تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

العيدُ.. وغربة الشاعر

كاتب المقال د - جابر قميحة - مصر    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي
gkomeha@gmail.com



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


شعر الاغتراب لون واضح القسمات في أدبنا العربي، مثل شعر الغزل، وشعر المديح، وشعر الفخر. وهو أصدق ألوان الشعر تعبيرًا عن لواعج النفس بسبب الفراق، والحنين إلى الأهل والأوطان، ومصدر كل أولئك ـ كما يقول الجاحظ "توقد النار في الأكباد" والإحساس بالغربة ـ كما يرى الدكتور ماهر حسن فهمي ـ يكاد ينحصر في الهارب، والأسير، والمهاجر. ومن شعر الاغتراب ـ في الأدب العربي: روميات أبي فراس الحمداني (وهو أسير في سجون الروم)، وسرنديبيات البارودي، وأندلسيات شوقي (والأول كان منفيًّا إلى سرنديب، والثاني منفيًّا إلى الأندلس).
ويكثر شعر الغربة عند ابن زيدون، والمتنبي في فترة السنوات الثماني التي ترك فيها سيف الدولة، وهناك من شعر الغربة ما هو أرقى وأسمى، وهو شعر "الغربة الروحية" التي يستشعرها الإنسان حتى وهو في وطنه، وبين أهله، وغالبًا ما نجد هذا الشعور عند أصحاب المبادئ والمثاليات الذين يرفضون كثيرًا من الأوضاع الاجتماعية والسياسية في أوطانهم، وقد أشار ابن الرومي إلى هذا اللون في قوله:
أعاذك أنْسُ المجد من كلِّ وحشةٍ =
فإنك في هذا الأنام غريبُ
وتشتد هموم الشاعر المغترب، وتتوقد شاعريته، ويتوهج وجدانه إذا ما حل العيد، وهو بعيد عن وطنه، وأهله وأبنائه، وخصوصًا إذا كان اغترابه إجباريًا قسريًا، لا يدَ له فيه.
ونقف في السطور التالية مع شاعرين من شعراء "الاغتراب" أولهما أبو الطيب المتنبي (303 ـ 354هـ)، والثاني: عمر بهاء الدين الأميري ـ رحمه الله ـ ابن حلب الشهباء الذي ولد سنة 1915م، وغادر دنيانا من عدة سنوات. ويعد إبداعه الشعري الذي جاء في عشرات من الدواوين من أعظم نماذج "الأدب الإسلامي" فكرًا، وتصويرًا، وتعبيرًا، ومن أشهر دواوينه "مع الله" و "ألوان طيف" و "نجاوى محمدية" و "فلب ورب" وقد فارق الشاعر وطنه بعد أن سجن واضطهد، فانطلق سائحًا في الله، في بلاد المشرق والمغرب، وسلاحه المبدأ الصادق، والإيمان العميق، والكلمة الهادية.
***
ووقفتنا مع الشاعرين محدد بشعر الغربة في "العيد"، وقد حل بالشاعرين، وكل منهما "غريب" .. في غير وطنه.
وأشهر قصيدة ـ في هذا الموضوع ـ نظمها المتنبي سنة 350هـ وهو يهم بمغادرة مصر إلى غير رجعة قبل العيد بيوم واحد، وهي داليته المشهورة، والتي مطلعها:
عيدُ بأيةِ حال عدت يا عيد =
بما مضى أم بأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهمُ =
فليت دونك بيدا دونها .. بيدُ
وانطلق المتنبي يعبر عن همومه، ويلعن سنيه في مصر، ويهجو الشعب المصري الذي أكرم مثواه، ويهجو كافورا الإخشيدي بأحط ألوان السباب: فهو عبد، وهو كلب
جوعان يأكل من زادي ويمسكني =
لكي يقال عظيم القدر مقصودُ
مع أن المتنبي مدحه من قبل بمدائح رائعة، وصل بعضها إلى سيف الدولة، فقال "كنت أتمنى أن يقول المتنبي فيّ مثل ما قال في كافور".. وما نقم المتنبي من كافور ـ على كرمه معه ـ إلا أنه لم يحقق طمعه في أن يوليه "ولاية" يكون هو حاكمها، والمتصرف فيها.
**********
ولا كذلك شعر الغربة عند الأميري ـ رحمه الله ـ فهو يصدر من نفس تقية نقية، قلبه معلق بالله، مؤمن بأن الآخرة خير له من الأولى، ففي جدة في الثلاثين من رمضان 1409هـ (5 / 5 / 1989م) ينظم الأبيات الآتية:
ذهبتْ "راؤُه".. و "نونُ" ختامه =
فانبرى في الحديث عن أيامِهْ
قال: شهري مضى .. ويا فوز عبدٍ =
لم ينم عن صيامه وقيامهْ
هو قد برَّ نفسه فتصدى ..=
للتجلي، واشتد في إقدامِهْ
والرحيم الرحمن برّ مناه =
فتجلى له بفيض سلامِهْ
أنا حيٌّ في قلبه وستبقى =
ليلة القدر في سنا أحلامه
***
وهو لا يستشعر للعيد متعة، ولا تأخذه به فرحة، ما دامت القدس في يد الأعداء الذين نهبوا الأرض وهتكوا الحرمات، وشردوا الشعب الأصيل:
ما العيدُ والقدسُ في الأغلال رازحةٌ =
والمسلمات سبيَّات لفساقِ
واستجير برب البيت في قلق =
على "المدينة" من فتكِ وإزهاقِ
وأرسل الدعوة الحرى على ثقة =
بالله في صبر فذِّ العزم عملاق
فالنصر في قدر الله الحكيم على =
وعدِ مع الصبر في إيمان سبَّاق
ويضرب الشاعر في فجاج الأرض داعيًا إلى الله، والحق، والجهاد، ويهل العيد، ولا جديد إلا تفاقم البلاء، وتدفق الدماء، وتسلط "الكبار" بظلمهم على الشعوب. ويرى في العيد فرصة لمحاسبة النفس، بعد أن فقد ما كان يبعثه في النفوس من فرح وسعادة:
يقولون لي عيد سعيد، وإنه =
لَيوم حسابٍ لو نحسُّ ونشعر
أعيدٌ، وللبغي العدوُّ تفاقمٌ =
وأمرُ ولاة الأمرِ أنكى وأخطر؟
إنهما مفهومان متناقضان للعيد عند الشاعرين: عيد المتنبي، يعني تحقق ما يرضى عنه من المطالب المادية، والأطماع الدنيا، وعيد الاميري يتمثل في تحرير الوطن والأمة الإسلامية، وانتصار الحق، وإعلاء كلمة الله.
ـــ


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

شعر، الغربة، ،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 15-10-2012  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  أقلام من عالم التشويه والتزوير
  العيدُ.. وغربة الشاعر
  بين الغرور العددي .. والقوة الإيمانية
  توفيق عكاشة أين الدين ؟ وأين المواطنة ؟
  من صور الادعاء وسقوط الرأي
  من أفذاذ أساتذتي في كلية دار العلوم الدكتور محمد ضياء الدين الريس
  إمَّا العدل وإمّا الموت..
  تعلمت من محمودالجميعي
  إمام المسلمين .. أبو الحسن الندْوي
  عندما يوثن الطاغية ذاته
  سطور عن قط مبارك المخلوع
  وفي عمرُ بن الخطاب الأسوة والقدوة
  صحيفة من المستنقع
  كونوا مع الله
  من أصوات العزة والشموخ
  صفحة من التخبط السياسي
  ملامح الدولة المصرية في ظل حكم محمد مرسي أو أحمد شفيق
  رسالة إلى الرئيس الجديد
  برنامج تهريجي وصباح لا خير فيه
  أقيموا شرع الله
  كلمات حق إلى الحكام العرب
  مفيش شيء اسمه إخوان
  العلاج خير من الوقاية
  حكاية البعوضة والنخلة
  عندما يتظرف الداعية ويتعالم
  الإخوان المسلمون والحملة الشيطانية
  مع الخليفة عمر والواقع الذي نعيشه
  الإسلام هو الحل
  خيرت الشاطر رجل عاش للمحن
  كلمات من القلب إلى خيرت الشاطر والذين معه

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د. مصطفى يوسف اللداوي، العادل السمعلي، د - محمد سعد أبو العزم، محمد شمام ، الهادي المثلوثي، بسمة منصور، أحمد الحباسي، ماهر عدنان قنديل، محمد العيادي، د - احمد عبدالحميد غراب، رمضان حينوني، سوسن مسعود، حسن الحسن، د.محمد فتحي عبد العال، مجدى داود، إيمان القدوسي، عمر غازي، فاطمة عبد الرءوف، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمود طرشوبي، محمد الطرابلسي، فهمي شراب، خالد الجاف ، د. الشاهد البوشيخي، د. جعفر شيخ إدريس ، كريم فارق، رأفت صلاح الدين، علي الكاش، أحمد النعيمي، شيرين حامد فهمي ، مصطفي زهران، د - مضاوي الرشيد، حمدى شفيق ، عبد الغني مزوز، د. نانسي أبو الفتوح، د. عبد الآله المالكي، د. عادل محمد عايش الأسطل، طلال قسومي، إيمى الأشقر، سعود السبعاني، محمد تاج الدين الطيبي، سامح لطف الله، د- هاني السباعي، سيد السباعي، حسن عثمان، صالح النعامي ، الهيثم زعفان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أبو سمية، جاسم الرصيف، د- هاني ابوالفتوح، د . قذلة بنت محمد القحطاني، علي عبد العال، صلاح المختار، د - أبو يعرب المرزوقي، سلام الشماع، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، رافد العزاوي، مصطفى منيغ، د. خالد الطراولي ، مراد قميزة، فتحي العابد، سفيان عبد الكافي، د - غالب الفريجات، د. محمد عمارة ، د - المنجي الكعبي، أحمد بوادي، رحاب اسعد بيوض التميمي، إياد محمود حسين ، تونسي، وائل بنجدو، أحمد الغريب، د- محمود علي عريقات، جمال عرفة، عواطف منصور، صباح الموسوي ، أحمد ملحم، سحر الصيدلي، فاطمة حافظ ، فتحي الزغل، محمد اسعد بيوض التميمي، حاتم الصولي، رضا الدبّابي، منجي باكير، عراق المطيري، الناصر الرقيق، الشهيد سيد قطب، د - محمد عباس المصرى، د. محمد يحيى ، محمود صافي ، المولدي الفرجاني، كريم السليتي، يزيد بن الحسين، عبد الرزاق قيراط ، هناء سلامة، د- جابر قميحة، د. صلاح عودة الله ، د - محمد بن موسى الشريف ، محمود فاروق سيد شعبان، فتحـي قاره بيبـان، محمد إبراهيم مبروك، عصام كرم الطوخى ، د - عادل رضا، محرر "بوابتي"، محمد أحمد عزوز، رشيد السيد أحمد، د - صالح المازقي، محمد الياسين، محمود سلطان، حسن الطرابلسي، د. نهى قاطرجي ، د- محمد رحال، ابتسام سعد، د.ليلى بيومي ، نادية سعد، حسني إبراهيم عبد العظيم، عبد الله زيدان، صفاء العربي، سامر أبو رمان ، أنس الشابي، صفاء العراقي، فراس جعفر ابورمان، سلوى المغربي، أ.د. مصطفى رجب، صلاح الحريري، معتز الجعبري، سيدة محمود محمد، د - شاكر الحوكي ، خبَّاب بن مروان الحمد، د. أحمد محمد سليمان، أشرف إبراهيم حجاج، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - محمد بنيعيش، عدنان المنصر، كمال حبيب، إسراء أبو رمان، د. طارق عبد الحليم، عزيز العرباوي، منى محروس، أحمد بن عبد المحسن العساف ، ياسين أحمد، محمد عمر غرس الله، رافع القارصي، فوزي مسعود ، د - مصطفى فهمي، د. أحمد بشير، عبد الله الفقير، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. محمد مورو ، د. الحسيني إسماعيل ، يحيي البوليني، حميدة الطيلوش، د - الضاوي خوالدية، د. كاظم عبد الحسين عباس ،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة