تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

كيف ساهمت النخبة المتغربة بصناعة الإرهاب؟

كاتب المقال جمال سلطان - مصر   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


كيف ظهر الإرهاب في العالم الإسلامي؟ وكيف توحش؟ وما هي أسبابه؟ بطبيعة الحال من الخطأ أن ينسب الإرهاب لسبب واحد، فهذا تسطيح للأمور، هناك عديد من الأسباب الفكرية والثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية أيضا، تتقاطع وتتداخل وتتكامل، تغلب إحداها على الأخرى في حالة وتغلب غيرها في حالة أخرى، ولكني لاحظت أن هناك سببا جوهريا في استنبات الإرهاب في العالم العربي والإسلامي واتساع نطاقه لم يلتفت إليه كثير من الباحثين أو المحللين، وهو مسؤولية النخب الفكرية والثقافية المتغربة، علمانية النزعة والهوى في ثقافتنا، سواء كانوا قد اختاروا اليسار أو الليبرالية أو نزعات القومية، فهذه النخب مسؤولة مسؤولية مباشرة وأصيلة عن التطرف والإرهاب في بلادنا، وهذا ما يحتاج بعض التوضيح.

المجتمع الإسلامي لم يكن مقصورا على علوم الدين وحدها، ولا على قواعد الفقه وحدها وعلى نصوص السنة وحدها، وإنما كانت هناك حضارة إنسانية تنمو وتتعاظم وتنسج خيوط مجتمعها بالتدريج على مر السنين والعقود ثم القرون، ليعرف العالم مجتمعا إنسانيا خصبا ومركبا ومتمازجا بصنوف من العلم والدين والأدب والفن والثقافة والمعرفة والفلسفة والزهد والرفاه معا، وهذا المجتمع المتمازج، بإرثه الحضاري ونسيجه المركب، كان يحمي بعضه بعضا، ويخفف بعضه من غلواء بعض، ويوازن بعضه بعضا، ويرقق بعضه من خشونة بعض، وتنمو خلاياه حتى المتعارضة نموا طبيعيا يتصل نسبه بنسب بعض حضاريا وإنسانيا، وكانت مكونات المجتمع من الارتباط والتمازج بما يصعب عليك أن تفصلها عن بعضها.

هذا بالضبط ما حمى المجتمع الإسلامي في أغلب قرونه من نزعات الغلو والتطرف والإرهاب، لتصبح حالات شاذة وعابرة وقصيرة الأمد وخاطفة في مسار التاريخ الطويل لأكثر من ألف وأربعمائة عام، بينما كان الاعتدال والتسامح ورقي الحياة هو سمة هذا المجتمع اللصيقة به، وهي التي جعلته من القوة بحيث كان قادرا على استيعاب أي غزاة وقوى عالمية كاسحة ثم يهضمها ثم يذيبها في تيار حياته النابض والحي بقيمه وثقافته وفنونه وآدابه وعلومه وفي دينه أيضا.

في العصر الحديث، وعندما أراد المجتمع العربي والإسلامي أن ينهض وأن يواكب عالما جديدا يتشكل، كان يفترض أن تكون النهضة عملية شاملة لكل مكونات هذا المجتمع، ومتصلة مع تراثه ومكوناته المتمازجة التي حققت له توازنه عبر التاريخ واعتداله وتسامحه ونسيجه الخاص لتضيف إليها الجديد وتمزجها بالخبرة الإنسانية الجديدة، لكن الذي حدث أن النخبة الجديدة انجذبت إلى الحالة الغربية المبهجة والقوية والمستعلية بروح الهزيمة، وعجزت عن تفكيكها ونقل ما تحتاجه منها لدعم خطط النهضة في بلادنا واستكمال الخبرة الإنسانية التي نقصت، سيطر الكسل الذهني وضعف روح الإبداع عليها، ودفع تلك النخب إلى استيراد الحالة الغربية بمكوناتها كلها وحتى حساسياتها الفنية والأدبية ومذاهبها الفكرية والفلسفية، وجعلها بديلا كاملا تقريبا للنسيج الاجتماعي والثقافي والمعرفي والقيمي الإسلامي، ودافعوا عن ذلك ببسالة وقرروا قطيعة مع ماضي الأمة ومجتمعه التاريخي ونسيج حضارتها.

ثم تشكلت نظم سياسية على هذا الأساس بعد ذلك، خاصة عندما نجح العسكريون في اختطاف السلطة في العواصم العربية والإسلامية المهمة والمحورية، فترجموا هذا "الاختيار" الثقافي إلى منهج سياسي وهوية دولة ومشروعها تفرض عنوة بالقمع وسحق إرادة الشعوب، وهو ما ولد رد فعل مقابل عند الحالة "الدينية" فنشطت جمعيات وأفكار للإحياء الديني، ونشطت معها حركة إحياء علمي وتراثي، انحشر معظمها في علوم الشريعة والفقه والسنة بشكل مباشر ومنعزل عن أي سياق حضاري واجتماعي، نشأت في صحراء قاحلة من الإرث الإنساني والأدبي والفني والحضاري الذي يذيبها في مشروع إنساني غني ومتسامح، فنشأت أجيال جديدة على هذه العلوم أو شذرات منها، لكنها في صحراء الروح والفكر والأنسنة والحضارة، في معزل عن بقية مكونات حضارة الإسلام والمنظومة التي شكلت نسيج مجتمعه عبر التاريخ، فوقع الخلل، وبدت القطيعة التي فرضتها النخب العلمانية تؤتي ثمارها في ملايين الشباب الجديد، فهم يعيشون نسقا اجتماعيا وقيميا يختلف تماما عن علوم الشريعة والفقه والسنة التي يدرسونها، فتمزق المجتمع، ونمت الأفكار فيه على أساس الخوف من الآخر والشك فيه والرغبة في سحقه أو تهميشه، وغاب التسامح والاعتدال.

وكان أخطر ما تولد عن ذلك الانقسام الذي سببته القطيعة، هو جفاف الحالة الدينية، وانعزال معطياتها العلمية عن بقية المكونات المجتمعية الثقافية والأدبية والفنية والمعرفية، وهي المكونات التي كانت تحقق توازنا مع علوم الشريعة في المجتمع وترطب من قسوة الخلاف وتنشر ظلال التسامح الاجتماعي والديني والثقافي، بل وتفسر كثيرا من معطيات الشريعة، وتجعل التعايش بين المكونات كلها حالة إنسانية تذيب متناقضاتها في سياق حضاري واحد، فلما غاب هذا كله، اتسع فضاء الوعي أمام بعض المغامرين في الحالة الإسلامية لاختطاف الفكر الديني في اتجاهات عنيفة ودموية وشديدة التطرف، وكان سهلا عليهم اختطاف عقول كثير من الشباب الذي غاب عن وعيه وتكوينه التربوي والثقافي والروحي ذلك التواصل الشامل مع ميراثه الحضاري بآدابه وفنونه وثقافته والذي يحقق له الامتلاء والاتزان والتكامل في الشخصية الإنسانية ويغرس فيه روح التسامح والتعايش.

في تاريخ "الأمة" ومجتمعها كان يتجاور العالم والجاهل والزاهد والمترف والعابد والفاسق والتقي والفاجر والمؤمن والملحد، وتجد بينهم الحوارات الثرية واللمحات الإنسانية العميقة والتسامح والرهان على تقلبات القلوب ورحمة الله بالخلق، بل وتعايشت في هذا المجتمع المتسامح مذاهب الفكر والعلم والفقه على شدة ما بينها من خلاف وجدل مرير، وكان نادرا ما تجد فقيها إلا وتجد له في الأدب أو الشعر أو الفنون أو الفلسفة أو التصوف أو الأخلاق عطاء واجتهادا وتأملات رائعة، بل وتعايشت الديانات ومعابدها على مر القرون، نسيج حضاري واجتماعي قوي وعفي استوعب المتناقضات وحولها إلى طاقات إيجابية لتحسين جودة الحياة ونشر التسامح وصناعة الحضارة، كل هذا اختفى الآن؛ بسبب تلك القطيعة الجاهلة التي فرضها على واقعنا النخبة المتغربة ظنا منها أنها تختصر الطريق لنهضة الأمة وجعلها في مصاف الغرب المتفوق خلال سنوات، فلا ظهرا للمجتمع أبقوا ولا نهضة حققوا، بل ورثونا هذا الجفاف الإنساني والخلل الروحي والثقافي والحضاري الذي شكل بيئة خصبة لتوالد الإرهاب والتطرف والكراهية.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

التبعية، الغرب، الإنكسار، العلمانيون، دعاة التبعية، الحداثيون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 27-07-2016   المصريون

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. عبد الآله المالكي، رشيد السيد أحمد، محمد الطرابلسي، العادل السمعلي، د. طارق عبد الحليم، د - غالب الفريجات، عصام كرم الطوخى ، الهيثم زعفان، شيرين حامد فهمي ، د- محمد رحال، يحيي البوليني، عواطف منصور، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، يزيد بن الحسين، إياد محمود حسين ، الشهيد سيد قطب، حسن الطرابلسي، محمد أحمد عزوز، بسمة منصور، محمود طرشوبي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. نانسي أبو الفتوح، سامح لطف الله، د. جعفر شيخ إدريس ، إيمى الأشقر، خالد الجاف ، عبد الرزاق قيراط ، علي الكاش، سعود السبعاني، كمال حبيب، د - المنجي الكعبي، حاتم الصولي، المولدي الفرجاني، فهمي شراب، د. الحسيني إسماعيل ، د - مصطفى فهمي، مصطفي زهران، د - محمد عباس المصرى، كريم السليتي، أ.د. مصطفى رجب، د- هاني السباعي، وائل بنجدو، رمضان حينوني، فاطمة حافظ ، د- هاني ابوالفتوح، ياسين أحمد، أنس الشابي، د - صالح المازقي، منى محروس، د. محمد مورو ، د - احمد عبدالحميد غراب، سفيان عبد الكافي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، منجي باكير، أحمد ملحم، د. محمد يحيى ، الناصر الرقيق، ابتسام سعد، صلاح الحريري، الهادي المثلوثي، د. الشاهد البوشيخي، رضا الدبّابي، أحمد النعيمي، فاطمة عبد الرءوف، رحاب اسعد بيوض التميمي، ماهر عدنان قنديل، رافد العزاوي، رأفت صلاح الدين، صالح النعامي ، محمد العيادي، محمد إبراهيم مبروك، د - عادل رضا، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. خالد الطراولي ، د- محمود علي عريقات، د. نهى قاطرجي ، فتحي العابد، د. عادل محمد عايش الأسطل، أبو سمية، فتحي الزغل، د. صلاح عودة الله ، محمد الياسين، عدنان المنصر، د.ليلى بيومي ، سامر أبو رمان ، د - محمد بن موسى الشريف ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - شاكر الحوكي ، محمد عمر غرس الله، مراد قميزة، جمال عرفة، محمود فاروق سيد شعبان، د. أحمد بشير، إسراء أبو رمان، عبد الله الفقير، د- جابر قميحة، عزيز العرباوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، سحر الصيدلي، صفاء العراقي، أحمد بوادي، عبد الله زيدان، أحمد الغريب، د - مضاوي الرشيد، صباح الموسوي ، مصطفى منيغ، د - أبو يعرب المرزوقي، سوسن مسعود، صفاء العربي، د. محمد عمارة ، علي عبد العال، محمد اسعد بيوض التميمي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - محمد بنيعيش، فوزي مسعود ، سلام الشماع، عمر غازي، سلوى المغربي، حميدة الطيلوش، هناء سلامة، فراس جعفر ابورمان، إيمان القدوسي، أحمد الحباسي، مجدى داود، أشرف إبراهيم حجاج، محمود صافي ، حمدى شفيق ، محمد شمام ، حسن عثمان، نادية سعد، كريم فارق، د. أحمد محمد سليمان، جاسم الرصيف، د.محمد فتحي عبد العال، محمود سلطان، عبد الغني مزوز، معتز الجعبري، عراق المطيري، تونسي، د - الضاوي خوالدية، حسن الحسن، د - محمد سعد أبو العزم، خبَّاب بن مروان الحمد، د. كاظم عبد الحسين عباس ، طلال قسومي، سيد السباعي، صلاح المختار، رافع القارصي، محرر "بوابتي"، سيدة محمود محمد، فتحـي قاره بيبـان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد تاج الدين الطيبي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة