تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

سقوط حلب والرأي العام التونسي

كاتب المقال المهدي مبروك - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


على غرار ما كان متوقعاً، انقسم الرأي العام التونسي، وهو يشاهد سقوط مدينة حلب في يد النظام السوري، وهي التي عانت من حصاره وبراميله، ما لم تعرفة مدنٌ في أفظع الحروب، كما عانت أيضاً من جماعاتٍ دينية متشدّدة وأمراء حربها التي لم تفسد بهاء حلب، بل أفسدت الثورة السورية برمتها، حين شوّهتها ونفرت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والدولي، حتى فقدت، أو تكاد، في تقديرنا، أفقها الإنساني الرحب. لسنا بصدد تفكيك العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى هذا الوضع المأساوي المحزن وانقلاب أوساط مهمة من هذا الرأي العام العربي والدولي تجاه ما حدث في سورية. ولكن، علينا أن نستحضر أن هذا الأمر لم يكن وليد اللحظة، بل كان نتيجة مسار متدرّج، ربما يعود إلى لحظة اندلاع الثورة وحتى سقوط مدينة حلب، أهم معقل للثورة، ظلت تفاخر به وتشحذ بها الهمة والعزم، ذلك أن هذا الانقسام الحاد الذي يبدو غريباً ومفارقاً لتونس، وهي التي قدحت الثورات العربية.

كان يفترض في تونس أن تحتضن شقيقتها الثورة السورية، وقد ألهمتها، شئنا أم أبينا، "إسقاط النظام". ولكن، حدث خلاف ذلك، فقسم لا يستهان به من الرأي العام التونسي ينقلب على عقبيه، ويناصب العداء للثورة السورية، بل وتتشكل وفودٌ من المجتمع المدني، لمساندة النظام السوري، ويحج إليه بعض نواب مجلس نواب الشعب، كما لا تخفي عدة محطات إعلامية مساندتها المطلقة للنظام، حتى وهو يرتكب تلك المجازر البشعة، ويصب جهنم المنفلتة من البراميل الطائرة في سماء تلك البلدات، سواء رمتها طائراته أو الطائرات الروسية.

علينا أن نعود إلى بدايات حكم الترويكا في تونس، أو حتى ما قبلها، حين بدأ التعاطف مع الثورة السورية يغمر الشارع التونسي، من دون تحفظ أو من تصريحات الزعماء السياسيين، على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم. ولعل أهم حدث كان آنذاك استقبال تونس مؤتمر أصدقاء سورية، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسورية، وطرد السفير السوري. وقد رافق ذلك التحاق بعض الشباب التونسي بالجماعات المقاتلة في سورية، بل وتصدّرهم، بحسب أخبار وتقارير غير مؤكدة، عدد المقاتلين، وربما شوّه بعضهم من هؤلاء التونسيين أنفسهم الثورتين، التونسية والسورية معاً، من خلال ما نشرته وسائل التواصل الاجتماعي من جرائم بشعة، ارتكبوها في حق مدنيين وجنود سوريين، ما يعد انتهاكاً، حتى لقوانين الحرب.

ولكن، مع تصاعد العمليات الإرهابية التي انفجرت في تونس بشكل لافت، وحصدت مئات الضحايا منهم، مدنيين أبرياء وأبناء المؤسسة الأمنية والجيش التونسيين، فضلا عن السياح، وتزايد الخطر الإرهابي الداهم من الحدود الليبية، تنامى رعب حقيقي من كل الجماعات المسلحة، بما فيها الجماعات العلمانية التي تقاتل النظام السوري، على غرار الجيش الحر، علاوة على أن التونسي، تحت ضغط الضيق اليومي لمعاشه بفعل الأزمات الاقتصادية الحادة والرهاب الذي أصابه من فرط العمليات الإرهابية تلك، لم يعد معنياً بتتبع التفاصيل السورية، لتمييز تلك الفصائل الكثيرة والمعقدة، وهو الذي ضاق ذرعاً بالتشتت السياسي المدني في بلده، كما أن خفوت صوت الاعتدال والمقاومة المدنية والسلمية في سورية قد أصاب وعيه السياسي في الصميم.

ظل الانقسام السياسي الحاصل بين النخب، وأساساً بين مخيمي الإسلاميين والعلمانيين، خصوصاً بعد انتخابات سنة 2013، مع تنسيباتٍ طفيفة، ماثلاً ومحدّداً في انشطار الرأي العام وانقسامه تجاه سقوط حلب، إذ ظل الإسلاميون وقوى حزبية أخرى، على غرار التيار الديمقراطي، منتصرين للثورة السورية، مصدومين من سقوط حلب، في حين ظلت القوى اليسارية (مع استثناءات قليلة)، ممثلة في الجبهة الشعبية وحزب المسار وغيرهما من الفصائل العروبية الأخرى، محتفية بما أسمته تحرير حلب وإسقاط "المؤامرة الدولية" ضد "الممانعة"، وضد سورية خصوصاً.

ربما حدث هذا في أكثر من بلد عربي، فالثورة السورية لم تعد للأسف تجد إجماعاً، على غرار ما حصدته في بداية اندلاعها، ذلك أن الانعطافات الخطيرة التي مرّت، خصوصا ذات العلاقة، بتسلحها أولاً، والتفاف الجماعات الإرهابية عليها ثانياً، فضلا عن التلاعبات الإقليمية الخطيرة التي وظفتها، وتشرذم قياداتها وتناحرهم، أفقدها كثيراً من التعاطف والتأييد، حتى داخل مجتمعات ثورات الربيع العربي.

كما أن الثورة السورية لم تسلم من أعداء الثورة التونسية نفسها، فهم الذين تحرّشوا بها وشوّهوها، مستغلين أخطاءً وانحرافاتٍ حدثت في مسار التحول الديمقراطي الصعب الذي استغلوه للعودة من جديد، وإن كان بأشكال مختلفة، فوجدوا من الثورة السورية، في مناسبات كثيرة، "أفضل مثال سيئ" للحرب الأهلية التي جلبتها الثورات العربية.

ربما يفلح النظام السوري في سحق ثورة شعبه، ولكن إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.. ولو بعد حين، كما قال يوماً الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

حلب، سوريا، تونس، سقوط حلب،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 18-12-2016   المصدر: العربي الجديد

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمد الياسين، د. محمد يحيى ، سيد السباعي، د. صلاح عودة الله ، د. عادل محمد عايش الأسطل، عراق المطيري، د. أحمد محمد سليمان، د- هاني السباعي، علي عبد العال، ماهر عدنان قنديل، د. عبد الآله المالكي، سلام الشماع، منجي باكير، د.محمد فتحي عبد العال، د - مضاوي الرشيد، خالد الجاف ، فوزي مسعود ، الهادي المثلوثي، نادية سعد، رشيد السيد أحمد، حسن عثمان، حمدى شفيق ، عبد الغني مزوز، د. كاظم عبد الحسين عباس ، رأفت صلاح الدين، د.ليلى بيومي ، أبو سمية، د. الشاهد البوشيخي، يحيي البوليني، إيمان القدوسي، د. نهى قاطرجي ، أحمد الحباسي، د - مصطفى فهمي، سلوى المغربي، الناصر الرقيق، كريم السليتي، د. الحسيني إسماعيل ، د - عادل رضا، سحر الصيدلي، وائل بنجدو، د. محمد مورو ، د - صالح المازقي، معتز الجعبري، مصطفي زهران، منى محروس، د. نانسي أبو الفتوح، سفيان عبد الكافي، إياد محمود حسين ، بسمة منصور، د. ضرغام عبد الله الدباغ، فاطمة عبد الرءوف، د - محمد بن موسى الشريف ، صفاء العربي، محمود صافي ، صفاء العراقي، عصام كرم الطوخى ، أنس الشابي، رافد العزاوي، محمود فاروق سيد شعبان، هناء سلامة، د - أبو يعرب المرزوقي، د - محمد عباس المصرى، كريم فارق، د - شاكر الحوكي ، حسن الحسن، د- جابر قميحة، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمود سلطان، رافع القارصي، محرر "بوابتي"، ياسين أحمد، د. محمد عمارة ، يزيد بن الحسين، فتحـي قاره بيبـان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د- محمود علي عريقات، سوسن مسعود، عواطف منصور، أحمد النعيمي، العادل السمعلي، ابتسام سعد، كمال حبيب، فراس جعفر ابورمان، رحاب اسعد بيوض التميمي، علي الكاش، محمد العيادي، تونسي، خبَّاب بن مروان الحمد، فهمي شراب، د. جعفر شيخ إدريس ، سيدة محمود محمد، محمد تاج الدين الطيبي، صباح الموسوي ، مراد قميزة، حميدة الطيلوش، شيرين حامد فهمي ، الهيثم زعفان، عمر غازي، مجدى داود، إسراء أبو رمان، د- محمد رحال، المولدي الفرجاني، محمد أحمد عزوز، محمود طرشوبي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد شمام ، سعود السبعاني، جمال عرفة، د - الضاوي خوالدية، د. طارق عبد الحليم، د. خالد الطراولي ، سامر أبو رمان ، صالح النعامي ، د - محمد بنيعيش، د - محمد سعد أبو العزم، د- هاني ابوالفتوح، صلاح المختار، د. أحمد بشير، د - المنجي الكعبي، فاطمة حافظ ، أحمد الغريب، عبد الله زيدان، صلاح الحريري، أحمد ملحم، حسني إبراهيم عبد العظيم، فتحي العابد، حسن الطرابلسي، أحمد بوادي، عبد الرزاق قيراط ، د - غالب الفريجات، عدنان المنصر، رضا الدبّابي، محمد الطرابلسي، أ.د. مصطفى رجب، إيمى الأشقر، محمد عمر غرس الله، حاتم الصولي، محمد اسعد بيوض التميمي، عبد الله الفقير، مصطفى منيغ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. مصطفى يوسف اللداوي، أشرف إبراهيم حجاج، محمد إبراهيم مبروك، جاسم الرصيف، عزيز العرباوي، سامح لطف الله، الشهيد سيد قطب، د - احمد عبدالحميد غراب، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، طلال قسومي، فتحي الزغل، رمضان حينوني،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة