تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

من أعلام المعاصرة المثقف الكبير الأستاذ مصطفى الفيلالي

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


الموت لا يغيّب الحي ولكن يخلّده بأعماله، وممن أعماله لا تموت فقيدنا العزيز، بل فقيد الوطن ومَفْخرة أبنائه الأستاذ مصطفي الفيلالي، الذي هو أكثر من أستاذ وقائد وقدوة في كل مجال من مجالات حياته، النضالية والنقابية والإدارية والسياسية والنيابية والحزبية؛ وفي غير ما سوى ذلك من مجالات الإبداع الفكري والثقافي والفلسفي والديني.

رجل رؤية وإصلاح واستشراف، حتى لكان أحد القلائل، لا تغادرهم خطة أو يغادرونها - أو وظيفة أو مهمة أو رسالة - إلا وهو عالي الهمة كبير النفس، غير طَموع أو طموح في تكريم أو تشريف غير مستوجب أو مستحق؛ وإلا وهو لم يترك فيها بصمته القوية وكلمته النافذة، وكلمته الناقدة كذلك، وأسلوبه المتفرد.

عاصر القبائل والعروش في أوْجها شهامة ووحدة كلمة، ونَفرة ونُصرة واستبسالاً من أجل الوطن ومجده، والدين وعزته، والرجولة وبيض أياديها؛ وعاصر الدولة الحديثة، تحت بسطة القائد الأوحد الموحِّد لقريبها وبعيدها، مغمورها ومهجورها، حضَرها وباديها، وكأنه أراد أن يبني من ورائه أمة واحدة موحدة، تكون كذلك الجزء الذي لا يتجزأ لوحدة المغرب العربي الكبير المأمول ثم للوحدة العربية الإسلامية. ولم يُعجزه حُلمه، وهو الذي يعلم أن الدول لا تُبني بعمر الأنسان القصير ولكن بأعمار الأجيال من عمر البشر، فمضى يُعدِّي على سلبيات المواقف ومخلفات العُقد وصعوبات الظروف بالكتابة والحوار والمحاضرة والتحرك لدفع الهمم وإثارة العزائم، من أجل التمسك بالعروة الوثقى، التي لم يكن ليَفلت حبلها من يده، ككل مؤمن بمستقبل بلاده تحت غير نير الذلّ والتعبية للعادي والمعتدي على ذاتيتها القومية والدينية المخلّدة.

فبقي مصطفى الفيلالي هو هو، الجديد المتجدد مع كل جديد يَجدّ، وكأنه يريد الأول أن يأخذ الأحداثَ على براءتها الأولى ليصنع منها ما صنعه الفاتحون الأولون من مجد لأوطانهم. وظل ثابتاً على عروبته لغة وثقافة وانتماء وعلى دينه عقيدة واجتهاداً، حين كرمه الله بالمسؤوليات الأولى في بناء دولتها الوطنية بعد الاستقلال، ثم في أزماتها بالحداثة والمعاصرة ومواكبة الأمم علماً وتقنية وصناعة؛ ولا تجده إلا مقداماً في الخطوات الأولى للتصحيح والإصلاح والبناء دون التهديم، مثلَ فِعله الحثيث مع الثورة في أقسى ظروفها استقراراً، كأحد شيوخ الحكمة ومراجع النظر والتدبير.

وإذا قلنا إنه، من الأول ملأ صدره بالقرآن الكريم وتربى على فضائل المنشأ في صميم جلاص وأعاليها، مَحتد العراقة والفروسية والكرم والشرف، ثم أخذته الرحلة للعاصمة، من بلدته البعيدة في أعالي شراحيل سيدي علي بن نصر الله، بلدة القرآن والأولياء الصالحين والكدح وبناء الهمم العالية، للتعليم الوطني الحديث العصري من صادقية خير الدين وخلدونية الزيتونة، ما تقَوّم به عُودُه قبل أن تؤهله مواهبه الخارقة على أقرانه للالتحاق بجامعة السربون لنيل الاختصاص في الآداب والعلوم الإنسانية، وفي مقدمتها علوم بلاده العربية وحضارته الإسلامية وما خلفته من آثار على تقدم العلوم الاجتماعية والاقتصادية في فرنسا وفي سائر أوروبا منذ أيام القيروان والأندلس وبلرم وغيرها. وجعلته ينافس فيها أقرانه الفرنسيين في ألزم ما ألزمهم من أسرار تقدّمهم في الحريات وفي جماليات الكون والحياة وفي الديمقراطية واكتساب ناصية العلوم والمعارف.

فلم يكن هذا الزاد ليخطئه في سائر حياته خطيباً مصقعاً ومحاضراً لبقاً ومحللاً اقتصادياً واجتماعياً ومسؤولاً سياسياً ونقابياً ورجل دولة معتبر. وأكثر من ستين عاماً عطاء بعد شبابه الأول وهو على رأس المسؤوليات، لا يخطئ الباحثُ إذا لم يجد عطاء متفرداً في كل سنوات مصطفى الفيلالي الواحدة تلو الأخرى، الى آخر أيامه كيعسوب النحل يعالج خلايا ما بعد الثورة ليستقر على حال تكون للدولة فيها وللمجتمع الغلبة على مشاكل التخلف والنمو.

إن الموت يخلد الأحياء بقدر ما تخلدهم أعمالهم.

تونس في ٢١ جانفي ٢٠١٩


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

مصطفى الفيلالي، تونس، النقابيون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 22-01-2019  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  أحياء نيوزيلندا عند ربهم يشهدون..
  من أعلام المعاصرة المثقف الكبير الأستاذ مصطفى الفيلالي
  فرنسا والغضب الأكبر
  في ذكرى العلامة حسن حسني عبد الوهاب في خمسينيته
  أبناء السياسة وأبناء النسب
  الصدريات الصفراء رفضٌ للعولمة باسم المواطنة
  سياسة المراحل والبنوة للأبوة
  وزير للدولة والوزير المُراغم للدولة
  جديد الحكومة: منح العطل لمنع الإضراب عن العمل
  المورط في مقتل خاشقجي النظام لا أفراد منه
  اختبارات الديمقراطية في تونس: بين مد وجزر
  الثقة والولاء والقسم في السياسة
  مقدمة لديوان المناجل للشاعر منور صمادح
  التقدير الخطأ
  الفرنكوفونية أو التعصب الثقافي
  ”لا نفرّق بين أحد من السبسي في الحزب كلنا أبناؤه”
  فقْد خاشقجي ولعبة الأمم
  إحياء لإدانة العدوان والمتواطئين مع العدوان: صرخة حمام الشط لم تشف منها نفس
  اللهم احم تونس
  من كان في نعمة.. أو أبلغ كلام قاله الباجي في خطابه
  انسجوا على منوال ترامب تصحوا وتسلموا
  ناتنياهو والسياسة
  القطيعة للنهضة كطوفان نابل
  الرد على الدكتور عبد المجيد النجار في التخويف من فتنة المساواة في الإرث
  المسكنة أو حديث الذكريات للشيخ راشد
  التقرير الصدمة
  قراءة في أدب أطفالنا (بمناسبة يوم المرأة في تونس)
  إتفاقيات الاستقلال الداخلي لتونس والمداولات البرلمانية الفرنسية بشأنها في كتاب
  المظلمة على ابن خلدون
  تقويم نهج البيان في تفسير القرآن

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سيدة محمود محمد، محمد اسعد بيوض التميمي، حمدى شفيق ، د - صالح المازقي، فهمي شراب، جمال عرفة، خالد الجاف ، الهادي المثلوثي، سفيان عبد الكافي، صلاح الحريري، نادية سعد، د. مصطفى يوسف اللداوي، مصطفى منيغ، إسراء أبو رمان، د - المنجي الكعبي، مجدى داود، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، الشهيد سيد قطب، حسن الطرابلسي، د. نانسي أبو الفتوح، إيمى الأشقر، رشيد السيد أحمد، عبد الغني مزوز، العادل السمعلي، محمد عمر غرس الله، وائل بنجدو، علي عبد العال، حسن الحسن، د. الشاهد البوشيخي، يزيد بن الحسين، د. محمد يحيى ، صلاح المختار، د - مضاوي الرشيد، مصطفي زهران، رضا الدبّابي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، كمال حبيب، د. أحمد محمد سليمان، صباح الموسوي ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، معتز الجعبري، د. محمد مورو ، هناء سلامة، د - غالب الفريجات، محمد الياسين، محمود طرشوبي، د.محمد فتحي عبد العال، ياسين أحمد، محمد أحمد عزوز، سيد السباعي، د - محمد عباس المصرى، حميدة الطيلوش، د - مصطفى فهمي، فاطمة حافظ ، د - شاكر الحوكي ، سامر أبو رمان ، أحمد الحباسي، أحمد بوادي، د - احمد عبدالحميد غراب، فوزي مسعود ، محمد إبراهيم مبروك، عراق المطيري، محمود صافي ، مراد قميزة، حسن عثمان، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. عادل محمد عايش الأسطل، عبد الله الفقير، أحمد النعيمي، عبد الله زيدان، رمضان حينوني، طلال قسومي، ابتسام سعد، رأفت صلاح الدين، منى محروس، د. أحمد بشير، صالح النعامي ، محمد العيادي، د- جابر قميحة، فاطمة عبد الرءوف، محمود سلطان، حسني إبراهيم عبد العظيم، إياد محمود حسين ، د - الضاوي خوالدية، سحر الصيدلي، صفاء العربي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. عبد الآله المالكي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد شمام ، د. الحسيني إسماعيل ، فتحي الزغل، علي الكاش، إيمان القدوسي، محمد الطرابلسي، د. جعفر شيخ إدريس ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، شيرين حامد فهمي ، د- هاني ابوالفتوح، صفاء العراقي، ماهر عدنان قنديل، كريم فارق، أحمد الغريب، فتحي العابد، أبو سمية، د - محمد بن موسى الشريف ، عصام كرم الطوخى ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - أبو يعرب المرزوقي، محرر "بوابتي"، د - محمد بنيعيش، د - محمد سعد أبو العزم، كريم السليتي، سلام الشماع، د. نهى قاطرجي ، الناصر الرقيق، فراس جعفر ابورمان، يحيي البوليني، فتحـي قاره بيبـان، عمر غازي، رافع القارصي، أحمد ملحم، منجي باكير، جاسم الرصيف، عدنان المنصر، د. صلاح عودة الله ، أ.د. مصطفى رجب، أشرف إبراهيم حجاج، سلوى المغربي، محمد تاج الدين الطيبي، تونسي، د. خالد الطراولي ، حاتم الصولي، د- محمود علي عريقات، سوسن مسعود، المولدي الفرجاني، رافد العزاوي، أنس الشابي، عبد الرزاق قيراط ، الهيثم زعفان، د. طارق عبد الحليم، د.ليلى بيومي ، سعود السبعاني، بسمة منصور، د- هاني السباعي، د. محمد عمارة ، عزيز العرباوي، عواطف منصور، سامح لطف الله، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود فاروق سيد شعبان، د- محمد رحال، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏،
أحدث الردود
كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة