تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

دعوكم من الكلام... قاربوا القضايا بالمنهج العلمي

كاتب المقال محمد المختار القلالي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
kallalimokhtar@gmail.com



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


كلّما سمعت تلك الأصوات تتعالى من هنا وهناك، تدعو التّونسيين إلى الإقدام على العمل، والانصراف إلى الإنتاج إلاّ وترسّخ لديّ الاعتقاد أنّنا ‘خارج العصر’ لبعدنا عن ‘منطق العصر’، مشفقا في الوقت نفسه على أصحاب هذه الأصوات... ليس شكّا في حسن نوايا هؤلاء ‘النّاصحين’، معاذ الله، وإنّما شكّا في الجدوى من دعواتهم. وإلاّ هل أثمرت هذه الدّعوات إلى حدّ اليوم شيئا؟ الواقع يقرّ أنّها ذهبت جميعا مع الرّيح، و كصرخة في واد. وذلك لسبب بديهي ما كان ينبغي أن يغيب عن أحد، خصوصا عن أهل الحلّ و الربط. مفاده، بالتّحديد، أنّ الإقبال على العمل بحماس وإخلاص لا يمكن أن يتحقّق من خلال الدّعوة إليه بالقول وحسب.

كلّنا تقريبا نقرّ أنّنا، كتونسيّين وكعرب عموما، لا نولي العمل ما هو حقيق به من العناية والاعتبار، ميّالين إلى الضنّ بالجهد والإخلاد إلى السّهولة، بعيدين في الغالب عن الشّعور بواجب المساهمة في الإنتاج وتنمية الثّروة. لكن، هل دفعتنا هذه القراءة إلى القناعة بضرورة التّعاطي مع هذه الظّاهرة بالجديّة المطلوبة إدراكا منّا أنّها دائما ما مثّلت، ولا تزال، أحد أبرز العوامل التي أعاقت حلمنا بتحقيق التّنمية؟ الواقع (مرة أخرى) يقوم شاهدا على أنّنا لا نزال على اعتقادنا السّاذج أنّه بــ’الكلام’ وحده يمكن أن نحلّ بعض مشكلاتنا، فيما المنطق السّليم يحتّم بالضّرورة توخّي المعالجة العلميّة المنهجيّة القائمة على فهم الظّواهر وتعليلها، ومن ثَمَّ إلى تخيّر المقاربات الكفيلة بتسويتها كلّما تعلّق الأمر بمواجهة مسألة من المسائل، أو تحدّ من التحدّيات.

ما أبسط، والله، عقول من يتوهّمون أنّه يكفي أن نصيح في النّاس أَنْ ‘حيّ على العمل، حيّ على الإنتاج’ كي نراهم ينفرون خفافا إلى أشغالهم بكلّ عزيمة وشغف وإخلاص. إنّ المسألة أكثر عمقا وتعقيدا من ذلك بكثير. وحلّها لن يتأتّى بمجرّد الدّعوات، وبإسداء النّصائح، وتقديم المواعظ. وآية ذلك أنّنا لم نخط خطوة واحدة إلى اليوم نحو التّصالح مع ‘مفهوم العمل’ رغم كلّ الذي سِيق من نصائح ودروس في الغرض. نصائح ودروس ما أن تدخل من أذن حتى تخرج من الأخرى. ما يعني أنّ لتحبيب النّاس في العمل شروطا لا بدّ من أخذها بعين الإعتبار و إلّا فسنستمرّ ندور في حلقة مفرغة إلى ما شاء اللّه.

يقول فـــــــــولتار:’ يبعد عنّا العمل ثلاث آفات القلق والرّذيلة والاحتياج’. ما يعني أنّ له ثلاث وظائف:

- نفسيّـــــة: بما هو الذي يجنّبنا الملل وتداعياته السّلبية على الصّحة النّفسيّة.
- أخـــلاقيّة: كونه الذي ينأى بالفرد عن المفاسد وشتّى ضروب الانحراف.
- مـــــــاديّة: باعتباره السّبيل إلى تفادي الوقوع في البؤس والخصاصة.

لن أتوقّف عند الفائدتين الأوليين، فأمرهما يبدو مسلّما به تقريبا. بيد أنّ الإشكال يبقى عالقا بالغاية النّفعية من العمل، إذ أنّ تحقيقها يظلّ مرهونا بمدى التّعويض الذي يتلقّاه العامل لقاء عمله. فإن كان التّعويض مجزيّا فبها ونعمتْ، وإلاّ فإنّ علاقة العامل بعمله صائرة إلى السّوء والتوتّر لا محالة. إنّ العمل الذي لا يعصم صاحبه من الحاجة يُمسِي مرغوبا عنه، لا يأتيه الواحد إلاّ متكاسلا. وإذا ذُكر عنده ‘الإنتاج والإنتاجيّة’ سخر من قائله، واعتبره ‘خارج السّياق’. وذلك هو واقع حالنا الذي لا تعزب عنه العين، مع شديد الأسف.

وبعد، ألا يغدو من العجب، تبعا لذلك، أن ننتظر من الموظّف في بلادنا أن يتفانى، ويخلص، ويبدع، ويبادر، على غرار نظيره في بلاد أخرى حيث المواطن هو المبتدأ والخبر؟ وهل من السّائغ أن نسأل كيف لا يقبل على عمله بعزيمة وانشراح مَن خرج إلى شغله تاركا أمّ عياله تتدبّر ‘قوت يومهم’ مع عطّار الحيّ، يجيبها إلى حاجتها أم يمنعها؟ أو من ترك مريضه يعاني الأوجاع دون أن يكون قادرا على فعل شيء يخفّف عن مريضه الأوجاع... أو من أثقلت كاهله الدّيون دون القدرة على الوفاء بالتزاماته تجاه غرمائه ودائنيه، أو... أو... ، والقائمة ‘تشذّ عن الحصر لا يأخذها العدّ’.

قد يتعلّل البعض بأنّ إمكانيات البلاد لا تسمح بأن توفّر لكلّ عامل تعويضا مجزيا يؤمّن له حياة هانئة ميسورة. وهو تعليل هشّ لا يثبت عند الحجاج، و ‘مسألة فيها نظر’ على نحو ما يقول فقهاؤنا. دليلنا على ذلك أنّ بلدانا أخرى لا تختلف عنّا كثيرا من حيث الثّروات والموارد قد نجحت في تحقيق الرّفاه لشعوبها بعد أن كانت أوضاعها، قبل عقود قليلة فقط، تشابه أوضاعنا. ما يعني أنّ مصدر الخلل يتجاوز شحّ الموارد لينحصر، على الأرجح، في ‘نمط الحكم’. قُيّض لهم ‘حكم رشيد’ فتسنّموا الأعالي، وابتلينا بــــ’حكم سفيه’ فبقينا نتخبّط في الأسافل.

والظّاهر أنّنا سنظلّ نراوح مكاننا ما لم تتوفّر لدينا إرادة سياسية استثنائية، مؤمنة، فعلا لا قولا، بحجم التّغيير الذي تقتضيه أوضاعنا، مستندة إلى ‘مشروع نهضة’ يلامس كل مناحي حياتنا لنجعل منه ‘هدفا كبيرا’ يتجنّد له الجميع، وتُعبّأ له كلّ الطّاقات من أجل تحقيقه.
وإلى أن يتهيّأ لنا ذلك، ليس بوسعنا غير أن… نتفاءل!

------------
محمد المختار القلالي
عضو إتّحاد الكتّاب التّونسيّين


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، حركة نداء تونس،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 7-03-2015  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
سعود السبعاني، رأفت صلاح الدين، رافع القارصي، جاسم الرصيف، صفاء العربي، أحمد ملحم، فتحي الزغل، سيدة محمود محمد، أ.د. مصطفى رجب، فوزي مسعود ، وائل بنجدو، شيرين حامد فهمي ، د- هاني ابوالفتوح، كريم السليتي، د - غالب الفريجات، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أحمد بوادي، فتحي العابد، د.محمد فتحي عبد العال، د . قذلة بنت محمد القحطاني، حمدى شفيق ، منى محروس، محمد أحمد عزوز، محمد الياسين، د - مضاوي الرشيد، محمد شمام ، محمود طرشوبي، عزيز العرباوي، محمد عمر غرس الله، د - محمد بنيعيش، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - أبو يعرب المرزوقي، د - محمد عباس المصرى، د- محمود علي عريقات، د - احمد عبدالحميد غراب، سيد السباعي، عبد الله الفقير، العادل السمعلي، مصطفي زهران، د. صلاح عودة الله ، رحاب اسعد بيوض التميمي، إياد محمود حسين ، محمد تاج الدين الطيبي، منجي باكير، هناء سلامة، د. خالد الطراولي ، رمضان حينوني، د - عادل رضا، فراس جعفر ابورمان، عبد الغني مزوز، د- محمد رحال، أنس الشابي، كمال حبيب، د. جعفر شيخ إدريس ، د. نانسي أبو الفتوح، محرر "بوابتي"، د. محمد مورو ، بسمة منصور، حسن الحسن، سفيان عبد الكافي، أشرف إبراهيم حجاج، مراد قميزة، صالح النعامي ، د. الحسيني إسماعيل ، أحمد الغريب، الهادي المثلوثي، سلام الشماع، د - شاكر الحوكي ، رشيد السيد أحمد، علي عبد العال، خالد الجاف ، أحمد النعيمي، حاتم الصولي، حسن الطرابلسي، نادية سعد، صباح الموسوي ، د. أحمد محمد سليمان، حميدة الطيلوش، سحر الصيدلي، عواطف منصور، د - المنجي الكعبي، د. الشاهد البوشيخي، ماهر عدنان قنديل، د. عادل محمد عايش الأسطل، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود صافي ، الناصر الرقيق، د. كاظم عبد الحسين عباس ، مصطفى منيغ، د- هاني السباعي، محمد الطرابلسي، عمر غازي، إيمان القدوسي، عبد الله زيدان، أحمد الحباسي، كريم فارق، محمد اسعد بيوض التميمي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فاطمة حافظ ، سامح لطف الله، د - صالح المازقي، سلوى المغربي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. محمد يحيى ، عصام كرم الطوخى ، د - الضاوي خوالدية، حسن عثمان، د. نهى قاطرجي ، علي الكاش، أحمد بن عبد المحسن العساف ، ياسين أحمد، يحيي البوليني، عراق المطيري، سوسن مسعود، إسراء أبو رمان، د- جابر قميحة، د - مصطفى فهمي، د.ليلى بيومي ، مجدى داود، رافد العزاوي، الشهيد سيد قطب، إيمى الأشقر، سامر أبو رمان ، رضا الدبّابي، محمد إبراهيم مبروك، ابتسام سعد، عدنان المنصر، الهيثم زعفان، أبو سمية، محمود سلطان، معتز الجعبري، د - محمد بن موسى الشريف ، فهمي شراب، صلاح الحريري، د. طارق عبد الحليم، د. أحمد بشير، طلال قسومي، فتحـي قاره بيبـان، صفاء العراقي، د. مصطفى يوسف اللداوي، المولدي الفرجاني، د - محمد سعد أبو العزم، جمال عرفة، فاطمة عبد الرءوف، محمود فاروق سيد شعبان، محمد العيادي، عبد الرزاق قيراط ، صلاح المختار، د. محمد عمارة ، تونسي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، يزيد بن الحسين، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. عبد الآله المالكي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة