائح في سبيل دعم الشباب المتنور لنصرة قضايا الوطن والدفاع عنها، لم نلق آذاناً صاغية من الحكومة بل الطعن في أهليتنا للتكلم باسم الشباب واتهامنا بدفعه الى الفوضى والتخلي عن واجبه!

مات الزعيم الفذ الذي خلد اسم الشباب بنضاله، مات وهو في ريعان الشباب في الأربعينيات من عمره، وخلف لنا تراثاً كبيراً، يمكن أن نستقي منه الفهم والتحليل الصحيح لمثل أوضاعنا اليوم مع اختلاف الأسماء لنصرة الحق والديمقراطية والسلام. وما أحوجنا الى الاستنارة بنضالات صاحبه ومن تحدث عنهم فيه وآرائهم وأفكارهم لحل مشكلاتنا المزمنة والعَود الى نظراتهم الاقتصادية والثقافية والتربوية، وفي مقدمتها مقومات السيادة الوطنية للدولة الناجحة، والمتقدمة بشعبها نحو اكتساب عناصر القوة والعلم، تحدوها العزة بدينها ولغتها وحضارة أمتها.

إن هذه الندوة مناسبة أولى لاستذكار الراحل العظيم علي البلهوان بفخر واعتداد، وبأحب ألقابه اليه، جادت بها الثورة التي قادها الشباب، لرد الاعتبار له كشخصية محورية في الكفاح التحريري، ورفع الغمط عنه، ومن خلاله رد الاعتبار لرمزية علَمنا الوطني الذي رفعه يومَ أن حظر الاستعمار رفعه، في صورته الجميلة المتناسقة والنجمُ يتنزل فيه تماماً كما يتنزل في علَم الجزائر وعدد من الدول الشقيقة الأخرى التي في علَمها نجمٌ يتوسط الهلال مثلنا واتجاهه كاتجاه الكتابة العربية، أي بشكله نحو الاكتمال بدراً وليس نحو الانتقاص؛ وأيضاً رد الاعتبار ليوم ٨ أفريل يوم انطلاق أول مظاهرة كبرى سلمية في تاريخ حركتنا الوطنية لطرد الاستعمار وحكم بلادنا بأنفسنا في كنف الحرية والسيادة والديمقراطية والدستور.

تونس في ٢٥ شوال ١٤٤٠هـ

٢٩ جوان ٢٠١٩م


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

علي البلهوان، تاريخ تونس، الشباب،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 30-06-2019  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  لمحات (12)
  لمحات (11)
  لمحات (10)
  لمحات (9)
  لمحات (8)
  لمحات (7)
   لمحات (6)
  لمحات (5)
  لمحات (4)
  لمحات
  حتى تكون الانتخابات المقبلة محاكمة لمجلس خذل الرئيس وقبَر قبله المحكمة الدستورية
  تونس الباجي
  زعيم الشباب علي البلهوان حقائق (مغيبة)
  مراجعات على الوافي (8 وأخيراً)
  مراجعات على الوافي (7)
  مراجعات على الوافي (6)
  مراجعات على الوافي (5)
  مراجعات على الوافي (4)
  مراجعات على الوافي (3)
  مراجعات على الوافي (2)
  مراجعات على الوافي
  أحياء نيوزيلندا عند ربهم يشهدون..
  من أعلام المعاصرة المثقف الكبير الأستاذ مصطفى الفيلالي
  فرنسا والغضب الأكبر
  في ذكرى العلامة حسن حسني عبد الوهاب في خمسينيته
  أبناء السياسة وأبناء النسب
  الصدريات الصفراء رفضٌ للعولمة باسم المواطنة
  سياسة المراحل والبنوة للأبوة
  وزير للدولة والوزير المُراغم للدولة
  جديد الحكومة: منح العطل لمنع الإضراب عن العمل

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد النعيمي، إسراء أبو رمان، الناصر الرقيق، حسن الطرابلسي، د. محمد عمارة ، أبو سمية، إيمى الأشقر، مصطفي زهران، محمود فاروق سيد شعبان، عمر غازي، مراد قميزة، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. صلاح عودة الله ، سحر الصيدلي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، حمدى شفيق ، منى محروس، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. جعفر شيخ إدريس ، فتحي الزغل، صالح النعامي ، خالد الجاف ، ياسين أحمد، العادل السمعلي، صلاح الحريري، سعود السبعاني، د - احمد عبدالحميد غراب، د - مضاوي الرشيد، د. نانسي أبو الفتوح، إياد محمود حسين ، علي الكاش، د. طارق عبد الحليم، د. محمد يحيى ، د. عبد الآله المالكي، ماهر عدنان قنديل، خبَّاب بن مروان الحمد، أحمد بن عبد المحسن العساف ، فراس جعفر ابورمان، محمود صافي ، حميدة الطيلوش، عراق المطيري، محمد تاج الدين الطيبي، د. الشاهد البوشيخي، صفاء العراقي، تونسي، د - شاكر الحوكي ، أحمد الغريب، فتحـي قاره بيبـان، د- هاني ابوالفتوح، د. مصطفى يوسف اللداوي، حسن الحسن، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، الشهيد سيد قطب، د - محمد سعد أبو العزم، د - الضاوي خوالدية، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رأفت صلاح الدين، هناء سلامة، د.محمد فتحي عبد العال، رضا الدبّابي، فتحي العابد، طلال قسومي، فهمي شراب، د. أحمد بشير، محمد الياسين، أشرف إبراهيم حجاج، فوزي مسعود ، حاتم الصولي، محمد أحمد عزوز، شيرين حامد فهمي ، وائل بنجدو، محمد اسعد بيوض التميمي، محمود سلطان، فاطمة حافظ ، مصطفى منيغ، عبد الله الفقير، كريم السليتي، محمد الطرابلسي، صفاء العربي، رمضان حينوني، د. محمد مورو ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، نادية سعد، د- محمد رحال، سامر أبو رمان ، سامح لطف الله، د - محمد بن موسى الشريف ، سلوى المغربي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد شمام ، د. خالد الطراولي ، أحمد بوادي، منجي باكير، فاطمة عبد الرءوف، سفيان عبد الكافي، عزيز العرباوي، محمد إبراهيم مبروك، سيدة محمود محمد، حسن عثمان، سوسن مسعود، د- جابر قميحة، مجدى داود، أحمد الحباسي، علي عبد العال، د. نهى قاطرجي ، معتز الجعبري، د - المنجي الكعبي، سيد السباعي، أنس الشابي، عبد الغني مزوز، سلام الشماع، عواطف منصور، أ.د. مصطفى رجب، محمود طرشوبي، بسمة منصور، كريم فارق، صباح الموسوي ، د - محمد بنيعيش، عبد الله زيدان، عدنان المنصر، كمال حبيب، جمال عرفة، محمد العيادي، د - محمد عباس المصرى، د - مصطفى فهمي، د. عادل محمد عايش الأسطل، عصام كرم الطوخى ، يزيد بن الحسين، عبد الرزاق قيراط ، د.ليلى بيومي ، محرر "بوابتي"، د - غالب الفريجات، الهادي المثلوثي، يحيي البوليني، ابتسام سعد، أحمد ملحم، إيمان القدوسي، د. أحمد محمد سليمان، رافد العزاوي، محمد عمر غرس الله، د- محمود علي عريقات، جاسم الرصيف، صلاح المختار، المولدي الفرجاني، د- هاني السباعي، الهيثم زعفان، رافع القارصي، رشيد السيد أحمد، د - صالح المازقي، د. الحسيني إسماعيل ،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة