تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

المجتمع كالطّفل في تطوّرِهِ الدّيمقراطيّ

كاتب المقال فتحي الزغل - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


يعيش المجتمع في دول الرّبيع العربي منذ نجاح ثوراته الشّعبية و إطاحته بحكّام كانوا يستبدّون به و يقهرونه و يعبثون بمقدرّاته ، حالةً من التّجاذبات السّياسية الحادّة، وصلت درجة الاحتقان و الاقتتال في بعضها. حتّى أنّ بعــــــــض الفُرقاء - ولشدّة عصبيّته لفرقتِه و عدائه لمُخالفيه - أضحى لا يستحي من الترحّم على أيّام المقبور أو المخلوع أو الهارب من هؤلاء الحكّام المجرمين لأنّ تلك الأيام كان هؤلاء في السجون أو في المنافي كما هو معلومٌ.

و عندما بحثتُ عن أوجه الشّبه بين ما يحدث في ديارنا، و ما حدث في الدّول و الشّعوب التي انتفضت على نظامها السّياسي مثلنا، منذ القرن الثّامن عشر في فرنسا، إلى القرن العشرين في أمريكا اللاّتينية و أوروبا الشّرقية و آسيا، وجدتُ أنّ تلك الأمم قد ماثلتنا في التّجاذب الحادّ بين فصائلها السياسيّة و رُؤاها الفكريّة إبّان خلعها نظامَها السّياسيَّ. تجاذبٌ وصل للاحتقان الذي نعيشه اليوم في بعض بلداننا. و أقصدُ ذاك الذي وقع في رومانيا حديثا، أو الذي وقع في فرنسا - بلد أوّل ثورة شعبيّة مكتملة ناجحة – قديما. تجاذبٌ لا يزال بعضه قائمٌ إلى الآن في الدّول الحديثة بالثّورة، و تطوّر بعضه الآخر في الدّول العريقة في الدّيمقراطية، ليصبح نقاشا سياسيًّا راقيًا لا يصلُ درجة العنف و الاحتقان.

و ما الشّبهُ الواضح بين تلك الشّعوب و ما طفح منها بعد ثوراتها، إلاّ لأنّ التّشنّج و التّناكف و النّقاش الحادّ الذي طبـــــع و يطبع المرحلة، لا يعدو أن يكون سوى تعبيرٍ نفسيّ فرديّ و جماعيّ لقانون واحد يحكم تلك الظّاهرة...
فالشّعبُ أو الأمّةُ أو مجموعة البشر التي تعيش تحت نظامٍ سياسيّ واحدٍ، يتطوّر سلوكُه الجماعيُّ و يتغيّرُ و يتكيّفُ بالتّعلّم و بالتّجربة، شأنه شأن سلوك الطّفل منّا، عندما يبدأ في بناء علاقاته الخارجيّة مع إخوته في عائلته، فجيرانُه من أقرانِه، فأصدقاؤُه من مدرسته، وصولا إلى نضجه الكامل في بيئة عملــــــــه و أسرته... و بالتّالي، فنحن إذا ما اقتربنا أكثر من ذاك السّلوك في تطوّره، نجدُه مطبوعا في مراحله الأولى بالأنانيّة، و المركزيّة الذّاتية، و عدم قبول الآخر مطلقا. قبل أن يتطوّر في مرحلة ثانية - لا تعكس إرادته الحقيقيّة المطبوعة كذلك بالأنانيّة الفرديّة - في اتجاه التّعامل مع الآخر إذا كان يخدم مصلحته و يمنحه ما يريدُ. ثمّ في مرحلة لاحقة، يتطوّر نحو بداية تعايش كلّ طفل مع بيئته الضيّقة، و عدم الاعتراف بغيرها من البيئات التي يلحظها هو بنفسه و يُدركُ وجودَها. ليصِلَ في نهاية مراحل نموّه الذّهني و النفسيّ النهائيّة، إلى الوعي بأنَّه جزءٌ من نسيجٍ بشريّ كبيرٍ، يخدم بعضه بعضا، فيتّسمُ سلوكُه في تلك المرحلة باحترام كلّ مكوّنات ذلك النّسيج بما في ذلك من يُخالفهم و يعاكسهم الرّأي.

و هذا التّطور الخطّي نحو لجم عنف الأنانيّة لدى الفرد عبر التّثقّف و الحضارة، يتشكّلُ بعينه في الوعي الجماعيّ لكلّ مجتمع حديث العهد بالدّيمـــــقراطيّة و الحرّيّة... حيث تأخذ داخله الخلافات الجماعيّة في البداية شكلا عنيفا تغلبُ عليه إرادة كل فصيلٍ فيه إقصاءَ غيره ممّن يحمل خلاف فكره. مع ما يُخلّفه ذلك السلوك الاجتماعيّ من خسائر و ضحايا. قبل أن يتطوّر الوعيُ الجماعي لنفس المجتمع لمرحلة أخرى أعلى درجةً، تُدرك فيها فصائله الفكريّةُ أنّ اختلاف غيرها معها في الرأي، لا يعني بالضرورة الخيانة و التّوجّه نحو الكارثة، و إنّما ذاك الاختلاف مـــــــن اختلاف المرجعيّة و التّجربة و المصلحة.

فتبدأ نبرة الحدّة منذ حدوث تلك المرحلة في النّزول شيئا فشيئا، إلى أن تصل تلك الأمم أو المجتمعات في قمّة وعيها الجماعيِّ إلى مرحلة نضج اجتماعيٍّ يفرض احترام كلّ فصيلٍ أو فرقةٍ أو مجموعةٍ من البشر لغيرهم و لو اختلفوا معهم. كما يفرض عليهم نقاشات راقية معهم، لا مكان فيها لفرض الرّأي سوى بالإقناع، ومقارعة الفكرة بالفكرة، و رمي الحجّة بالحجّة تُفحمها.و هو ما يُعبّرُ عنه بالسلوك الديمقراطيّ الذي من أساساته الفكريّة عدم إلغاء المخالف في الرأي.

و تلك مرحلة أظنّني مقتنعٌ بأنّ شعوب ربيعنا العربيّ لم تصلها بعدُ، لحداثة عهدها بالدّيمقراطية. مثلها مثل شعوب أخرى سبقتها بعهود في هذا المجال. لأنّ الصّيرورة الاجتماعية تتطلّب وقتا، يطولُ ويقصرُ، حسب معطيات خارجيّة موضوعيّة أخرى، لا يتّسع وقتُ المحاضرة لذكرها الآن. وإنّما يكفي لأن أشيرَ إلى أنّ كلّ هذه الظاهرة الاجتماعيّة، هي خاضعة لنفس القانون لا محالة. و بفهمنا للقانون... نُشاهدُ العربة و نرى الطريق و نفهمُ السّائق.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الديموقراطية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 2-06-2013  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  أنا اللّص الذي عنه تبحثون
  قراءة في المشهد الانتخابي البرلماني التونسي بعد غلق باب التّرشّحات
  السّياسةُ في الإسلام
  ماذا يقع في "وينيزويلّا"؟ حسابات الشّارع وموازين الخارج
   بعد تفجير شارع بورقيبة ... ألو... القائد الأعلى للقوات المسلّحة؟
  إلى متى تنفرد الإدارة في صفاقس بتأويل خاصّ لقوانين البلاد 2؟
  "التوافق" في تونس بين ربح الحزب وخسارة الثورة
  "ترامب"... رحمة من الله على المسلمين
  حكاية من الغابة... حكاية اللئيم و الحمير
  بقرة ينزف ضرعـــها دما
  تعليقا على مؤتمر النهضة... رضي الشيخان ولم يرض الثّائر
  بعد مائة يوم على الحكومة... إلى أين نحن سائرون؟
  الغرب و الشّرق و "داعش" و "شارلي"
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج3
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج2
  "الإرهاب و مسألة الظّلم" ج1
  كيف تختار الرّئيس القادم؟
  قراءة في الانتخابات البرلمانية التونسية
  سكوتلاندا لا تنفصل... درس في المصلحيّة
  قراءة في النّسيج الانتخابي التّونسي
  "أردوغان" رئيسا لتركيا... تعازي غلبت التهاني
  "غزّة" و الإسلاميّون
  الانتخابات الفضيحة
  أُكرانيا و مصر و نفاق الغرب
  رئيسٌ آخر و حكومة جديدة.... قراءة في ما بعد الحدث
  بيان بخصوص رفض الأطبّاء العمل في المناطق الدّاخليّة
  بيان بخصوص إضراب القضاة
  سلطتنا التّنفيذيّة وعلامات الاستفهام
  سلطتنا القضائيّة و علامات الاستفهام
  الدّيمقراطية والبانديّـــة

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
جمال عرفة، سحر الصيدلي، د - أبو يعرب المرزوقي، ياسين أحمد، الناصر الرقيق، د - غالب الفريجات، مصطفى منيغ، طلال قسومي، مجدى داود، فاطمة عبد الرءوف، عدنان المنصر، أحمد بن عبد المحسن العساف ، محمود صافي ، د.ليلى بيومي ، أشرف إبراهيم حجاج، حسن الطرابلسي، محمد الياسين، سعود السبعاني، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد تاج الدين الطيبي، محرر "بوابتي"، حميدة الطيلوش، د. محمد يحيى ، مراد قميزة، محمد عمر غرس الله، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د- محمود علي عريقات، د. نانسي أبو الفتوح، أحمد النعيمي، إيمى الأشقر، الشهيد سيد قطب، محمد العيادي، أ.د. مصطفى رجب، سفيان عبد الكافي، إسراء أبو رمان، د. صلاح عودة الله ، د - احمد عبدالحميد غراب، أبو سمية، محمد الطرابلسي، رضا الدبّابي، كريم السليتي، أنس الشابي، خبَّاب بن مروان الحمد، محمد إبراهيم مبروك، سيد السباعي، سامر أبو رمان ، جاسم الرصيف، د. نهى قاطرجي ، صفاء العراقي، إيمان القدوسي، الهيثم زعفان، ابتسام سعد، د. طارق عبد الحليم، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. جعفر شيخ إدريس ، كريم فارق، محمود فاروق سيد شعبان، فتحي الزغل، شيرين حامد فهمي ، علي الكاش، المولدي الفرجاني، حمدى شفيق ، د - صالح المازقي، د. محمد عمارة ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - محمد بنيعيش، سلام الشماع، حسني إبراهيم عبد العظيم، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمود طرشوبي، د- جابر قميحة، أحمد الغريب، د- محمد رحال، أحمد بوادي، مصطفي زهران، يزيد بن الحسين، د- هاني السباعي، د. الحسيني إسماعيل ، ماهر عدنان قنديل، د. مصطفى يوسف اللداوي، عبد الله الفقير، صلاح المختار، صلاح الحريري، د. عادل محمد عايش الأسطل، عراق المطيري، سلوى المغربي، د - محمد عباس المصرى، د. محمد مورو ، محمد اسعد بيوض التميمي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - مصطفى فهمي، كمال حبيب، سوسن مسعود، حسن عثمان، د - مضاوي الرشيد، د - محمد سعد أبو العزم، د - الضاوي خوالدية، محمد أحمد عزوز، فوزي مسعود ، د. أحمد بشير، علي عبد العال، محمود سلطان، حاتم الصولي، د - المنجي الكعبي، حسن الحسن، د - محمد بن موسى الشريف ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صفاء العربي، منى محروس، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، عبد الرزاق قيراط ، د. أحمد محمد سليمان، أحمد الحباسي، رافع القارصي، صباح الموسوي ، صالح النعامي ، د.محمد فتحي عبد العال، فاطمة حافظ ، فتحي العابد، العادل السمعلي، فهمي شراب، رشيد السيد أحمد، سامح لطف الله، رمضان حينوني، عمر غازي، عزيز العرباوي، معتز الجعبري، وائل بنجدو، نادية سعد، د- هاني ابوالفتوح، يحيي البوليني، رافد العزاوي، عبد الله زيدان، د. خالد الطراولي ، خالد الجاف ، د. الشاهد البوشيخي، الهادي المثلوثي، فتحـي قاره بيبـان، تونسي، إياد محمود حسين ، رأفت صلاح الدين، سيدة محمود محمد، عواطف منصور، فراس جعفر ابورمان، هناء سلامة، أحمد ملحم، د - شاكر الحوكي ، محمد شمام ، منجي باكير، بسمة منصور، عصام كرم الطوخى ، عبد الغني مزوز، د. عبد الآله المالكي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة