تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الدراما التركية بين العلمانيين والمحافظين

كاتب المقال إحسان الفقيه   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


نتيجة لسيطرة العلمانية على تركيا منذ سقوط الخلافة العثمانية، كانت الدراما التركية متماشية مع ذلك التوجه العلماني وإحدى أبرز أدواته، ومن ثم كان المُنتج الدرامي قائما على التَّفَسُّخ والإثارة في قوالب اجتماعية من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتمد من أجل إقرار العلمانية على تشويه التاريخ العثماني، وإبراز فصوله المختلفة على أنها مراحل من التخلف والرجعية.

نبذ العلمانيون التاريخ العثماني، لأنه قام على الفكرة الإسلامية، ورفْع راية الجهاد وإعلاء الدين، وحتى في فترات ضعف الإمبراطورية العثمانية كانت خلافة إسلامية جامعة يتزعمها السلطان عبد الحميد.

أراد علمانيو تركيا قطع الصلة بين الأتراك وبين تاريخهم لكي يتسنى لهم فصل الدين عن الحياة في تركيا.

وبعد بزوغ "العدالة والتنمية" المحافظ ذي الجذور الإسلامية، اتجهت قياداته لإعادة ربط الأتراك بتراثهم العثماني، الذي لن يثير سخط القوميين من جهة، وفي نفس الوقت يضعف الهيمنة العلمانية، ويعزز الروح الإسلامية المرتبطة بالتراث.

ودخلت القيادة التركية الجديدة في معارك فكرية ومنهجية عدة مع الأتاتوركيين، كان منها معركة الحجاب، وإقرار حق المرأة في ارتدائه باعتباره مظهرا من مظاهر الحرية الشخصية التي تكفلها الدولة المدنية.

ومن أبرز تلك الميادين التي شهدت صراعا بين التيار المحافظ والتيار العلماني، الدراما التركية، حيث ظهر تيار محافظ مضاد للتيار العلماني المسيطر، وأصبحت الأعمال الدرامية التي تُبرز التاريخ المشرق للدولة العثمانية تناطح المُنتج العلماني.

السلسلة المعروفة بـ"حريم السلطان"، التي كان آخرها مسلسل "السلطانة كوسيم"، كانت أنموذجا للدراما ذات التوجه العلماني التي أساءت لتاريخ الدولة العثمانية، فأظهرت السلاطين العظام أمثال سليمان القانوني في صورة قبيحة، حيث القصر الذي يعجُّ بالبطولات الغرامية والمؤامرات النسائية، وصراع الجواري، فلا هَمَّ للسلطان سوى حريم القصر، وسلّطت هذه الأعمال الفنية الأضواءَ على كل سقطة وعورة في التاريخ العثماني، دون التركيز على الفتوحات وأعمال النهضة.

ومنذ تولي العدالة والتنمية زمام الأمور في تركيا، شهدنا آثار ذلك التيار المحافظ المضاد، فخرجت الدراما التركية علينا بذلك العمل الضخم (فاتح 1453)، الذي يجسد سيرة السلطان محمد الفاتح، وإنجازاته العسكرية والتوسعية خاصة فتح القسطنطينية الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقدمت الدراما التركية المحافظة مؤخرا مسلسل "فلينتا"، الذي يتناول الدسائس والمؤامرات على الدولة العثمانية قبيل سقوط الخلافة.

أما آخر وأبرز هذه الأعمال الدرامية التي غزت البيوت العربية والتركية معا، فهو مسلسل "قيامة أرطغرل"، الذي يتناول قصة أرطغرل بن سليمان شاه، الذي وضع أسس بناء الدولة العثمانية، ليأتي ابنه عثمان من بعده ويؤسسها فعليا.

المسلسل بجزئيه كانت حلقاته محل اهتمام بالغ للمتابعين الأتراك والعرب على السواء، ولاقى نجاحا كبيرا على الصعيدين المحلي والإقليمي، ونستطيع القول إنه مسلسل هادف بامتياز، يعرض القيم العثمانية الأصيلة، ويُركّز على البعد الديني بقوة، وكثيرا ما ترددت عبارات الغزو في سبيل الله، والسير على خطى الرسول، ومرويات عن سيرة النبي وأصحابه.

وعرض المسلسل أمراضَ الأمة الإسلامية من التشرذم والخيانة والعمالة التي تنتابها من آن لآخر، وكأنها إسقاط على واقعنا المعاصر، إضافة إلى تناول قضية الوحدة الإسلامية.

سنتجاوز التكهنات حول تمويل حزب العدالة والتنمية لهذا المسلسل، لكننا لا نستطيع تجاهل الاهتمام البالغ من القيادات التركية بهذا المسلسل.

فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، زار بصحبة قرينته وعدد من المقربين إليه مواقع تصوير المسلسل، وتم التقاط الصور التذكارية مع أبطاله.

الشيء ذاته، فعله رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو، وانتشرت مقاطع متلفزة على التواصل الاجتماعي، تعرض زيارته وهو يقوم بالطرْق على السيوف وهي المهنة التي كان يقوم بها الحداد صانع السيوف في المسلسل.

ما لفت الانتباه أيضا، أن الوفد السعودي الذي زار تركيا فترة انعقاد مؤتمر القمة الإسلامية الأخير في إسطنبول، قد زار كذلك مواقع تصوير المسلسل، وهذا أمر له دلالته.

فالسعودية هي الحليف الأقوى لتركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية، وقيام الوفد السعودي بزيارة مواقع تصوير هذا المسلسل دون غيره، يبعدها عن كونها زيارة عادية للوسط الفني، بل هي إبراز للتوافق وانسجام الرؤى والتوجهات السياسية بين السعودية وبين الحزب التركي الحاكم، ودعم من الحكومة السعودية لتوجهات الحزب.

هذا التيار المحافظ في الدراما التركية الذي ترعاه وتدعمه القيادة التركية يمثل زحفا ناعما لأسلمة الحياة في تركيا ببراعة وذكاء، وتقليم أظافر العلمانية ورفع يدها عن مجالات الحياة التركية بغير صِدام.

أردوغان ورجال الحزب لم يهتموا بإطلاق شعارات إعادة الهوية الإسلامية للشعب التركي، بل عملوا على استرداد تراثه المبني على الفكرة الإسلامية، ولم يدخلوا مع العلمانيين في معارك المصطلحات والعبارات والشعارات، وإنما استغلوا كل المساحات التي تكفلها الدولة المدنية بدستورها العلماني، في تغيير ثقافة الشعب التركي، وربطه بتراثه وتاريخه، وناجزوا العلمانية في عقر دارها ومؤسساتها وبطريقتها الناعمة، دون الدخول في صدام مباشر.

لقد أدركت القيادة التركية مدى تأثير الدراما في تغيير ثقافة الأتراك وتعزيز هويتهم الإسلامية العثمانية، وهو أمر جديرٌ باستنساخه في الوطن العربي، فحتى الآن لا نجد للدراما الهادفة مكانا بين هذا الطوفان الهائل من المنتجات الدرامية العلمانية التي ربت أجيالا بكاملها على الانحلال والخلاعة والخروج على النصوص الشرعية، وعن جوهر الدين الإسلامي.

-----
وقع تعديل العنوان الأصلي للمقال
محر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تركيا، المسلسلات، حريم السلطان، الدراما، الدراما التركية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 30-05-2016   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. أحمد محمد سليمان، محمد إبراهيم مبروك، ياسين أحمد، عبد الله زيدان، عبد الغني مزوز، عصام كرم الطوخى ، مجدى داود، أشرف إبراهيم حجاج، سامح لطف الله، الهادي المثلوثي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سلام الشماع، محمد الطرابلسي، سيد السباعي، رافد العزاوي، فاطمة عبد الرءوف، فوزي مسعود ، حميدة الطيلوش، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. محمد عمارة ، رافع القارصي، صباح الموسوي ، صلاح المختار، سوسن مسعود، فتحي العابد، د. الشاهد البوشيخي، أبو سمية، فتحي الزغل، كريم فارق، حمدى شفيق ، د- هاني السباعي، أحمد الحباسي، حسن الحسن، طلال قسومي، د- جابر قميحة، محرر "بوابتي"، د - محمد بن موسى الشريف ، رشيد السيد أحمد، د.ليلى بيومي ، د. الحسيني إسماعيل ، منى محروس، الهيثم زعفان، د - الضاوي خوالدية، يزيد بن الحسين، د.محمد فتحي عبد العال، رحاب اسعد بيوض التميمي، أحمد النعيمي، رأفت صلاح الدين، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سحر الصيدلي، محمد أحمد عزوز، جاسم الرصيف، صفاء العراقي، الناصر الرقيق، محمود سلطان، كريم السليتي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، محمد تاج الدين الطيبي، د- هاني ابوالفتوح، بسمة منصور، أنس الشابي، أ.د. مصطفى رجب، إيمى الأشقر، صالح النعامي ، عواطف منصور، سيدة محمود محمد، علي الكاش، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سلوى المغربي، د. عبد الآله المالكي، د. عادل محمد عايش الأسطل، مراد قميزة، د - مضاوي الرشيد، د. خالد الطراولي ، د. صلاح عودة الله ، د. محمد يحيى ، د - غالب الفريجات، محمد اسعد بيوض التميمي، د. طارق عبد الحليم، فهمي شراب، محمد شمام ، د - صالح المازقي، د. جعفر شيخ إدريس ، معتز الجعبري، ماهر عدنان قنديل، محمد عمر غرس الله، محمود فاروق سيد شعبان، أحمد بوادي، صفاء العربي، فاطمة حافظ ، أحمد ملحم، إسراء أبو رمان، عبد الله الفقير، جمال عرفة، د. نانسي أبو الفتوح، محمد العيادي، د. أحمد بشير، علي عبد العال، د - محمد سعد أبو العزم، كمال حبيب، ابتسام سعد، العادل السمعلي، الشهيد سيد قطب، د - محمد عباس المصرى، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، حسن الطرابلسي، منجي باكير، د. محمد مورو ، عزيز العرباوي، وائل بنجدو، د- محمود علي عريقات، د- محمد رحال، خبَّاب بن مروان الحمد، تونسي، د - احمد عبدالحميد غراب، أحمد الغريب، محمد الياسين، إيمان القدوسي، فراس جعفر ابورمان، سفيان عبد الكافي، فتحـي قاره بيبـان، د. مصطفى يوسف اللداوي، شيرين حامد فهمي ، حسن عثمان، د - المنجي الكعبي، رمضان حينوني، حاتم الصولي، محمود صافي ، محمود طرشوبي، إياد محمود حسين ، د - مصطفى فهمي، المولدي الفرجاني، هناء سلامة، صلاح الحريري، مصطفى منيغ، نادية سعد، سعود السبعاني، عراق المطيري، رضا الدبّابي، د - شاكر الحوكي ، يحيي البوليني، د - أبو يعرب المرزوقي، حسني إبراهيم عبد العظيم، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عمر غازي، مصطفي زهران، سامر أبو رمان ، عدنان المنصر، د - عادل رضا، د - محمد بنيعيش، د. نهى قاطرجي ، عبد الرزاق قيراط ، خالد الجاف ،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة