تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تفاعلا مع حديث الأستاذ الشاذلي القليبي إلى القناة الوطنية الأولى (2)

كاتب المقال محمد المختار القلالي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
Kallalimoktar@gmail.com



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


تساءلت في حديث سابق عن مدى حظ ‘ التجربة البورقيبيّة’ من الحداثة، وانتهى بي النّظر، على خلاف السائد، إلى أنّ من العسف على التاريخ خلع سمة ‘ الحداثة’ على دولة الاستقلال. واليوم ، برّا بوعدي، أودّ أن أتوقّف قليلا عند موقف الرئيس الرّاحل من الدّين. وهو أحد المحاور الذي تعرّض لها حوار القناة الوطنية الأولى مع الأستاذ الشاذلي القليبي في الحلقة التي بثت بتاريخ 18 أكتوبر 2015 من برنامج ‘ قهوة عربي’.

قال الأستاذ القليبي ردّا عن سؤال مقدّمة البرنامج حول موقف بورقيبة من الإسلام :’ أنا أعتقد أن بورقيبة كان أكثر الناس فهما لجوهر الدين’، مستدلا على ذلك بوجاهة دعوته إلى التخلي عن صوم رمضان، و بمنعه تعدد الزوجات. وهي ذرائع تحولت لكثرة صداها في الآذان إلى ما يشبه الاستماع إلى إسطوانة مشروخة.

أنا لن أعنى إطلاقا بالنبش في عقيدة بورقيبة لمعرفة ما إذا كان الرجل مؤمنا أو متشككا أو حتى من ‘ القوم النفاة’، فذاك شأنه ، لا يعني أحدا سواه. و متى كان للناس سلطان على الناس فيما يعتقدون أو ينكرون ؟ علما أن الله وحده العالم بالسرائر و ما تخفي الصدور.
ما يعنينا في هذا الخصوص هو كيف تعاطى بورقيبة الرئيس لدولة دينها الإسلام، و لشعب سواده الأعظم من المسلمين مع ‘ الشأن الديني’، و إلام آلت ‘ مغامرة’ الرجل في هذا المجال؟

ما من شك في أن بورقيبة قد أثاره، و البلد يتوثب للنهوض، ما وجد عليه عامة التونسيين من تدين موغل في التقليد ، و من فهم ملتبس لصحيح الدين ، فشاء أن يحدث القطيعة مع هذا الواقع نظرا لعلاقته العضوية بمعركة الخروج من التخلف.
وعليه قد يكون من الإجحاف بحق الرجل عدم الاعتراف له بقدر من حسن النية و نبل المقصد. لكن ما أهمية النوايا إن هي انتهت إلى ما يزيد الحال تأزما و تعقيدا من حيث يراد لها التقويم و الإصلاح؟

لقد أراد بورقيبة أن ينهض بدور’ المصلح الديني’ في بيئة تحتاج إلى ‘إصلاح ديني’ ولا شك ، لكن فاته، في اعتقادي، أن يعنى بإعداد العدة اللازمة لخوض ‘مغامرته’.

ليت بورقيبة ، وقد ارتأى النهوض لهذه المهمة ، حرص على :
• كسب ثقة الجمهور في نزاهة موقفه من الدين و في صدق حرصه على خدمته.
• تشريك ‘ أهل الرأي و المشورة ‘ في ضبط سياسة دينية واقعية و مستنيرة، تؤمّن التأطير الديني السويّ.
• تجنب المس بـ’ المعلوم من الدين بالضرورة’ (العبادات أساسا) تفاديا لما من شأنه أت يثير حفيظة الناس ويحدث البلبلة في صفوفهم.
• فسح المجال لنشأة حركة فكرية تجادل في ‘ المقدس’ بهدف الترويج للفكر المستنير، خليقة بمحاصرة الأفكار الجانحة إلى التعصب بشتى صوره و أشكاله.

لكن ، وعلى النقيض من ذلك، وجدنا بورقيبة ، مع الأسف الشديد ، قد أبى إلا أن يظهر، لدى قسم هام من التونسيين، بمظهر من يعادي الدين، المستخف به و برموزه، المزعزع لثوابته و أركانه، ما أفقد الثقة في نزاهة مسعاه، و بعث الريبة في مقصده، كما فرض، غفر الله له ، هيمنته المطلقة على المجال الديني ، ولامس تخوم المحظور بدعوته دون مواربة إلى التحلّل من إحدى الفرائض الخمس. هذا ولم تشهد أيامه إطلاق حركة فكرية حرة تتناول ‘المسكوت عنه’ فتجادل فيه جدالا هادئا عميقا ، ينفض الغبار عن الموروث، و يثير التساؤل، و يرسي ‘ ثقافة التنسيب’ ، ويؤصّل للتسامح مهما تباينت القراءات.

أما بخصوص دعوة التونسيين إلى ترك الصيام على اعتبارهم في جهاد ضد التخلف قياسا على ترخيص النبي عليه السلام لأصحابه في الإفطار، وهم في الطريق إلى فتح مكة فبدعة لم يقل بها أحد، و تلبيس لا ينطلي على متبصّر، ذلك أن فتوى النبي ، على افتراض صحة الرواية ، اقتضتها ظروف مناخية قاسية ، و لمدة لا تتجاوز ما تضطر إليه الحال ، ثم هي ، في النهاية، لا تعني سوى من كان مع النبي من المقاتلين. فكيف يسوغ القياس عليها، و ‘الإفتاء’ على ضوئها بالتحلل من فريضة الصوم بالجملة ؟

يبقى عليّ أن أشير بشأن ‘منع تعدد الزوجات ‘ إلى أن الأمانة تقتضي القول بأن بورقيبة ليس هو من نظّر لذلك، فقد سبقه إلى هذا الرأي، الذي لا يزال يثير الجدل حوله حتى اليوم، عدد من المصلحين و الشيوخ القائلين بالمقاصد. و ما يحسب للرئيس الراحل لا يتعدى تنزيله هذا ‘ الاجتهاد’ في دنيا الواقع بإضفاء الصبغة القانونية عليه. وليعد من شاء إلى ما جاء في كتاب ‘ امرأتنا في الشريعة و المجتمع’ للمرحوم الطاهر الحداد ، على سبيل المثال، ليقف على أن بورقيبة لم يأت بشيء من عنده إطلاقا. تقول العرب :’عزو الفضل إلى أهله فرض عين.’
وبالخلاصة ، فقد جانب بورقيبة الصواب، بنظري ، لما أن جعل مقاربته للمسألة الدينية تقوم على ‘سياسة الصدمة’ بدلا من أن يتوسل ‘الثقافي’ في تعاطيه مع ‘إشكالية’ هي ثقافية بالأساس، و لما جعل الغاية من ‘‘عنايته’’ بالدين لا تتعدى تعزيز شرعيته و خدمة مشروعه السياسي .

هذه المعالجة ‘‘ المتشنّجة ‘‘ ، والقائمة على حصر دور الدين في خدمة ‘‘ الحاكم بأمره ‘‘ ومشروعه يرى إليها الكثيرون على أنها أحد أبرز الأسباب في ما نعانيه اليوم من جنوح إلى التطرّف إن إلى اليمين أو إلى الشمال ، تطرّفا بات يهدّد وحدتنا الوطنية ، ويصرفنا عن التوجّه إلى قضايانا المصيرية ومشكلاتنا الحياتية ، ملقين التّبعات على بورقيبة بالدرجة الأولى بما هو من ارتأى أن ينصّب نفسه وصيّا شرعيّا وحيدا على الشعب، دون التقليل بالطبع من مسؤولية خلفه الذي زاد في الطنبور نغمة.

الأستاذ الشاذلي القليبي شخصية وطنية جديرة بالاحترام و لا شك، ساهم من مواقع مختلفة في العمل الوطني و القومي، و لم يلمز قط بسوء إبان الحكم المطلق في ظل ‘دولة الفرد’، بيد أنني وددت ، وهو فينا ذو سن ، أطال الله في أنفاسه، لو هو تفضل علينا بقراءة أكثر توازنا للتجربة البورقيبية خصوصا وهو من عجم عود صاحبها، ولعله أن يفعل بعد هذه ‘ الدغدغة’ البريئة لنقرأ له شهادة لا تمجد و لا تفند ، و تتسامى عن المجاملة التي تلتقي و ‘التحامل’ في وظيفة واحدة هي تزوير الحقيقة . و لا إخال بهذا المعنيين الجدل إلا مرحبين بمساهمة الغراء إلا مرحبة بمساهمة منه تثري الحوار و تعمقه، و تساعدنا، في الأخير، كطلاب حق على تلمس الحق.

وفي انتظار ذلك له مني بالمناسبة أصدق مشاعر التقدير و المودة و الاحترام.

- ذو سن : تطلق على من حنكته التجارب و تحلى بالحكمة.

---------------
محمد المختار القلالي
*عضو اتّحاد الكتّاب التّونسيّين


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الشاذلي القليبي، وسائل الإعلام،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-11-2015  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - شاكر الحوكي ، د - صالح المازقي، رشيد السيد أحمد، الهادي المثلوثي، إسراء أبو رمان، كريم السليتي، عبد الغني مزوز، محمد العيادي، مصطفي زهران، ابتسام سعد، سحر الصيدلي، فوزي مسعود ، كمال حبيب، د- محمد رحال، ماهر عدنان قنديل، العادل السمعلي، محمد أحمد عزوز، د - احمد عبدالحميد غراب، سيدة محمود محمد، أبو سمية، أحمد بن عبد المحسن العساف ، جمال عرفة، د. نهى قاطرجي ، صلاح الحريري، مراد قميزة، د. محمد مورو ، بسمة منصور، محمد الطرابلسي، المولدي الفرجاني، د. جعفر شيخ إدريس ، د - محمد عباس المصرى، علي الكاش، حسن الحسن، د. أحمد محمد سليمان، د - الضاوي خوالدية، أشرف إبراهيم حجاج، أنس الشابي، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمود طرشوبي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد إبراهيم مبروك، عمر غازي، د. الحسيني إسماعيل ، ياسين أحمد، محمود فاروق سيد شعبان، د - محمد بن موسى الشريف ، د. مصطفى يوسف اللداوي، الشهيد سيد قطب، سعود السبعاني، د. طارق عبد الحليم، معتز الجعبري، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صفاء العربي، د. محمد يحيى ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. صلاح عودة الله ، عصام كرم الطوخى ، فاطمة حافظ ، علي عبد العال، د.ليلى بيومي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، خالد الجاف ، أحمد الحباسي، عزيز العرباوي، د - مصطفى فهمي، سفيان عبد الكافي، د - محمد بنيعيش، محمد تاج الدين الطيبي، د. أحمد بشير، أحمد النعيمي، إيمى الأشقر، صباح الموسوي ، عبد الله زيدان، د. محمد عمارة ، د- جابر قميحة، فاطمة عبد الرءوف، محمد اسعد بيوض التميمي، سلام الشماع، محمود صافي ، سلوى المغربي، حميدة الطيلوش، سوسن مسعود، إيمان القدوسي، رضا الدبّابي، طلال قسومي، فتحي الزغل، د - أبو يعرب المرزوقي، عراق المطيري، هناء سلامة، الهيثم زعفان، فتحي العابد، حسن الطرابلسي، يحيي البوليني، فتحـي قاره بيبـان، د- محمود علي عريقات، سامح لطف الله، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د- هاني السباعي، فهمي شراب، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أحمد ملحم، عبد الرزاق قيراط ، الناصر الرقيق، عدنان المنصر، كريم فارق، محمد الياسين، مجدى داود، تونسي، جاسم الرصيف، إياد محمود حسين ، خبَّاب بن مروان الحمد، حمدى شفيق ، محمود سلطان، د - محمد سعد أبو العزم، د - المنجي الكعبي، رأفت صلاح الدين، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عواطف منصور، أحمد الغريب، محمد شمام ، رافد العزاوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، أ.د. مصطفى رجب، سامر أبو رمان ، وائل بنجدو، د. نانسي أبو الفتوح، رمضان حينوني، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، شيرين حامد فهمي ، أحمد بوادي، سيد السباعي، صالح النعامي ، عبد الله الفقير، د. الشاهد البوشيخي، صفاء العراقي، فراس جعفر ابورمان، د - غالب الفريجات، د- هاني ابوالفتوح، حسن عثمان، نادية سعد، يزيد بن الحسين، منى محروس، د.محمد فتحي عبد العال، صلاح المختار، محمد عمر غرس الله، د. عبد الآله المالكي، منجي باكير، رافع القارصي، د. خالد الطراولي ، مصطفى منيغ، د - مضاوي الرشيد، حاتم الصولي، محرر "بوابتي"،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة