تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الإمارات وتونس: ليست زوبعة في فنجان

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


في زمن قريب سيطلب الإماراتيون من تونس خبراء في بناء المؤسسات الديمقراطية مثلما طلبوا منها ذات يوم خبراء في بناء المؤسسات التعليمية والبرامج والبيداغوجيا وهذه ليست عِرافة أو كهانة ولكنه مسار تحديث انطلق بسرعات مختلفة سبقت فيه تونس بأشواط وهي تسبق الآن في مجال بناء الديمقراطية وهذا هو منطلق الخلاف وجوهره.


إن ما يجري بين البلدين الآن هو حديث كاشف إلى أن التحديث العمراني بدون مؤسسات ديمقراطية يخدع المتحدثين عن التقدم والرقي ففارق العمران لا يغطي فارق النضج الديمقراطي وبهذا سنقرأ الواقعة ونحاول تبيان مصدر الخلاف وننظر في مسارات التحديث لنجيب عن سؤال بسيط أيهما أبقى للمستقبل عمارة الفكر أم عمارة الإسمنت.


الإمارات وتونس: ليست زوبعة في فنجان


يوجد شيء غامض خلف القرار الإماراتي وهذا الغموض سمح باختراع تأويلات لا حصر لها ولكن لا تفسير أشفى الغليل ودل على طريق لفهم ما يجري. لذلك بدت لي كل الأخبار متساوية في قلة الأهمية وعليه وجب العودة إلى تحليل مسار الاختلاف بين البلدين ليس في مجال السياسة الآنية فقط بل في المنشأ والمآلات الجذرية لبلدين تجمعهما فقط العضوية في جامعة الدول العربية وربما التقي بعض مواطنيهم في موسم الحج أما الجوهر فمختلف تماما ومنذ قرون عديدة.


ودون أن ندخل في المناكفة السائدة هذه الأيام بين بعض التونسيين الغيورين على بلدهم وبين بعض المدونين الإمارتين الذين يمنّون على العالم المال والعمل، فإننا نختصر ثم نفسر تونس دولة والإمارات كيان سياسي ما قبل الدولة ولم يرتق بعد إلى دولة يمكن قراءة أفعالها بعلم الاجتماع السياسي. وشكل العمارات والأبراج لا يصنع كيانا سياسيا وإنما فندقا على طريق سفر القوافل فلا فرق بين ترانزيت المطارات والمبيت ليلة في خان على طريق الحرير القديم ودفع معلوم الإقامة ووجبة العشاء لصاحب الخان.
مسار التحديث المؤسساتي مقابل بناء الخان.


الدولة التونسية قديمة في وجودها وقد راكمت الكثير من التراث الفكري والسياسي من روافدها المختلفة. تعرضت إلى نكسات سياسية كبيرة وخضعت للاستعمار المباشر وعانت الذل والهوان ولكنها في كل المراحل كانت تراكم تجربة وتحدث نفسها وترتقي لتكون دولة في عصرها.


وكان التعليم الحديث رافعة تحديث قوية حولت البلد إلى مصدر خبرات. تجربة التحديث التي انطلقت منذ أكثر من قرنين ورغم النكسة الاستعمارية فإنها لم تتوقف بل تعلمت من المستعمر نفسه فنون الزارعة والصناعة بما جعل البلد ينتج غذاءه ويصدر فوائض.


في المقابل ولدت الإمارات من ثروة النفط ووضعت نفسها على طريق التجارة الدولية محطة في موقع استراتيجي وسمح لها ذلك بمراكمة ثروة كبيرة حولتها رغم قلة العدد إلى فاعل محلي مؤثر ولكن هذا الفاعل لا يتحرك في الساحة كدولة إنما كمجموعة من المغامرين الذين لا يتحلون بأية أخلاق سياسية مما يجعلهم أقرب إلى العصابة المنفلتة في العالم تخرج للغزو ثم تعود إلى مستقرها المنيع.


ليس معنى هذا أن البلد لم تعرف تحديثا بل هي شكلا في قمة الحداثة المادية ولعلها معماريا من أعاجيب الدنيا السبع ولكن ماذا داخل العمارات العالية؟ لكن ليس للبلد مؤسسات تحول الثراء المادي إلى وجود دائم في التاريخ. لذلك يظل ثروة قابلة للنقل إلى أي مكان في العالم بكبسة زر.


للجغرافيا أحكامها في تدبر الغذاء ولكن ليس إنتاج الغذاء وحده كاف لتكون دولة يمكن إرسال الأبناء إلى أكبر مؤسسات تعليمية في العالم وهو ما يجري في الإمارات وللبلد نخبة متعلمة ولكنها نخبة من صناع المال مما يجعل البلد كله مملوكا لتجار ينسلون تجارا في فندق مرفه على الطريق ولذلك لم ينتبه من أصدر القرار بمنع التونسيات من ركوب طائراته إلى أنه يقوم بمخالفة قوانين دولية ما كان يمكنه تملك طائرة بدونها (وهو فعل من جنس الحصار على الطيران القطري) حيث مخالفة الشرعة الدولية للطيران المدني وهو ما يعيدنا إلى صورة العصابة المنفلتة في العالم والتي تعود للتحصن بالفندق في انتظار غزوة أخرى.


أي صورة الكيان ما قبل الدولة الحديثة الذي ردت عليه الدولة الحديثة عبر مؤسسات لا عبر تغريدات في توتير. الهجوم كشف أسلوب العصابة والرد كشف أسلوب الدولة والمعركة كشفت الفارق التاريخي في تجربة التحديث التونسية التي تنتهي الآن إلى بناء ديمقراطية وتنتهي بالإمارات إلى معاداة كل احتمال الديمقراطية في تونس.


احتمالات الديمقراطية التونسية يهدد وجود الإمارات كعصابة منفلتة قد تجد نفسها مضطرة ذات يوم إلى الدخول في معركة تحديث مؤسساتي تجبر رؤوس العصابات على فقدان مكاسبهم التي حصلوها بالبلطجة في المربع العربي والدولي القريب منهم.


الدولة ضد البلاطجة


جمع اليمنيون لفظ البلطجي على البلاطجة فكان أجمل في النطق من البلطجية وأعتقد أنهم كانوا يرون جيرانهم من البلاطجة فنادوهم بأسمائهم وهم الآن يحاربون من أجل طردهم وتحرير بلدهم فالبلاطجة احتلوا المكان (بمرتزقة مجلوبة) ويريدون تقسيمه لأن مشاهد المليونيات اليمينة في ربيع 2011 كشفت الفرق بين الدولة وإن كانت فقيرة وبين العصابة وإن كانت غنية.


ما فُعل باليمن يفعل بليبيا ويراد أن يفعل بتونس وقد فعل بمصر حيث في كل المواقع تظهر الدولة فتظهر العصابة لكسر احتمالات الديمقراطية ومعركة منع النساء التونسيات من الطائرات لا يمكن أن تخرج عن هذه المعركة ضد الديمقراطية.


الإرباك لفرض المعاركة الخاطئة وبث الشقاق في الموقف عبر شراء الذمم والرشى السياسية ثم التدخل السافر بحسب ما تتيح الجغرافيا. هذا أسلوب عصابة لا أسلوب دولة لها تراث في العمل السياسي ولها موقع في شبكة العلاقات الدولية القائمة (رغم كل الحروب) على القانون وعلى التخاطب الراقي بقنواته الدبلوماسية والمؤسساتية.


ثم تفصيل مهم في الأخير يمكن لجورج بوش أن يمارس البلطجة الدولية لأنه يملك وسائلها الفعلية ويمكنه ممارسة الظلم الدولي كرئيس عصابة مسلحة بالنووي ولكن تقليد حاكم إماراتي لجورج بوش في بلطجته الدولية يفتقد إلى عنصر مهم. فبوش يبلطج لصالح دولة مستقرة ولها شعب بينما يبلطج الأمير لنفسه ولمن يحميه لأن الأمير وإن افتقد للذكاء فإنه لم ينس أنه أضعف من أن يحمي نفسه لذلك يتمتع بالبلطجة ويدفع كلفة حراسته لبلطجي أقوى منه وهذه أكبر علامة على كيان ما قبل الدولة بل كيان ما قبل العصابة الحديثة.


وللتذكير فقط، نقول إن احتمالات الديمقراطية في البلدان العربية الحديثة تؤدي إلى فتح طريق القدس والتحرير بينما تخريب مسارات التحديث الديمقراطي تستديم الدكتاتوريات التي قامت واستقرت بصفتها بلطجية على شعوبها لصالح البلطجي الصهيوني. ويمكننا أن نرى بسهولة لمن يبلطج البلطجي الإماراتي .


رغم كل ألم الإهانة فإننا في تونس مستعدون لتعليم الإماراتي أبجديات الديمقراطية مثلما ما علمناه يوما كتابة اسمه على السبورة.. ذلك قدر المعلمين. أبناء الدول لا أبناء الكيانات!


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

الإمارات العربية المتحدة، حظر الطيران الإماراتي بتونس، تونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 27-12-2017   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - محمد بنيعيش، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د- هاني السباعي، د. محمد مورو ، د - محمد بن موسى الشريف ، محرر "بوابتي"، محمد الطرابلسي، د- هاني ابوالفتوح، د - شاكر الحوكي ، منجي باكير، يحيي البوليني، فتحي الزغل، صباح الموسوي ، د. صلاح عودة الله ، مجدى داود، عبد الرزاق قيراط ، د - مضاوي الرشيد، د- محمود علي عريقات، أبو سمية، حاتم الصولي، د. عادل محمد عايش الأسطل، نادية سعد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، الشهيد سيد قطب، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - غالب الفريجات، صالح النعامي ، مصطفي زهران، عراق المطيري، مراد قميزة، شيرين حامد فهمي ، خالد الجاف ، د- جابر قميحة، د.محمد فتحي عبد العال، ماهر عدنان قنديل، محمد عمر غرس الله، د. خالد الطراولي ، جمال عرفة، سوسن مسعود، جاسم الرصيف، عمر غازي، وائل بنجدو، حمدى شفيق ، العادل السمعلي، أشرف إبراهيم حجاج، محمد اسعد بيوض التميمي، د - أبو يعرب المرزوقي، محمود سلطان، كمال حبيب، د- محمد رحال، د - احمد عبدالحميد غراب، د - المنجي الكعبي، المولدي الفرجاني، رحاب اسعد بيوض التميمي، ابتسام سعد، عبد الغني مزوز، إيمان القدوسي، علي عبد العال، سيد السباعي، أحمد الغريب، صلاح المختار، مصطفى منيغ، رافد العزاوي، إسراء أبو رمان، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - محمد سعد أبو العزم، محمد الياسين، رمضان حينوني، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. الشاهد البوشيخي، صفاء العربي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عواطف منصور، د. جعفر شيخ إدريس ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، أنس الشابي، د - الضاوي خوالدية، أحمد الحباسي، د. عبد الآله المالكي، د. أحمد محمد سليمان، أحمد ملحم، معتز الجعبري، فتحـي قاره بيبـان، د. نانسي أبو الفتوح، رشيد السيد أحمد، د. طارق عبد الحليم، محمد إبراهيم مبروك، سفيان عبد الكافي، هناء سلامة، د. محمد يحيى ، سعود السبعاني، د. نهى قاطرجي ، د - محمد عباس المصرى، حسن عثمان، عدنان المنصر، أ.د. مصطفى رجب، رضا الدبّابي، أحمد النعيمي، عزيز العرباوي، د - مصطفى فهمي، سامح لطف الله، تونسي، محمود طرشوبي، فاطمة عبد الرءوف، ياسين أحمد، كريم فارق، كريم السليتي، سلام الشماع، عبد الله زيدان، يزيد بن الحسين، حميدة الطيلوش، د - صالح المازقي، حسني إبراهيم عبد العظيم، محمد شمام ، محمد أحمد عزوز، إيمى الأشقر، د.ليلى بيومي ، فهمي شراب، سحر الصيدلي، رأفت صلاح الدين، محمد تاج الدين الطيبي، خبَّاب بن مروان الحمد، فوزي مسعود ، سامر أبو رمان ، فاطمة حافظ ، سيدة محمود محمد، د. محمد عمارة ، د. الحسيني إسماعيل ، صلاح الحريري، الهادي المثلوثي، فتحي العابد، الهيثم زعفان، رافع القارصي، علي الكاش، سلوى المغربي، محمود فاروق سيد شعبان، حسن الطرابلسي، محمود صافي ، د. أحمد بشير، طلال قسومي، أحمد بوادي، حسن الحسن، صفاء العراقي، عبد الله الفقير، محمد العيادي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، فراس جعفر ابورمان، منى محروس، الناصر الرقيق، بسمة منصور، إياد محمود حسين ، عصام كرم الطوخى ،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة