تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

انقلاب موازين السياسة التقليدية السعودية… محاولة للفهم

كاتب المقال د. مثنى عبدالله - باريس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


على عجل التقى وزير الخارجية السعودي نظيره الأمريكي جون كيري في واشنطن الاسبوع الماضي، معلنا بعد هذا اللقاء عن وجود الخطة (ب) في حال عدم التوصل إلى وقف إطلاق النار في سوريا.

الخطة المقترحة تتضمن، تزويد المعارضة السورية بأسلحة ضد الجو، وإنشاء مناطق آمنة في الشمال والجنوب السوري، والزج بقوات نخبة سعودية وعربية لدعم المعارضة على الارض. سبق ذلك إعلان المملكة استعدادها للتدخل العسكري البري مع حلفاء خليجيين، وربما من دول إسلامية أخرى، في المشهد العسكري السوري، وقبل ذلك كله تدخلت في اليمن ومازالت.

هنا لابد من الإشارة إلى أنها اليوم ترفع رايات ثلاثة أحلاف عسكرية. الحلف الدولي لمحاربة الدولة الاسلامية، والحلف العربي في اليمن، والحلف المقترح للتدخل في سوريا بريا. فهل دخلت السياسة السعودية عصر القوة الصلبة؟

على مدى سبعين عاما من عمر المملكة، كانت السياسة السعودية سياسة محافظة. كانت ضد كل تغير في الوضع القائم في المنطقة، حتى في موضوع الحق العربي في فلسطين اعتبرته أمرا واقعا، وكانت لا تحبذ الدخول في حروب مع إسرائيل، لذلك كرهت جمال عبدالناصر وصدام حسين، لأنهما حاولا استرجاع الحق العربي بالقوة. السبب هو أن أي تغير في الوضع القائم يؤثر على المعادلات في المنطقة ويضرب ما تريده المملكة. رغبتها في سكون الوضع الاقليمي، سمح بأن يكون للسياسة الامريكية القول الفصل حتى على حساب المصالح السعودية، على الرغم من أن حجم المصالح بينهما يرتب للمملكة موقع الندية للولايات المتحدة. وقد شهدت العقود المنصرمة عطاء سعوديا كبيرا في كافة المجالات، بدون الحصول على ما يقابله، وهذه خطيئة كبرى في العلاقات الدولية، لكن مبرر قبولهم ذلك، هو أن معادلة الأمن وطنيا وإقليميا، المستندة إلى مبدأ الأمن مقابل النفط، هي الحاكم في هذه اللعبة، وهي تلعب دورا مهما في رسم السياسة الخارجية السعودية، وأن الامريكان هم الحليف الإستراتيجي الذي يضمن هذه المعادلة، لكن غاب عن ذهن صانع القرار السعودي أن فهمهم هذا ليس بالضرورة هو فهم واشنطن في حال تبدلت الظروف.
وقد حدث هذا التحول بالفعل في الوضع الدولي والعلاقات الدولية، والوضع الاقتصادي لواشنطن والوضع الإستراتيجي لدول أخرى، وقيمة النفط، فوجدت المملكة أن المعادلة التي حرصت عليها مع واشنطن قد تغيرت من طرف واحد. هذا هو منطق السياسة الدولية والعلاقات بين الدول، وليس منطق شرف الكلمة، الذي يُعطى في دواوين العرب. فكل تحول يكون فيه تأقلم جديد، وفيه رابح وخاسر، وخطوط حمراء جديدة لهذا الطرف أو ذاك. وعليه اضطرت المملكة إلى القيام بحالة مراجعة، ساعدها في ذلك التغيير الذي حصل في قمة هرم العرش، فوجدت أن كل أفعال حليفها الامريكي تُعزز الشك وليس الاطمئنان، فهي لم تنفذ تهديداتها بضرب الاسد، وأنها أعطت العراق إلى إيران، وتركت حلفاءها في شرق آسيا تحت رحمة الصين، وصمتت عن قضم روسيا لجزيرة القرم، وتخلت عن الحليف حسني مبارك. كما أنها وجدت أن نموذج أوباما هو ليس نموذج جورج بوش.

أوباما حريص على عدم التدخل العسكري المباشر، الا إذا كان الأمن القومي الامريكي الحيوي مهددا، وعبر تحالف دولي وغطاء قانوني. كما وجدوا أن الامريكان يستثمرون التناقضات والصراعات بين قوى الإقليم، وأنهم يعملون على خلق حالة عدم استقرار، لأن ذلك يساعدهم على إيجاد التوازن في المنطقة، ولجوء المتصارعين إليهم. حينئذ حاولت السعودية اللعب بخيارات أخرى، مثل تسليح الجيش اللبناني بأسلحة فرنسية وليست أمريكية، والجيش المصري باسلحة روسية وليست أمريكية، ومع ذلك لم تنجح لان عينها على الحليف الاول، ولانها مازالت محسوبة عليه من قبل أطراف دولية أخرى. لكن متطلبات الظرف الذي تعيشه، وخياراتها الإستراتيجية بأن يبقى الداخل مستقرا، والمحيط المباشر، خاصة اليمن ودول الخليج، مسيطرا عليه، أجبرها على التحرك لاستغلال ما لديها من إمكانيات، فحدث تحول مهم في استراتيجية المملكة من السياسة الناعمة إلى الصلبة، بهدف تأمين الداخل اجتماعيا، وشراء تحالفات خارجية.

فكانت أول قرارات القمة الخليجية عام 2013 خلق قوة عسكرية موحدة، ثم تلا ذلك وبخطوات متسارعة السعي لتجميع قوى ذات وزن ديموغرافي وعسكري، كالاردن والمغرب ومصر وتركيا.

هذه التحركات السياسية والعسكرية، بغض النظر عن نجاحها أو فشلها، تدل على شعور المملكة بأن هنالك نظاما جديدا قد تشكل، وهي تحاول أن تكون جزءا منه، لأن قلقها كبير من تحولها إلى لاعب ثانوي، تحت ظل قـــــوة إقليمية تسيطر على الاقليم برضى دولي. السؤال الان هل تحقق هذا الظرف، وهو الذي قاد إلى هذا التغير في الموقف السعودي؟

يقينا هذه هي الحقيقة التي أدركتها المملكة بصورة متأخرة. صحيح أن السعودية لازالت حليفا مهما في نظر الولايات المتحدة وتتعهد بأمنها. وصحيح أيضا أن لها أهمية في السياسة الامريكية، باعتبارها المركز الروحي للمسلمين في العالم، وزاوية المثلث العربي الممتد من سوريا ومصر، وهي قلب المخزون النفطي العالمي, لكن الامريكان يقولون علنا للمملكة بأن هنالك تغييرا جذريا في قواعد لعبتهم في الإقليم، وأن على السعودية القبول بالوضع الجديد، بما فيه من خسارة لها. فالملفات المهمة بين واشنطن وطهران ليس كمثلها بين الرياض وواشنطن. وقد كان الامريكان صادقين في طرحهم هذا، لكن السعوديين انعدمت ثقتهم بالامريكان بعد الحوار مع طهران، وهم يشعرون بأن الامريكان فضلوا عدم التدخل في سوريا إكراما لعيون الايرانيين، وألقـــــوا وجـــهة النظر والمصالح السعودية في سوريا خلف ظهورهم، وبالتالي لابد من صنع إطار جديد للدور السعودي في المنطقة، قائم على أساس تلازم المسارين السياسي والعسكري، والابتعاد عن طريقة تهدئة المنطقة بتبويس اللحى. كما أن العامل الأبرز في نهوض دور سعودي حقيقي هو في بناء القدرة الذاتية لها، بما يتوافق مع حجمها الجغرافي ومركزها المادي والمعنوي. بهذه العوامل يمكن للمملكة محو النظرة السلبية التي تركتها في نفوس الغالبية العظمى من شعبنا العربي لها، والتي صنعتها لنفسها بسياسات كارثية، تراكمت عبور عقود طويلة من الزمن، كانت فيها مصالحها الوطنية ومصالح أمتنا العربية في أدنى سلم أولوياتها، وكان حرصها على الشريك الامريكي هو المتقدم دائما، بل إنها كانت العامل الرئيسي في التغول الإيراني في المنطقة، وهي من كسر البوابة العراقية، التي بعدها انداح الطوفان جارفا الامن القومي العربي إلى أبعاد سحيقة.

إن الارض والمياه والاجواء الاقليمية لدولة ما، تتسع إلى ابعد من الحدود المعترف بها دوليا، عندما تكون القدرات العسكرية موازية لحجم الدولة الجغرافي، وبالتالي تجد السياسة الخارجية مجالا رحبا في رسم أدوارها وتحقيق مصالحها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

السعودية، سوريا، أمريكا، تركيا، التدخل السعودي بسوريا،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 16-02-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أحمد الغريب، العادل السمعلي، رشيد السيد أحمد، كمال حبيب، سامر أبو رمان ، حسن عثمان، يحيي البوليني، صفاء العراقي، وائل بنجدو، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد عمر غرس الله، سامح لطف الله، عصام كرم الطوخى ، د. محمد مورو ، رافع القارصي، مراد قميزة، محمد الطرابلسي، نادية سعد، فوزي مسعود ، حميدة الطيلوش، منجي باكير، د - شاكر الحوكي ، عزيز العرباوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، علي عبد العال، محمد تاج الدين الطيبي، د. أحمد بشير، عبد الرزاق قيراط ، الهيثم زعفان، محمد إبراهيم مبروك، د. نهى قاطرجي ، د. نانسي أبو الفتوح، كريم فارق، رحاب اسعد بيوض التميمي، عدنان المنصر، د - الضاوي خوالدية، خبَّاب بن مروان الحمد، د. صلاح عودة الله ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - محمد سعد أبو العزم، د. جعفر شيخ إدريس ، فتحي العابد، د. عادل محمد عايش الأسطل، مصطفي زهران، أحمد الحباسي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمود سلطان، علي الكاش، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د. محمد يحيى ، صفاء العربي، عبد الغني مزوز، ابتسام سعد، أحمد النعيمي، د - المنجي الكعبي، بسمة منصور، د - غالب الفريجات، د. الحسيني إسماعيل ، معتز الجعبري، جاسم الرصيف، د - مضاوي الرشيد، د. محمد عمارة ، رضا الدبّابي، د. خالد الطراولي ، شيرين حامد فهمي ، فاطمة حافظ ، محمد أحمد عزوز، فراس جعفر ابورمان، إسراء أبو رمان، عمر غازي، د - مصطفى فهمي، محمود فاروق سيد شعبان، سعود السبعاني، صالح النعامي ، رمضان حينوني، د - عادل رضا، الهادي المثلوثي، رأفت صلاح الدين، صلاح الحريري، صباح الموسوي ، ياسين أحمد، حاتم الصولي، حسن الحسن، د- هاني السباعي، منى محروس، د - محمد بن موسى الشريف ، تونسي، د - محمد بنيعيش، سلوى المغربي، أشرف إبراهيم حجاج، محرر "بوابتي"، طلال قسومي، جمال عرفة، أ.د. مصطفى رجب، د. الشاهد البوشيخي، فتحي الزغل، محمد الياسين، سفيان عبد الكافي، أنس الشابي، سيد السباعي، أحمد بوادي، خالد الجاف ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. كاظم عبد الحسين عباس ، رافد العزاوي، محمد اسعد بيوض التميمي، د - محمد عباس المصرى، د. عبد الآله المالكي، محمد العيادي، يزيد بن الحسين، د - صالح المازقي، محمود طرشوبي، صلاح المختار، عراق المطيري، سوسن مسعود، هناء سلامة، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، فاطمة عبد الرءوف، د.محمد فتحي عبد العال، إيمان القدوسي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عبد الله الفقير، الناصر الرقيق، مصطفى منيغ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د- محمود علي عريقات، د- محمد رحال، أحمد ملحم، عبد الله زيدان، د - أبو يعرب المرزوقي، سلام الشماع، المولدي الفرجاني، د.ليلى بيومي ، محمود صافي ، د - احمد عبدالحميد غراب، محمد شمام ، سيدة محمود محمد، د- هاني ابوالفتوح، فتحـي قاره بيبـان، عواطف منصور، كريم السليتي، د. أحمد محمد سليمان، الشهيد سيد قطب، فهمي شراب، د. طارق عبد الحليم، د- جابر قميحة، إيمى الأشقر، سحر الصيدلي، مجدى داود، إياد محمود حسين ، ماهر عدنان قنديل، أبو سمية، حمدى شفيق ، حسن الطرابلسي،
أحدث الردود
جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة