تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

العلمانية الفرنسية حينما تتحول لأحقاد ومحاكم تفتيش

كاتب المقال عماد العبار - سوريا   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


قبل أيام، هاجمت الوزيرة الفرنسية المكلفة بحقوق المرأة لورانس روسينول بعض شركات الموضة العالمية التي تقوم بتصميم الملابس الإسلامية، واصفة إياها بالشركات غير المسؤولة لأنها تروّج «بحسب تعبيرها» لثقافة تغليف أجساد النساء ولنمط معين في الحياة.. وقد كانت الوزيرة قد أدلت قبل ذلك بتصريح أكثر خطورة تشبّه فيه المسلمات المحجبات بالعبيد السود، الذين يفضّلون الاستعباد، وهنّ بحسب تعبير الوزيرة متشدّدات بالضرورة وينتمين إلى الإسلام السياسي.

لا يعدّ صوت الوزيرة، وهي عضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي، صوتا منفردا حيث تشاركها النظرة ذاتها ناتالي كوسكيوسكو النائبة في البرلمان عن حزب الجمهوريين المحافظ.. كما دعت الفيلسوفة الفرنسية إليزابيث بادينتير إلى مقاطعة الشركات المذكورة كنوع من المقاومة تجاه هذه الثقافة المرفوضة.

وبعيدا عن الأوساط السياسيّة، فبالإضافة إلى صدور قرار قبل سنوات يحظر ارتداء الحجاب في المدارس والمؤسسات الحكومية باعتباره رمزا دينيا، ثمة نظرة سيّئة يقابل بها حجاب المرأة المسلمة تكاد تكون عامّة على المستوى الاجتماعي الفرنسي، وتعيش المحجبات تبعات هذه النظرة مع كلّ محاولة للاندماج في الحياة الاجتماعية الفرنسية، أو الحياة الأكاديمية الجامعية، أو في مجالات العمل في القطاعين الحكومي والخاص. لا يستطيع عامّة الفرنسيّين النظر إلى الحجاب بوصفه يمثّل خيارا حرّا للمرأة، بل يُنظر إليه دوما بوصفه علامة لخضوعها مقابل سلطة الرجل، ولعلّ أخطر ما في هذا السياق هو الكلام السابق الصريح للوزيرة الذي تقارن فيه ما بين المحجّبات والعبيد السود، وهو يصب في خانة التنميط الذي يهدف إلى محاصرة اللواتي يدّعين بأنّهن اخترن الحجاب دونما إكراه من الأسرة أو المجتمع، فالمحجبة (بحسب تلك النظرة المتطرفة) امرأة خاضعة مستعبدة، إن كانت اختارت الحجاب أو أُكرهت عليه.

بداية، علينا أن نعترف أنّ مصادرة حقّ المرأة في الاختيار ظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا على نطاق واسع، إن كان الأمر متعلقا بالحجاب أو بغيره من التفاصيل، لكنّ ما يمارسه غالبية العلمانيين الفرنسيين، ويقلدهم في ذلك، مع الأسف، كثير من علمانيّينا، هو وجه آخر من المصادرة والإكراه يتم فيه إجبار المرأة على «اللا حجاب» من خلال جعل الحجاب محصورا بين حالتين لا ثالث لهما: فهو إمّا مفروض على امرأة ترفضه ضمنا وتخشى الإفصاح عن رأيها، أو مفروض على امرأة تدافع عنه كما يدافع العبيد عن عبوديّتهم.

يزول استغرابنا من هذا الموقف «العلماني» المعادي لخيار المرأة في لباسها، إذا ما علمنا أنّ النظرة لغطاء الرأس، بوصفه علامة خضوع، تعود إلى أصول إنجيليّة، وبقليل من التدقيق سنجد أنّ هذا الموقف العلماني الجذريّ هو في صميمه موقف من نظرة الإنجيل تحديدا لغطاء الرأس، فلقد ورد في رسالة بولس الرسول إلى أهل كورثنوس في الإصحاح الحادي عشر من العهد الجديد التالي: «فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده. وأما المرأة فهي مجد الرجل، لأن الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل، لهذا ينبغي للمرأة أن يكون لها سلطان على رأسها، من أجل الملائكة».

وهنا يظهر أنّ موقف كثير من العلمانيين تجاه المسألة يخضع لعملية تنميط محكومة بإسقاطات غير واعية، وبقصور شديد في معرفة الفروقات بين دلالات غطاء الرأس في المجتمعات الإسلامية، وتلك التي نفهمها من خلال الآية السابقة من الإنجيل. ليس هذا فحسب، بل من المعيب على دعاة الفكر المتحرّر إطلاق الأحكام المسبقة بدون معرفة ما إذا كان النصّ القرآني يتّفق أم لا مع النص الإنجيلي في اعتبار المرأة خاضعة للرجل، وخلقت من أجله، وتحمل علامة خضوعها على رأسها.. وهنا ينبغي أن ندعو العلماني المتشدّد إلى التحرّر أولا من هيمنة موقفه من الإنجيل، فمن حيث المبدأ؛ يتعارض إسلام القرآن جوهريا مع القول بأنّ الرجل يمثل صورة الله، وأنّ المرأة هي مجرّد كائن خاضع خلق من أجل الرجل، وهو يتعارض بالمناسبة مع ما ورد في العهد القديم عن أصل الغواية وقصة التفاحة المعروفة في قصة الخلق، وتلك الأفكار، الواردة في العهد القديم، أُدخل كثير منها في بعض الروايات المتعارضة مع القرآن أصلا، التي نضعها في خانة الإسرائيليات الدخيلة على التراث الإسلامي بحكم الاحتكاك بين المسلمين وأهل الكتاب.

فاستخلاف الإنسان كان بحسب القرآن استخلاف نوع، ولم يكن استخلاف جنس قط.. أمّا الخطيئة فكانت مشتركة بين آدم وزوجته: « فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ»، بل إنّ العتاب كان مشددا على آدم أكثر من زوجته « فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». والاختلاف بين الجنسين ما هو إلا اختلاف في المهام والمواقع في الحياة الدنيا، وهذا يقتضي التكامل بينهما لا الخضوع..

لا أرمي من خلال مقالة قصيرة إلى استعراض جميع النصوص المتعلقة، ولا إلى مناقشة الآيات المتعلقة بالحجاب من وجهة نظر إسلامية، بل للإشارة إلى كون الموقف العلماني المتشدد تجاه الحجاب لم يكن حرّا على الإطلاق، بل كان يحكمه الاعتراض على نظرة الإنجـــيل لغطاء الرأس ولدور المرأة وأهليّتها، من دون مراعاة لوجود فروقات بين الثقافات والأديان والمجتمعات، وهو يتناقض أصلا مع أبسط مبادئ العلمانيّة الداعية إلى احترام خيارات الناس دونما تنميط وأحكام مسبقة، وبالوقوف على الحياد من معتقدات الجميع..

بتنا نعيش في عالم تحكمه التشنّجات السلفيّة والعلمانيّة وتضيق فيه مساحة تقبّل الآخر المختلف، فطرف يسعى إلى أسلمة العالم وفق مقاييسه التي تكاد لا تستوعب أكثر من 10 بالمئة من المسلمين أنفسهم، يقابله تشنّج يرغب في علمنة العالم بطريقة تكاد تكون أقرب إلى أسلوب المتشدّدين من السلفيّين، لاسيّما بعد أن علت أصوات فرنسيّة من سياسيّين ومثقفين تدعو إلى مقاطعة الشركات العالمية التي تقوم بتصميم الملابس الإسلاميّة لإجبارها على تغيير سياستها الاقتصادية. نعم .. وصل الأمر إلى هذا الحد.. وطالما أنّ أصوات الاعتدال تكاد تكون غير موجودة، يظهر أنّ العالم سيغدو مع استمرار الحال مكانا مثاليا لدعاة التطرّف من الجهتين.

--------
وقع تعديل العنوان الأصلي
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

فرنسا، الحجاب، الغرب، العلمانية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 6-05-2016   المصدر: القدس العربي

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - محمد بن موسى الشريف ، يحيي البوليني، فراس جعفر ابورمان، بسمة منصور، د - عادل رضا، الناصر الرقيق، رحاب اسعد بيوض التميمي، حسن الحسن، أحمد ملحم، د- هاني ابوالفتوح، عصام كرم الطوخى ، عبد الغني مزوز، كمال حبيب، سعود السبعاني، محمد العيادي، سامح لطف الله، محمد الطرابلسي، سيدة محمود محمد، فتحـي قاره بيبـان، ماهر عدنان قنديل، د. الشاهد البوشيخي، د - محمد بنيعيش، د- محمد رحال، سفيان عبد الكافي، منجي باكير، رضا الدبّابي، وائل بنجدو، د. نهى قاطرجي ، عراق المطيري، إياد محمود حسين ، إيمان القدوسي، د - غالب الفريجات، حميدة الطيلوش، د. محمد عمارة ، حمدى شفيق ، محمد تاج الدين الطيبي، د- جابر قميحة، طلال قسومي، أ.د. مصطفى رجب، فتحي العابد، كريم فارق، محمد شمام ، سامر أبو رمان ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، جمال عرفة، علي الكاش، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - محمد سعد أبو العزم، د - الضاوي خوالدية، عواطف منصور، مصطفي زهران، معتز الجعبري، نادية سعد، عبد الله زيدان، د. طارق عبد الحليم، رافع القارصي، د - صالح المازقي، د. عبد الآله المالكي، مجدى داود، جاسم الرصيف، د. صلاح عودة الله ، سحر الصيدلي، محمود طرشوبي، د. الحسيني إسماعيل ، د- محمود علي عريقات، د. ضرغام عبد الله الدباغ، سوسن مسعود، حاتم الصولي، محمود صافي ، صلاح المختار، المولدي الفرجاني، د - أبو يعرب المرزوقي، صلاح الحريري، د. أحمد محمد سليمان، محمود فاروق سيد شعبان، إيمى الأشقر، د. مصطفى يوسف اللداوي، أحمد بوادي، ابتسام سعد، أحمد النعيمي، عمر غازي، د.ليلى بيومي ، د. جعفر شيخ إدريس ، رمضان حينوني، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، شيرين حامد فهمي ، د - احمد عبدالحميد غراب، د - مصطفى فهمي، الشهيد سيد قطب، صفاء العربي، الهيثم زعفان، عبد الرزاق قيراط ، صباح الموسوي ، د - المنجي الكعبي، محمد الياسين، عبد الله الفقير، صفاء العراقي، ياسين أحمد، الهادي المثلوثي، عزيز العرباوي، تونسي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أبو سمية، فتحي الزغل، سلام الشماع، د. عادل محمد عايش الأسطل، خالد الجاف ، كريم السليتي، رافد العزاوي، مراد قميزة، د. محمد يحيى ، محمد اسعد بيوض التميمي، علي عبد العال، محمد إبراهيم مبروك، خبَّاب بن مروان الحمد، د. خالد الطراولي ، يزيد بن الحسين، أشرف إبراهيم حجاج، د - مضاوي الرشيد، د. نانسي أبو الفتوح، إسراء أبو رمان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محرر "بوابتي"، سيد السباعي، مصطفى منيغ، رشيد السيد أحمد، محمود سلطان، محمد أحمد عزوز، أحمد الغريب، حسن الطرابلسي، د.محمد فتحي عبد العال، د. أحمد بشير، العادل السمعلي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، سلوى المغربي، فهمي شراب، د - محمد عباس المصرى، هناء سلامة، فاطمة حافظ ، د- هاني السباعي، أنس الشابي، رأفت صلاح الدين، فاطمة عبد الرءوف، فوزي مسعود ، عدنان المنصر، منى محروس، أحمد الحباسي، صالح النعامي ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، حسن عثمان، محمد عمر غرس الله، د. محمد مورو ، د - شاكر الحوكي ،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة